ما إن يطل بوجهه على الشاشة في أي من أفلامه أو أدواره، حتى تشعر بأن هناك طمأنينة وسكينة وهدوء تسيطر على الشاشة، تشعر بأن هذه هي لحظة الحكمة والصفاء والحب الحقيقي في هذا العمل الفني، وبأن شجرة عتيقة جذورها ضاربة في عمق الأرض تتحرك أمامك، تأخذك في ظلها، تمنحك القوة من ضعفها، والحنان والدفء من صوتها، وقبل هذا أو ذاك، تعطيك الحكمة .
إنه شيخ الفنانين القدير الراحل عبد الوارث عسر، الذي عهدناه رجلا كهلا عجوزا، منذ إطلالته الأولى على شريط السينما، فقد حفر الزمن بصماته على وجهه المريح المصري بحق، منحوت كأنه قطعة صلصال لينة، ختم عليها بعلامة الخبرة والجودة، الطيبة المفرطة التي تطل من عينيه، ونبرات صوته الحنون التي تقطر عذوبة في هدوء شديد بلا افتعال أو انفعال، وبالرغم من خلو فمه من الأسنان إلا أن أذنيك لا تخطئان كلمة واحدة ينطق بها دون أن تميزها بوضوح شديد، وكيف لا تميزها وهو أستاذ بل ورائد كبير من رواد فن الإلقاء، وأحد الذين وضعوا أسس هذا الفن المهم، وتتلمذ على يديه أجيال عدة من الفنانين، سواء من جيله أو من الأجيال التالية له .
ولد عبد الوارث عسر عام 1884 بحي الجمالية في القاهرة، لأب كان يعمل محاميا، عاشقا للغة العربية ومفرداتها، لدرجة أنها لم تكن تفارق لسانه، وهو ما عشقه عنه الابن عبد الوارث، كما عشق الأدب مما دفعه للتتلمذ على يدي أستاذ الأدب الألماني المستشرق د .شادة، فتعلم منه الأدب الغربي وروائع المسرح الأوروبي، فعشق الفن عشقا كبيرا، ووجد فيه لذته وغايته التي كان يبحث عنها، وكان عبد الوارث عسر يُحبّ القراءة ويُجيد اللغة العربية حتى أصبح متفقهاً فيها، قبل أن يحصل على البكالوريا أو الثانوية العامة من مدرسة التوفيقية الثانوية بشبرا، وكان شغوفاً أثناء دراسته للبكالوريا بمشاهدة العروض المسرحية، ثم التحق بكلية الحقوق، ولكنه لم يُكمل الدراسة بها، وذلك بعد وفاة والده، فقرر القيام برعاية الأسرة من بعد وفاة والده، ليصبح كبيرها، وترك الدراسة ليشرف على قطعة أرض زراعية كان قد تركها والده، من أجل الإنفاق على الأسرة .
غير أن حبه وشغفه بالفن ظل يراوده بين الحين والآخر، فقرر في النهاية أن يترك أرضه ويتجه للفن بعد أن حسم قراره، ليتلقى أول دروس ومبادئ تعليم التمثيل على يدي منسي فهمي، وبعد أن شعر بأنه مؤهل بالقدر الكافي ليُصبح فناناً بحق، انضم إلى جمعية أنصار التمثيل ليظهر براعة منقطعة النظير بطريقة دفعت عملاق المسرح في هذا الوقت جورج أبيض، ليخطفه من الجمعية ويضمه إلى فرقته المسرحية، لتكون أول أدواره بمسرحية الممثل الكبير، وتألّق بعدها كعادته بطريقة دفعت باقي الفرق المسرحية للتنافس على ضمه إليها، حتى جاءه عرض من فرقة عبد الرحمن رشدي، ولاحظ عمر وصفي مدير الفرقة أن ملامح الشاب عبد الوارث عسر تبدو أكبر من سنه 26 عاما آنذاك وتطل منها الحكمة والطيبة بطريقة جديرة بإقناع الجمهور به كرجل كبير في السن، فأسند له دور رجل عجوز دون أن يدري أن هذا الدور سيلازمه طوال حياته، وبالرغم من اعتراض عبد الوارث في البداية، إلا أنه اقتنع وأحب الدور والشخصية، بعد استقبال الجمهور له بحفاوة غير عادية .
بدأ عبد الوارث عسر عمله الاحترافي بالمسرح منذ عام ،1917 إلا أن ظروف الحياة ولزوم أكل العيش فرضت عليه أن يشغل وظيفة كاتب حسابات بوزارة المالية بجانب عمله المسرحي، في زمن كان الفن فيه لا يدر عائدا يمكن أن يعيش منه، حيث كان أغلب من يعملون بالفن آنذاك ينفقون عليه، وليس العكس .
بدأ عبد الوارث عسر يشق طريقه الفني بقوة بعد أن شعر بالثقة في نفسه وموهبته، وحاول مع صديقيه سليمان نجيب ومحمد كريم النهوض بفن التمثيل والتأليف والإخراج، وكانت مهمة عبد الوارث تدريب الوجوه الجديدة، كما لم يكتفِ بالتمثيل، بل كشف عن طاقات إبداعية أخرى، فقدّم مجموعة من المسرحيات من تأليفه حققت نجاحاً كبيرا منها الموظف، إذ اكتشف أنه يُجيد الكتابة والاقتباس من روائع الأدب الأوروبي والمسرح الغربي مع صديقه سليمان نجيب، وكتب بمفرده 4 مسرحيات والعديد من التمثيليات الإذاعية للإذاعات الأهلية قبل ظهور الإذاعة المصرية الرسمية، وترجم موضوعات عدة حتى جاءته فرصة العمل في السينما، فشارك عام 1928 في ثاني أفلام السينما المصرية الصامتة وكان بعنوان زينب من إنتاج عزيزة أمير التي أسست عام 1927 شركة إيزيس للإنتاج السينمائي وقدمت باكورة أعمالها وأعمال السينما المصرية الروائية فيلم ليلى، وفي العام التالي قدمت فيلم زينب المأخوذ عن رواية الأديب محمد حسين هيكل وشارك فيه عبد الوارث عسر، كما شارك فيما بعد بنفس الدور في نفس الفيلم عندما تحول إلى ناطق عام ،1930 وعام 1933 شارك في فيلم دموع الحب وكان عمره 49 عاماً، وقام بدور والد المطرب محمد عبد الوهاب، مما حصره في نوعية أدوار الأب والرجل العجوز، ليكون قدره أن يكون عجوز الفن الحكيم، في عز شبابه على المسرح، ومع بداية السينما .
دخول عبد الوارث عسر مجال السينما، كان بمثابة اللبنة الأولى في حجر أساسها، ومن أشهر الأفلام التي قدّمها: ممنوع الحب ويوم سعيد مع محمد عبد الوهاب، وغزل البنات مع ليلى مراد ونجيب الريحاني، وصراع في الوادي مع عمر الشريف والمخرج يوسف شاهين، وموعد مع السعادة ودايماً معاك مع فاتن حمامة، ولا ننسى دوره الرائع في فيلم شباب امرأة مع تحية كاريوكا وشكري سرحان والمخرج صلاح أبو سيف، ولحن الوفاء والوسادة الخالية مع عبد الحليم حافظ، وغصن الزيتون مع سعاد حسني، وإسماعيل يس في الأسطول مع إسماعيل يس، وعنتر ولبلب مع شكوكو وسراج منير، في حين لم ينسَ دوره في اكتشاف المواهب الشابة ورعايتها، فهو الذي اكتشف الفنان عماد حمدي حيث كان طالباً بالمدرسة التوفيقية وانضم لجماعة التمثيل، وكانت وقتذاك تحت إشراف الفنان الكبير عبد الوارث عسر، الذي درّب عماد حمدي على فنَي الإلقاء والتمثيل، ثم أخذه معه إلى عالم الفن، وقيل أيضاً إنه الذي اختار للفنانة فاطمة أو فتوش لقب شادية الكلمات لطريقتها المميزة في أداء الجمل الحوارية، فلازمها اللقب وأصبحت شادية .
وانطلق كذلك مبدعاً في مجال التأليف السينمائي فشارك في كتابة عدد كبير من الأفلام؛ منها: دموع الحب، الدكتور، يوم سعيد، أخيراً تزوجت، دليلة، شباب امرأة، وحصل على جائزة التأليف السينمائي عام 1954 تتويجاً لكتاباته عن سيناريو فيلم جنون الحب، حيث لم يعطل الفن المبدع عبد الوارث عسر عن ممارسة مهامه نفسها التي كان يمارسها وقت عمله المسرحي، في كتابة الأفلام والسيناريوهات وترجمة النصوص التي يصلح تمصيرها وتحويلها إلى أفلام، ليثري أذواق وثقافات الجمهور المصري والعربي .
تعلّم عبد الوارث عسر تجويد القرآن في الكُتّاب منذ الصغر، مما ساعده في إتقان فن الإلقاء الذي برع فيه، وكان يهواه ويُجيده، وبعد جورج أبيض لم يجد أساتذة الفن سوى عبد الوارث عسر ليقوم بالتدريس الأكاديمي لفن الإلقاء، وليضع منهجاً دراسياً، فقام بتأليف كتاب فن الإلقاء الذي ما زال يُدرس حتى اليوم، فهو الوحيد من نوعه في ذلك التخصص في المكتبة العربية بأكملها، وبرع في إلقاء محاضرات عن هذا الفن بالمعهد العالي للسينما منذ إنشائه عام 1959 حتى عام ،1967 ويُذكر للفنان الراحل تدريبه وتعليمه عشرات الفنانين لفن الإلقاء، وكان ملقناً بدرجة فائقة، كما أن دراسته للغة العربية دراسة حرة حتى أصبح من المتفقهين فيها، ساعده على كتابة ديوان شعر مشهور نشرته الهيئة المصرية العامة للكتاب .
رغم نجاحه وتألقه، لم ينس عبد الوارث عسر طوال مشواره مدرسته التي تخرج فيها، فكان حريصاً على تلبية دعوة المدرسة له في الاحتفالات السنوية التي تقيمها، حتى أنه عندما دُعي إلى احتفال المدرسة باليوبيل الذهبي لها عام 1981 صمم على الحضور رغم مرضه الشديد، وكان يبلغ من العمر وقتها 97 عاماً، فجاء على كرسي متحرك ليشاهد مراتع شبابه .
على مدار مشواره الفني الممتد إلى ما يقرب من 60 عاماً، لم ينقطع العملاق عبد الوارث عسر عن التمثيل الذي كان يسري في دمائه، ويدخل ويخرج إلى رئتيه مع الشهيق والزفير طوال حياته، لذا ظل على حضوره ونبوغه الفني حتى بعد أن قارب على الخامسة والتسعين ليظل وهجه وتألقه في الاستوديو كما هو، دون أن ينسى الكلمات، أو يفقد القدرة على العطاء، والدليل مشاركته في مسلسل أحلام الفتى الطاير عام 1978 مع عادل إمام وعمر الحريري ومحمود المليجي، وأبنائي الأعزاء شكراً عام 1979 مع عبد المنعم مدبولي ويحيى الفخراني وفاروق الفيشاوي، وفيلم لا تبكي يا حبيب العمر في نفس العام، وكان آخر أفلامه لا عزاء للسيدات عام ،1979 قبل أن يشتد عليه المرض وهو في الثامنة والتسعين، ليتوارى عن الأضواء رغما عنه على مدار ثلاث سنوات حتى تأذن له السماء بالرحيل في الثاني والعشرين من إبريل/نيسان عام 1982 بعد أن أصبح أحد معمري السينما، وشيخ فنانيها على مدار الأجيال .