د. نعمات أحمد فؤاد

تكتسب مؤلفات العلماء والباحثين الإسلاميين أهمية خاصة في كل وقت، ويحتاج العقل المسلم إلى الاستزادة مما فيها من علم وفكر وثقافة، خاصة في هذا الوقت الذي نضب فيه الفكر، وقل فيه الوعي، وانشغل الكبار والصغار عن الكتاب.

وها نحن نحاول إعادة قراء «الخليج» الكرام خلال هذا الشهر الفضيل إلى بعض حصاد الفكر الإسلامي من خلال ما نقدمه من عروض للكتب والدراسات والأبحاث الإسلامية المتميزة.. فهيا بنا نقرأ.
يسعى الإسلام دائما إلى عمارة الأرض، عمارة الروح والجسد، فهو الدين الواقعي الذي يلبي كل طموحات الإنسان، ويعترف بمتع الحياة ومتاعها ويقر زينتها وطيباتها، ويقيم نظاماً جامعاً للدين والدنيا ليسعد الإنسان بحياته ويطمئن لمصيره في الآخرة.

وهذا الكتاب (من عبقرية الإسلام) للمفكرة الكبيرة الدكتورة نعمات أحمد فؤاد يقدم رؤية حضارية للإسلام باعتباره ديناً ودولة، وثقافة وحضارة، ونظاماً جامعاً للدين والدنيا.
وتستعرض الكاتبة الكبيرة صور توهج الإسلام بحب الحياة، حيث تتحدث عنه باعتباره يجسد إنسانية الإنسان، وكونية الكون، وقدسية الروح.. ولذلك كان طبيعيا أن تتعدد مثل هذه العناوين في كتابها: (شخصية الفرد شخصية المجتمع الإسلام والعلم الإسلام والعلوم الحديثة الإسلام والحضارات الإسلام والفنون الإسلام والمرأة نبي الإسلام رسولاً وإنساناً الإسلام والاستشراق الإسلام والتبشير الإسلام في القرن الخامس عشر القرن الخامس عشر والتراث الإسلامي).

صور العبقرية

وتتحدث د.نعمات عن الإسلام باعتباره دين الفطرة الذي يحمل الكثير من صور ومظاهر العبقرية، حيث تعدد صور وعلامات عبقريته ومنها: اعترافه بالأديان السابقة، ودعوته للتوحيد، والرحمة، والسلام، والعمل المتقن الذي تتجسد فيه كل مظاهر الإخلاص، كما تكمن عبقريته في يسره وبساطته، وتعاليمه السمحة، ومنهجه المحكم، المفصل الدقيق، واحترامه للشخصية الإنسانية، ما أتاح لها الحرية، ولم يقيدها إلا بما ينفعها.
تقول المؤلفة: لقد دعا الإسلام إلى العلم وحث على كل صور المعرفة، وفي الوقت نفسه أكد مكارم الأخلاق حتى تمضي سفينة الإنسانية إلى بر الأمان، ولم يترك الإسلام أحدا يعاني الفقر والهوان، لكنه احتضن الفقير والمسكين، وجعل لكل محتاج نصيبا من أموال المسلمين المطالبين شرعا بإخراج الزكاة المفروضة والصدقات التطوعية التي تتعدد صورها ويتنوع عطاؤها، وتكثر منابعها.
ثم تعرج الكاتبة الكبيرة على العبادات لتوضح أهميتها في حياة الإنسان، فالصلاة عصمة للإنسان من كل شر إذا أداها بالوجه الأكمل، والزكاة حق للفقير على الغني لصالح المعطى والآخذ، بل لصالح المجتمع كله، والحج رباط بين المسلمين جميعا على اختلاف لغاتهم وجنسياتهم، وأخوة في الدين والعقيدة والهدف والغاية، هو باختصار مؤتمر إسلامي سنوي كبير يجب أن يستفيد منه المسلمون روحيا وإعلاميا واقتصاديا وسياسيا.

نشر الثقافة الأخلاقية

وتتناول المؤلفة أهمية نشر الثقافة الأخلاقية في المجتمع، حيث تضبط أخلاق الإسلام سلوك الإنسان، فالإسلام أعلى قيمة الصدق لما له من اثر كبير في صلاح الدنيا والآخرة، ولم تقتصر دعوة الإسلام للعمل على حدود الجد والإتقان، لكنها مضت أبعد من ذلك في اتجاه المحاولة والاجتهاد، فمن عمل فأخطأ فله أجر واحد، ومن عمل فأصاب فله أجران، كما يقول الرسول الكريم صلى الله عليه وسلم.
وتشير د.نعمات إلى أهمية الثقافة الدينية في تربية الإنسان في هذا العصر، فهي تحمي الشباب من الانحراف وتمضي بهم إلى حياة مستقرة نفسيا واجتماعيا، وتفتح طريق الأمة الإسلامية إلى استعادة عزها ومجدها.
وتطوف بنا الكاتبة الكبيرة على عدد كبير من الموضوعات لتقدم من خلالها رؤية حضارية للإسلام، فتتحدث عن التوحيد، وعلاقة الإنسان بخالقه، وشخصية الفرد ودور آداب الإسلام في ضبط إيقاع المجتمع الإسلامي.
وتتحدث د.نعمات أيضا عن علاقة الإسلام بالعلم والحضارة وتأثيره في الحضارات الأخرى وتأثره بها، وعن إسهامات العلماء المسلمين في شتى المعارف والعلوم، وتوضح مظاهر إنصاف الإسلام للمرأة.

الرسول القدوة

وتحدثنا المؤلفة عن شخصية الرسول الكريم ، صلى الله عليه وسلم ، باعتباره القدوة والأسوة الحسنة، فهو الإنسان النبي الذي يجب أن نسير على خطاه ونعمل بتوجيهاته في أمور حياتنا كلها.
وتحدثنا أيضا عن الاستشراق «ما له وما عليه»، وعن علاقة الإسلام بالعلوم الحديثة، لتؤكد أن الإسلام دين علم وفكر وثقافة، وهو يدفع الإنسان دائما إلى استيعاب كل العلوم النافعة وتطبيقها بما يحقق له وللأسرة التي ينتمي إليها، والمجتمع الذي يعيش فيه الحياة الطيبة التي يريدها الإسلام لكل مسلم.
كما تتناول المؤلفة الحلول المقترحة التي نستطيع من خلالها الخروج من الأزمة التي تمر بها الأمة الإسلامية، وهي تعبر عن آمالها في رؤية اقتصاد إسلامي ومجتمع إسلامي وفكر إسلامي مستنير.

حقيقة الموت

وتحدثنا د.نعمات أحمد فؤاد عن حقيقة الموت فتقول: لقد ظن الملحدون أن الموت «عدم وفناء»، وهو في الحقيقة «خلود وبقاء»، ونظرة الإسلام إلى الموت من أسرار عظمته وعبقريته، فالموت في نظر المسلمين الصادقين المجاهدين إحدى الحسنيين، ولذلك يرفعون شعار(النصر أو الشهادة) وفي صدر الإسلام ضرب المسلمون المثل الأعلى في الدفاع عن العقيدة وحاربوا الفرس والروم غير هيابين ولا خائفين.
قال عمرو بن العاص وهو يصف أحوال جنده عند فتح حصن بابليون :«كان معي قوم الموت أحب إليهم من الحياة».

تقول د.نعمات: الإسلام ينظر إلى الدنيا كدار ممر، وإلى الآخرة كدار مقر، في الأولى يزرع الإنسان ويجد ويجتهد في العمل والعبادة، وفي دار البقاء يجني ثمرة عمله وحصاده. ولذلك عندما شعر بلال بدنو أجله ظهرت على وجهه أمارات الرضا والابتسام، ولما سأله أهله تفسيرا لذلك قال :«غدا ألقى الأحبة محمداً وصحبه».

وتتحدث المؤلفة عن العلم وتتساءل: نحن نسمي عصرنا «عصر العلم» ولكن أين هذا العلم من عجائب الخلق وقدرة الخالق عز وجل؟ ماذا نعرف عن عوالم النمل أو النحل أو النبات أو الحيوان أو الطير؟ إن ريشة الطائر الخفيفة الرقيقة بالغة القوة والصلابة تحتوي على شبكة من الألياف القوية المتماسكة، والطيور هم أبطال في رياضة الغوص، ونقار الخشب يستطيع أن يصل إلى اليرقات الدقيقة من خلال أذنين قويتين من بين حفيف أوراق الأشجار.
والأمومة في عالم الطيور عادلة منصفة لا تفرق بين الأبناء حتى قبل خروج الأفراخ الصغيرة من البيض بتوزيع دفء جسمها عليهم بالعدل.
وتهاجر الطيور وتغادر أوطانها في طلب الرزق وحفظ النوع ورعاية الأبناء، وتقطع آلاف الأميال من مكان إلى مكان، تذهب وتعود بمهارة تفوق الطيارين المحترفين.

العمارة الإسلامية

وتحت العنوان السابق تقول الكاتبة الكبيرة: الإسلام يحب البناء، والرسول صلى الله عليه وسلم يشبه المجتمع الإسلامي في حديثه الشريف بالبنيان المرصوص يشد بعضه بعضاً.
والمساجد التي اهتم الإسلام بعمارتها تقدم آية من الفن من حيث الفراغ المعماري والارتفاع والزخرفة، وهي تميل إلى الشكل الأفقي نسبة إلى قيمة المساواة بين الناس باستثناء المئذنة التي تأخذ الشكل الرأسي لرفع الأذان ونشره في أكبر مساحة من الأرض المحيطة بالمسجد.
وفي مؤتمر الفن الإسلامي بلندن سنة 1976 قال النقاد والفنيون فيما يشبه الإجماع إن الفن الإسلامي متشابه على اختلاف أوطانه، وأرجعوا السبب إلى الخط العربي لكن الحقيقة أن العنصر المشترك هو روح الإسلام بقيمه العليا من مساواة وحرية وسماحة وتوحيد.
والقبة في العمارة الإسلامية تنتهي إلى نقطة يعلوها هلال هو رمز الميلاد الجديد في عملية اختزال رائع للحياة.
وتضيف: لقد أنزل الله القرآن الكريم بلسان عربي مبين، فغدا الخط العربي عنصراً بارزاً من عناصر الزخرفة الإسلامية، حتى وصلت طرق استخدامه إلى (90) طريقة ولم يقف الأمر عند هذا الحد بل تحول الخط العربي في حد ذاته إلى فن جميل وجليل يقدم موضوعات زخرفية ذات إيقاع فني متناغم، وصار للخط العربي أصول وقواعد ونسق وهيئة تتغير وتتطور مع الأيام، لكنها تغترف من نبع صاف يتمثل في روح الإسلام وإشراقاته وإلهاماته، يقول الإمام علي بن أبي طالب: «الخط الحسن يزيد الحق وضوحا».

والزخرفة الإسلامية تحتفل باللون وتحتفي به وتقيمه مقام الضوء، ليحاكي الطبيعة أو يخالفها بلا تكبر أو تجبر، لأن الفنان المسلم يستحضر عظمة الخالق عز وجل ويعرف قدره وقدرته.

ويبدو أثر الإسلام في موضع آخر هو تركيز الفنان المسلم للزخارف وتكثيفه في مواضع معينة كالمنبر والقبلة والمحراب والمئذنة وكأنها تحية خاصة للإسلام.

الإسلام والحضارات الأخرى

وعن موقف الإسلام من الحضارات الأخرى تقول المؤلفة: احترم الإسلام الحضارات الأخرى في البلدان التي فتحها فلم يهدد ولم يبدد بل حفظ وصان وأضاف وأثر فيها وتأثر بها. ولم يتدخل الإسلام في العادات والتقاليد وأسلوب العيش وترك لأهل هذه الأمصار حرية العقيدة ووفر لهم الحماية والأمان على أرواحهم وممتلكاتهم.
وأوضحت أن دور الحضارة الإسلامية في النهضة الأوروبية لم يقتصر على الجوانب العلمية فقط، بل تعداها إلى الفنون والآداب، فقد تأثرت القصة الأوروبية بالمقامات وأخبار الفروسية عند العرب ومنها (رحلات جاليفر) لسويفت (ورحلات روبنسون كروزو) لديفو، ويتضح فيها الأثر الكبير لرسالة حي بن يقظان لابن طفيل وقصص ألف ليلة وليلة.
وعن رؤيتها لجهود المستشرقين تقول د.نعمات: لقد سلك بعض المستشرقين سلوكا عمليا نزيها وكان لعلمهم الجليل أثر في إشاعة المنهج العلمي في الدراسات العربية الأكاديمية، كما امتد أثرهم إلى تحقيق كثير من النصوص ونشر الكثير من المخطوطات، ومثل هذا الصنيع لا يجحد لكن بعضهم كان له غرض واتخذ الهوى منهجا وسبيلا.
ومن المستشرقين الذين أشادوا بالإسلام «ولفريد كانتويل سميت» أستاذ الدراسات الإسلامية بجامعة مونتريال في كتابه «الإسلام في التاريخ الحديث» إذ يقول: «إنه ما من دين استطاع أن يوحي إلى المتدين به شعورا بالعزة كالشعور الذي يخامر المسلم في غير تكلف ولا اصطناع، وكون الإنسان مسلما باعث من بواعث الحمد تسمعه من جميع المسلمين».
وعن رؤيتها لمستقبل الإسلام تقول د.نعمات: مستقبل الإسلام مشرق لا شك في ذلك لكن واقع المسلمين مؤسف لا جدال في ذلك.
ومن هنا فهي تدعو إلى عقد مؤتمر إسلامي جامع يبحث أحوال المسلمين وكيفية استثمار أموالهم وتحقيق التكافل الاجتماعي فيما بينهم. كما تؤكد ضرورة دراسة التراث الإسلامي وتنقيته وتخليصه من الحشو وإتاحة الفرصة للاجتهاد والتجديد.
وتتمنى الكاتبة أن يقترن الإسلام دائما بالعلم والاهتمام بعلوم الدين والدنيا معا لاستعادة مجد الآباء والأجداد.