يقول عالم السنة النبوية، د. إسماعيل الدفتار، عضو هيئة العلماء بالأزهر الشريف: رسول الله صلى الله عليه وسلم من خلال توجيهاته الكريمة رسم للمسلم صورة مثالية، حيث بنى شخصيته على القوة والاعتزاز بالنفس، وواجه كل مصادر الضعف ومظاهر الذلة والهوان، فالمسلم الحق قوي الشخصية من دون أن يرتدي ثوب الكبرياء ومن دون أن يهدر حقوق الضعفاء في المجتمع وما أكثرهم.. ومن دون أن يستذل لأحد فشأن المسلم أن يكون عزيزاً في نفسه، لا يذل نفسه ولا يستذل لأحد، كريما في شخصيته فيرفع من قدر نفسه ولا يحتقر الآخرين، معنياً بمظهره ومخبره، ولا يداخله مثقال ذرة من كبر.. قال صلى الله عليه وسلم: «لا يدخل الجنة من كان في قلبه مثقال ذرة من كبر» فقال له رجل: إن الرجل يحب أن يكون ثوبه حسناً ونعله حسنة؟ فقال صلى الله عليه وسلم: «إن الله جميل يحب الجمال، الكبر بطر الحق (أي رده) وغمط الناس أي احتقارهم.. وقد بين القرآن الكريم لمن تكون العزة في قول الحق سبحانه:»ولله العزة ولرسوله وللمؤمنين».
الحوائج.. بعزة الأنفس
ولأن رسول الهدى وإمام العظماء لا يقبل للمسلم ذلا أو مهانة فإنه يوجه كل المسلمين إلى أن يطلبوا حوائجهم بأنفس عزيزة، فإن الأمور تسير على حسب ما قدره الله.. قال صلى الله عليه وسلم: «اطلبوا الحوائج بعزة النفس، فإن الأمور تجري بالمقادير»، ولذلك فإن الذي يذل نفسه عن طواعية واختيار يحيد عن منهج الحق.. قال صلوات الله وسلامه عليه: «لا ينبغي لمسلم أن يذل نفسه، يتعرض للبلاء لما لا يطيق».
يقول العالم الأزهري د. أحمد عمر هاشم عضو هيئة كبار العلماء بالأزهر: من أبرز معاني العزة التي رسخها رسول الله في بناء شخصية المسلم القوي «غني النفس، والعفة عن الدنايا»، وهو صلوات الله وسلامه عليه القائل: «ليس الغنى عن كثرة العرض ولكن الغنى غنى النفس»، فالمسلم الذي يسير على هدي رسوله العظيم سيد نفسه، يكبح جماحها، ويسيطر على هواها، فلا تحيد عن الحق، ولا تطمع في الباطل، وتملي عليه شخصيته القوية أن يتعفف عن السؤال ومد اليد.. فاليد العليا كما وجهنا رسولنا العظيم خير من اليد السفلى.. وعلى الموظف أن يتعفف عن الوساطة في وظيفته فالكفاءة هي الميزان الحقيقي، ووفقا لهدي رسول الله صلى الله عليه وسلم في بناء شخصية المسلم يجب أن يتنزه صاحب العمل عن الرشوة، وأن يتربى الصغار على أداء الواجبات، ويتجنبوا كل صور الإهمال والغش، وأن يتعفف التجار عن الجشع والخداع، والعامل عن الكسل والاستهتار.. وهكذا تتعفف البيئة الإسلامية كلها عن أكل أموال الناس بالباطل، وذلك استجابة لنداء الحق سبحانه «يا أيها الذين آمنوا لا تأكلوا أموالكم بينكم بالباطل إلا أن تكون تجارة عن تراض منكم، ولا تقتلوا أنفسكم إن الله كان بكم رحيماً».
استقلال الرأي
وقد غرس رسول الله صلى الله عليه وسلم في أتباعه كراهية النفاق كما دعا كل مسلم إلى تجسيد معاني الشهامة والكرم والنبل منذ نعومة أظفاره حتى يشب ومعه من القيم أرفعها، ومن المبادئ أسماها، ومن الغايات أشرفها، وبهذا ترقى الشخصية الإسلامية وتأخذ دورها في الحياة متطلعة إلى معالي الأمور، متخذة أفضل الوسائل وأعلاها، كما قال صلى الله عليه وسلم: «إن الله كريم يحب الكرم، ويحب معالي الأخلاق، ويكره سفاسفها».. وقال عليه الصلاة والسلام أيضاً: «إن الله يحب معالي الأمور وأشرافها..».
ومن الملامح البارزة في شخصية المسلم التي رسم صورتها رسول الإنسانية صلى الله عليه وسلم «استقلال الشخصية» فالمسلم الحق لا يكون تابعا لأحد، ولكنه صاحب شخصية مستقلة يعتنق الحق ويسير على ضوئه، ويعمل في دائرته من دون أن يكون هناك أي تأثير خارجي عليه، لأنه وفق توجيهات الرسول الأعظم، يؤمن بأن جزاءه منوط بعمله، فإحسانه لنفسه، وإساءته لها، وقد غرس الرسول في نفسه أصول الحق ليتبعها، وشعاره في ذلك قول الحق سبحانه: «إن أحسنتم أحسنتم لأنفسكم وإن أسأتم فلها».
ولذلك لا يجوز لمسلم أن يرتكب الخطيئة ويسندها للآخرين، لأنه يحاسب عن كل ما يفعله بفضل شخصيته المستقلة، فرسول الله صلى الله عليه وسلم قد حذرنا جميعا من الانسياق وراء الآخرين وإلغاء شخصيتنا، وهو القائل في الحديث الصحيح: «ولا تكونوا إمعة تقولون: إن أحسن الناس أحسنا، وإن ظلموا ظلمنا، ولكن وطنوا أنفسكم إن أحسن الناس أن تحسنوا وإن أساءوا فلا تظلموا».
باني الحضارة
يقول د. هاشم: رسول الله صلى الله عليه وسلم من خلال هذا التوجيه الكريم وغيره من التوجيهات التربوية يؤكد حرصه الشديد على بناء شخصية المسلم القوي، وإعداده إعدادا محكما، فهو الصانع الحقيقي للحياة الطيبة التي ينشدها المجتمع الإسلامي، وهو الباني للحضارة، والذي على أكتافه تقوم النهضة وتتحقق التنمية، وهنا يبرز الجانب التربوي في هدي رسول الله، حيث يوفر للمسلم كل ما يساعده على التقدم والاستقرار وحل مشكلاته بنفسه.
وفي استقلال شخصية المسلم حماية لمقومات الحق والخير التي أودعها الله في الإنسان، فلا يتأثر بالعوامل الخارجية والمؤثرات المحيطة به، فإذا كان قاضيا أو شاهدا أو مدرسا أو قائما بالإصلاح بين الناس، أو مقوما لأعمال البعض أو ما إلى ذلك من مسالك الحياة التي يرتادها، فهو مطالب شرعا بالحرص على الحق والالتزام بالأمانة والموضوعية بغض النظر عن أي عامل آخر، أو أي مؤثر خارجي، فإذا قام بالحكم بين الناس أو القضاء فيهم، أو طلب منه أداء شهادة، أو فصل في خصومة، فعليه أن يتحرى جانب الحق، فلا تؤثر عليه صلة قرابة أو نسب أو غير ذلك، وشعاره في ذلك قول الحق سبحانه: «وإذا قلتم فاعدلوا ولو كان ذا قربى». وقوله عز وجل: «يا أيها الذين آمنوا كونوا قوامين لله شهداء بالقسط ولا يجرمنكم شنآن قوم على ألا تعدلوا اعدلوا هو أقرب للتقوى، واتقوا الله إن الله خبير بما تعملون».
وهذا يعني أن شخصية المسلم الذي رباه الرسول على مكارم الأخلاق وحميد الصفات لا تقبل الظلم، فالمسلم الذي يسير على هدي رسول الله صلى الله عليه وسلم يقيم العدل ولو على نفسه أو أقرب الناس إليه، ويقول الحق ولو على نفسه، وهو يعدل مع العدو كما يعدل مع القريب والحبيب، لا تحكمه تبعية تهدم شخصية، ولا يجور على عقيدته الهوى، ولا تتسرب المحاباة إلى داخله، يحيا بين الناس قواما بالقسط شاهدا لله، ولو على نفسه أو والديه أو أقربائه.
واستقلال الشخصية الذي يربي الرسول أتباعه عليه، يعني المحافظة على النفس من التأثر بخصائص الغير وأفعاله التي لا تتفق مع روح الإسلام، وتتنافى مع فضائله.. أما الاستبداد بالرأي، أو التمادي في الخطأ، فليس بينه وبين قوة الشخصية واستقلالها أدنى علاقة، بل إن ذلك يتنافى معها تنافيا تاما، فالرجوع للحق فضيلة، ولا يوصف من يرجع للحق بأنه لا شخصية له، بل إنه قوي الشخصية في ضبط النفس وكبح جماحها والاتجاه صوب الحق والعدل.
تعاون وتكامل
وقد علمنا رسول الله صلى الله عليه وسلم أن استقلال شخصية المسلم لا يعني الانفراد بالقرار والعمل في جزيرة منعزلة عن الآخرين، فالمسلم لا يعمل وحده، بل يشارك الآخرين ويتعاون معهم، ويستشيرهم، وقد ضرب الرسول الأعظم المثل والقدوة في التعاون مع الآخرين، واحترام قدراتهم ومواهبهم، وتقدير عقولهم، واستحق لقب «مهندس العلاقات الاجتماعية ورائد التعاون والتكافل بين الناس»، فتوجيهاته في هذا الميدان لا تحصى.. وقد استطاع أن يجمع شتات القبائل العربية ويصهرها في بوتقة الإسلام.
ومن أهم الملامح التي رسمها رسول الإنسانية الخاتم لشخصية المسلم القوية المتماسكة «الثبات في العسر واليسر» فالمسلم الحق شاكر في السراء، صابر في الضراء يبرهن على صدق عقيدته بالإنفاق في الحالين.. وأوضح لنا صلوات الله وسلامه عليه أن شخصية المسلم لا تهتز بالعسر، ولا تقنط بالضراء، كما أنها لا تضل ولا تطغى باليسر أو السراء، إنما هي في الموقفين سواء، وهذا شأن المسلم الذي قويت عقيدته، وأتت أكلها وثمارها، إنه شاكر في السراء، صابر في الضراء.. وهنا يقول صلى الله عليه وسلم: «عجباً لأمر المؤمن إن أمره كله له خير، وليس ذلك لأحد إلا للمؤمن إن أصابته سراء شكر فكان خيراً له، وإن أصابته ضراء صبر فكان خيراً له».
وهكذا.. فإن المسلم الحق الذي تربى على توجيهات ووصايا رسوله العظيم يدرك جيداً أنه يسير على خطى ثابتة ومعه يقين يضيء له الطريق، وثقة تذيب كل هم أو حزن، فنظرته إلى الحياة ذكية واعية، ومواجهته لمشاهدها العديدة حازمة حاسمة، لا يشده بريقها، ولا يخدعه زخرفها، ولا يتعلق بمتاعها القليل، وهو يعلم أن حياته سلسلة متصلة الحلقات من الابتلاءات والاختبارات، فمنها ما يكون ابتلاء بالنعمة، ومنها ما يكون بالنقمة، وتلك سنة الله في خلقه.
ما أعظمك يا رسول الله.. وما أروع توجيهاتك ووصاياك التي يحتاج المسلم إلى التسلح بها في كل عصر، لتكون شخصيته متزنة وقوية ويتعامل الجميع معه باحترام وتقدير.