معادلة فنية جديدة، أرست حضورها في حديقة منزل آل عساف فتحولت إلى متحف طبيعي ناطق . . معادلة رفعت منسوب العبقرية الفنية التي يشغلها الإخوة عساف ومنصور وعارف عساف، الذين تحايلوا على الصخور . أخرجوها من عجزها وصمتها، فأعطوها هوية جديدة بلون رسام ونحات وممثل وكاتب ومغن، ليقدمها إزميلهم متحفاً انصهرت داخله الصخور باللوحات وبألوان الطبيعة لتأتي على شاكلتهم .

حين انشغل كل أفق الحياة في طرطقات السياسة، كان الأشقاء عساف ينحتون الطبيعة على هيكل الحرية المسلوبة من قيودها . وضعوا نحتهم في خدمة قضية ثقافية فنية تنسحب في فضاء سياحي مختلف يمكن الزائر من أن يخلع رداء التشويه ويرتدي ثوب الجمال المنحوت في صخور الطبيعة، في متحف يقدم النحت على طبق من أسرار تاريخية يغنيها الموسيقار الراحل فريد الأطرش، فيأتيه شعر سعيد عقل من خلف ذاك التمثال العملاق، ليتلقفها الفنانون الراحلون نبيه أبو الحسن وشوشو، يسردانها في قالب مسرحي، ولكن هذه المرة على نمطية نحت أرتأى من خلاله الإخوة عساف تقديم نموذج فني يراه منصور عساف خلق فضاء آخر من التعبير الفني وسط الطبيعة .

متحف الطبيعة أبصر الحياة عام 1997 في حديقة منزل آل عساف في بلدة الورهانية، في جبال منطقة الشوف بجبل لبنان وسرعان ما تحول إلى لوحة جمالية انقضّت على زحف الأسمنت . نجح الإخوة عساف في جمع التاريخ بالحضارة ومد جسور ارتباط مع الأرض التي حاكت الشجر . هذه الديباجية الفنية خلقت توازناً ثقافياً في طياته تمخضت وفق منصور عبر شخصيات لعباقرة مُنجزة مجسّماتها فعلا، وتلك التي تنتظر دورها، قسم منها في المتحف الدائم، الذي سيفتتح قريبا في الهواء الطلق، والقسم الآخر سيكون داخل غرف الاستقبال .

هي نزوة فنية تعانقت فيها الصخور مع إزميل عساف فحاكت شخصية جبران خليل جبران . يقول عساف الذي طوَع الصخور بين يديه فأخرجها منحوتات يتسابق الجمال اليها، وهو يعمل على خلفية مشروع وضعنا مجسمه منذ 15 سنة يضم عدّة بيوت تتوزّع على مساحة تبلغ آلاف الأمتار، مبنية كلها من الحجر اللبناني الطبيعي وبعضها ذات أسقف خشبية، مراعاة لحرمة الطبيعة والجمال، فضلا عن الطين الكلسي والقش وبعض الأسمنت لضمان متانة البناء .

يحرص آل عساف على أن يتألق نتاج إزميلهم في كل مفاصله . . إزميل أيقن مراراً وتكراراً أن النحت لغة اخترقت عالم اللغات . ويضيف عارف إننا عبر النحت تمكنَا من أن نخلق جدلية خطابية بين منحوتات تاريخنا والآخر، يسري عملنا وفق منظومة ركيزتها الأساسية الطبيعة .

أفرج إزميل عساف عن شخصيات تاريخية كانت رهينة الأسر داخل حديقة النحت المتحايل على الآخر وفق ما يشير وهو ينهمك في إنجاز منحوتة جديدة ستنضم إلى منحوتات نبيه أبو الحسن وشوشو وميخائيل نعيمة وعارف النكدي وفيلمون وهبي وسعيد عقل ومايكل دبغي وجبران خليل جبران وميشال طراد والموسيقار فريد الأطرش .

أعمال واقعية وكلاسيكية، يتميز بها الأشقاء الثلاثة الذين يعملون ما بين 8 و 10 ساعات يومياً في محترفهم الواقع عند الجهة الشرقية للمنزل، بهدف تخليد التاريخ للمستقبل . وفي ذلك يوضح منصور نحن حريصون دائما على أن تعكس مجسماتنا القيمة الإنسانية لأصحابها، تكريما لهم ولأعمالهم وتضحياتهم . ونحن في عملنا هذا لا ننافس إلا أنفسنا . . دافعنا هو النقص الحاصل في هذا النوع من الفنون، وأن نبقى نعمل في لبنان وللبنان .

ما يثير الانتباه وأنت في حضرة الفن الذي يتوافد تارة من جبران خليل جبران الرابض على تلة في إحدى الصخور المحاذية للمنزل، وطورا عبر شوشو متبسماً، هو الدقة اللامتناهية في تلك المنحوتات التي تحسبها حقيقة، تلمس عبرها الدقة والتفاصيل . . هذا ما يشير اليه عساف ويضيف: من هذا المبدأ انطلقت فكرة تمثال فريد الأطرش، التي تطلّبت وقتا طويلا لإنجازها قارب السنتين، بعدها قدّمنا التمثال لبلدية مدينة عاليه التي أحبّت فريد الأطرش وأحبها .

مجسمات عملاقة تصادفك في منزل آل عساف الذين توارثوا هذه المهنة أباً عن جد . يقول منصور تأثرنا بمهنة والدنا الذي نحت تماثيل عدة أبرزها للفنان عارف الرّيس التركيز على التفاصيل واحدى تقنيات عملهم باكورته منحوتات عملاقة يعددها عساف تمثال للفنان الراحل نبيه أبو الحسن ثم آخر للفنان الراحل شوشو الذي استغرق سنة وثمانية أشهر، وبعدها وجه الأديب والمفكر ميخائيل نعيمة، ولعله العمل الأهم كعمل خارجي والأكبر حجماً (بارتفاع 5 أمتار وبعرض 7 أمتار وبعمق 5 .2 متر في قلب صخر جبل صنين، كما يوضح عارف . فيما يلفت منصور إلى أن الأعمال الكبيرة تعمّر أكثر، فكلما كبرت كلما زادت قدرتها على تحمل الصدمات . ومن ناحية أخرى، انسحبت براعة الإخوة عساف في فن النحت على القطع الصغيرة، مع أن عساف يلفت إلى أن القياسات الصغيرة تسبب آلاما في الرقبة، نظرا لصعوبة التعبير عن التفاصيل الصغيرة في المجسّم .

للنحت أسراره عند الإخوة عساف، له مخارزه وله تكعيباته التشكيلية وفق ما يشير منصور فنحن نعمل شراكة أخوية، كانت حصيلتها حتى اليوم 25 جدارية و30 تمثالاً نصفياً و8 تماثيل كاملة، تمتاز جميعها بمستوى عال من الدقة والحرفية والموضوعية . ويعقب عساف القطع يتم نحَتها من الرخام الأشهر في العالم المجلوب من كارارا في غرب إيطاليا، فهو لا يخدع النحات ولا يخونه . . لجهة فسخ داخلي أو كسر غير مرئي، وكذلك نعتمد على البرونز في التماثيل المقرر نصبها في الشوارع والحدائق العامة .

هوية جديدة للنحت قدمها آل عساف في متحف أنشئ في قلب الطبيعة، فجاء بمثابة نموذج سياحي آخر يتوق إلى تذوقه كل عشاق الفن في وقت ينحرف الفن عن مساره الطبيعي . باختصار منارة سياحية جديدة يمكن أن تتعرف إليها في متحف التاريخ النحتي في الورهانية .