إعداد: أشرف مرحلي

تزخر الأرض بالكثير من العجائب التي يسلب جمالها الألباب، مثل جبال الهيمالايا، وغراند كانيون أو الأخدود الأعظم، ونهر الأمازون، والقطب الجنوبي، ويعلم عن هذه الكثيرون، بيد أنه هناك عجائب أخرى اختفت من الوجود قبل أن تتاح لنا الفرصة لرؤيتها.

وللأرض تاريخ عميق ويزخر ماضيها بروائع وعجائب فقدت في غيوم العصور الجيولوجية، وبفعل قوى الطبقات التكتونية وما من سبيل لمعرفة أين ومتى وجدت.
ومن هذه العجائب:

}} قارة بينجي العظمى: اندمجت القارات معاً مكونة هذه القارة أواخر حقبة الحياة القديمة (ما بين 230 إلى 600 مليون سنة مضت) وأوائل حقبة الدهر الوسيط، أو حقبة الحياة الوسطى، وبدأت في الانقسام منذ ما يقرب من 175 مليون عام.

واختلفت هذه القارة عن الأرض الحالية تماماً وعن توزيع الكتلة القارية، إذ تركز الجزء الأكبر من كتلة القارة «بينجي» في نصف الكرة الجنوبي، وأحاط بها محيط عظيم عرف باسم «Panthalassa» أو أبو المحيطات.
كانت الأجواء داخل بينجي قاسية الحرارة، ما حال دون وجود أي نوع من الحياة، بيد أن هبوب الرياح الموسمية الضخمة خفف من قسوة الحرارة إلى حد ما.
وبعد انقراض العصر البرمي الشامل الذي أبيدت خلاله 90% من الأنواع، عزا الباحثون السبب إلى الاحتباس الحراري الهائل الذي استمر لعدة ملايين من السنوات، والذي أدى إلى القفر الذي عانته القارة بسبب ارتفاع الحرارة الشديد، إذ تجاوزت الحرارة 50 درجة مئوية، بحسب بول ويجنال، الباحث في بيئات المناخ القديم في جامعة «ليدز» في المملكة المتحدة.
يشير ويجنال إلى أن مساحات مليئة بالغبار الأحمر امتدت حتى مرمى البصر، ولا يمكن لرائ أن يرى خلالها سوى جبال بانجي الوسطى العملاقة، باستثناء الأيام التي كانت تهب فيها الرياح، ومعها عاصفة رملية حمراء وكأنها تغلي من شدة حرارتها.
وفي شرق القارة جرى بحر Tethys، ونشأت هناك أجمل عجائبها متمثلة في الرياح الموسمية الهائلة، والتي كانت تهب عندما ينتقل هواء البحر الرطب إلى اليابسة متجهاً إلى أعلى، متسبباً في تبريد الماء وتكثيفه ليحوله إلى أمطار.

}} الاحتباس الحراري الأكثر سخونة: عاشت أنواع من التماسيح في القطب الشمالي والغابات الاستوائية في القارة القطبية منذ 55 مليون عام، وارتفعت حرارة الأرض بشكل لم يسبق له مثيل وتعرضت لموجة من الاحتباس الحراري، وأطلق العلماء على هذا الحدث المناخي اسم «الباليوسين-الأيوسين الأعلى حرارة» أو ما يرمز إليه ب PETM، والذي بدأ عند الحد الزمني الفاصل بين الحقبتين، حيث سخنت الأرض بالتدريج وباتت على شفا موجة حر كوكبية، وخلت الأقطاب من الجليد، وارتفعت حرارة أعماق المحيط، وباتت أسخن كثيراً مما هي عليه الآن، إذ بلغت 8 درجات مئوية، وارتفعت مستويات سطح البحر بقدر أكبر منها الآن، بما يقرب من 70 متراً، وعاشت حيوانات «شامبسوزورز» في المحيط القطبي (حيوانات مائية بلغ طولها 150 سنتيمتراً (5 اقدام) وتراوح أطول أنواعها ما بين 3 و 5 أمتار، اعتمدت في غذائها على اقتناص الأسماك عبر فكوكها الطويلة المدججة بالأسنان)، وبعد عدة ملايين سنة تواجدت سلاحف المياه العذبة ذات الشكل الغريب.

وفي الطرف الآخر من العالم، عند قمة PETM تواجدت سرخسيات القارة القطبية، بحسب كيت ليتلر من جامعة إكسيتر في المملكة المتحدة.
وعزا الجيولوجيون سبب شدة حرارة الطقس إلى ارتفاع هائل في كميات الغازات الدفينة في الأجواء، لسبب ظل مجهولاً، بيد أن فريق من العلماء افترضوا أن نشاطاً بركانياً شديداً ربما يكون السبب، بينما عزاه فريق آخر إلى ذوبان طبقات الميثان الصلبة في قاع البحر، وافترض فريق ثالث ذوبان التربة المتجمدة في القارة القطبية الجنوبية، ما تسبب في إطلاق كميات كبيرة من ثاني أكسيد الكربون.
وبعد ملايين السنوات من السخونة التدريجية جاوزت الحرارة القياسات الموجودة بخمس درجات مئوية على الأقل في أقل من 20 ألف عام، ما شكل ظروفاً قاسية صعبت معها الحياة في قاع البحر، فحدث انقراض هناك، بينما ازدهرت الحياة على اليابسة، حيث نشأت في غابات جنوب شرق آسيا فصيلة جديدة من الثدييات عرفت باسم «الرئيسيات» وهي أعلى رتب الحيوانات الثديية، الآكلة للحشرات، والتي انسل منها في المستقبل البعيد، بحسب مجلة «نيوساينتست» الكائن الوحيد الذي استعمر أركان الكوكب الأربعة، في إشارة إلى الإنسان.

}} مضيق جبل طارق: أغلق مضيق جبل طارق لملايين السنوات ما تسبب في جفاف البحر الأبيض المتوسط وأعيد امتلاؤه بالمياه مرة أخرى، كان المضيق مجرد حاجز صخري بين المحيط الأطلنطي والبحر الأبيض المتوسط، عند نقطة تعرف باسم «Punta de Tarifa»، أقصى جنوب أوروبا، حيث يمكن رؤية الجبال المغربية بوضوح.

يبلغ عرض المضيق 14 كيلومتراً عند أضيق نقطة، ويعد البوابة بين المحيط الأطلنطي والبحر الأبيض، وأقرب نقطة بين أوروبا وإفريقيا.
كان المضيق مختلفاً تماماً منذ 5.4 مليون عام، ولم يكن هناك بحر أبيض متوسط، بل المحيط الأطلنطي فقط، حيث وجد مكانه حوضاً واسعاً تتلألأ فيه بلورات الملح، وتزينه بحيرات مالحة.
هذه الأرض التي ربطت بين ما أصبحت أوروبا وإفريقيا حالياً، كانت قابعة تحت سطح البحر على عمق 2.7 كم، عند أعمق نقطة منها، رقم لا يقارن بأعمق مكان حالياً، وهو حوض البحر الميت الذي لا يتجاوز عمقه 430 متراً فقط.
وبحسب الجيولوجيين، حدثت كارثة «ميسينيا» أقفلت على إثرها الطبقات التكتونية مضيق جبل طارق، وبالتالي انحسر البحر الأبيض، وفي الطقس الحار الجاف، لم يتطلب الأمر أكثر من ألف عام لكي تتبخر مياهه بالكامل، ويمكن رؤية بقايا ذلك الآن في قاع البحر وعلى شواطئه في شكل طبقات سميكة من الملح والجبس.
لم تمض مدة طويلة على بقاء الحوض جافاً، فمع مرور الوقت برد الطقس وبات رطباً، وأدى جريان الأنهار إلى الحوض لتحويله إلى أرض سميت ب «بحيرة البحر».

الجنة المفقودة تحت بحر الشمال

ما نعرفه حالياً بقاع بحر الشمال كان يوماً سهلاً خصباً استعمره الصيادون إلى أن اكتسحه تسونامي هائل منذ 8500 عام.

ويبدو بحر الشمال حالياً عند الرصيف الفيكتوري في كرومر على ساحل انجلترا الشرقي قاتماً كئيباً، لكن بالعودة إلى الماضي منذ 10 آلاف عام، كان المشهد مختلفاً تماماً، ففي فجر الحقبة الميزوليتية، أواخر العصر الجليدي، انخفض مستوى البحر كثيراً عما عليه حالياً، وارتبطت بريطانيا باليابسة الأوروبية عبر سهل خصب امتد بطول الدنمارك، وعندما ارتفع تدريجياً مستوى البحر في الفترة منذ 6.500 أو 6.200 عام قبل الميلاد، غمرته المياه، وذكرت المسوحات الجيولوجية أن هذا السهل امتد من ساحل بريطانيا الشرقي إلى هولندا والسواحل الغربية لألمانيا، وشبه جزيرة جوتلند الهولندية، وسمى باسم «دوجرلاند»، تميز السهل بظروفه التي سمحت باستضافة الإنسان خلال الفترة الميزوليتية، على الرغم من أن ارتفاع سطح البحر التدريجي أدى إلى انحساره إلى جزر منخفضة قبل أن يتلاشى تماماً بفعل تسونامي سببه انهيار أرضي ضخم.

البركان الأعظم

عندما تمزقت القارة العظمى «جوندوانا» منذ 165 مليون عام، أطلق التصدع سلسلة من الثورات البركانية، وتكونت القارة العظمى جوندوانا من أطلال قارة بانجي، وأمضت ملايين السنوات في الانقسام لتفصل ما بين ما تعرف حالياً بأمريكا الجنوبية وإفريقيا.

وبسبب هذا التصدع، وضمن أسباب أخرى، وقع زلزال رهيب، فعندما اتجه التصدع شمالاً ترقرقت قشرة الأرض، في الوقت الذي انزلقت فيه كتلة كبيرة ساخنة من عباءتها، ما أدى إلى تسخين القشرة من أسفلها، وفي نهاية المطاف انطلقت الرواسب وفاضت عبر اليابسة.
ويسمى ما تبقى من ذلك اليوم باسم «فخاخ برانا ايتينديكا» وهي مادة البازالت التي تغطي ما يفوق 1.3 مليون كيلو متر مربع من البرازيل، والأوروجواي، والباراجواي، والأرجنتين، وناميبيا، وأنجولا.
وبحسب الخبراء، بلغت قوة الانفجار البركاني 8، ما يعني أنه كان فوق التصور بسبب ضخامته، ويشير الرقم إلى أي انفجار يلقي بأكثر من ألف كيلومتر مكعب من الصخور، كما فعل بركان توبا الهائل في إندونيسيا منذ 74 ألف عام.
وتسببت فخاخ برانا ايتينديكا في إطلاق تسع ثورات بركانية على الأقل خلال عدة ملايين من السنوات، ووصفت بأنها الأعنف في تاريخ الأرض.

جبال رودينيا

بحسب مجلة «نيوساينتست»، وجدت الأنهار العملاقة وسلاسل جبال شبه قارة رودينيا منذ مليار عام، وقللت روعتها من جمال الأمازون والإنديز، يتدفق نهر الأمازون من منبعه في الإنديز في بيرو إلى مصبه على ساحل البرازيل، لمسافة 6400 كم، ليجري بعرض القارة بأكملها، كما أن سلسلته الجبلية تمتد لما أطول من ذلك، لتصل إلى 7 آلاف كم من الغابات الاستوائية في فنزويلا شمالاً إلى الصحراء الجليدية «تييرا ديل فيجو»، في أقصى الجنوب.

يعود تاريخ هذه الأماكن العجيبة إلى مليار عام مضى، عندما تكونت شبه قارة رودينيا، وانحصرت الحياة آنذاك في كائنات وحيدة الخلية وانحصر وجودها في الماء فقط، ومن ثم كانت رودينيا قفراً عوضه جمال النهر وروعة سلسلته الجبلية.
وعندما اصطدمت اللبنات القارية التي كونت رودينيا، منذ ما يقرب من 1.2 مليار عام، ارتفعت أجزاء كبيرة من القشرة لتتكون هذه العجيبة الكونية، تماماً مثل التصادم المستمر بين الطبقات الهندية والأوروبية وكونت الهيمالايا الآن.
ومع الأسف ليست هناك أي فكرة عن ارتفاع هذه الجبال، ولا يعتقد الجيولوجيون في وجود جبل يفوق الهيمالايا ارتفاعاً، بحسب عالم الجيولوجيا ديفيد رولي من جامعة شيكاغو، مضيفاً أن العوامل المناخية تسببت في نحت الجبال عند تشكلها، وبسطت الجاذبية سطوتها وحددت الثقل الذي يمكن أن تتحمله قشرة الأرض من دون انبعاج.
يقول روبرت رينبيرد، عالم المسح الجيولوجي الكندي في أوتاوا: «امتدت سلسلة الجبال عبر شبه قارة رودينيا بأكملها بطول تراوح ما بين 15 و20 ألف كم، ولا يزال من الممكن العثور على بقاياها المتآكلة في أمريكا الشمالية وأوروبا، ومنها أجزاء من ألابالاتشيا شرقي أمريكا الشمالية وجبال اسكتلندا. ويضيف رينبيرد أن هذه الجبال القديمة تسببت في جريان الأنهار، تماماً مثلما فعلت جبال الإنديز والهيمالايا، مع الفارق أنه لم تكن هناك زراعة في رودينيا تقيد حركة تدفق الأنهار التي انسالت عبر أرض بور.