لماذا حدد الإسلام عدة للمرأة المطلقة أو المتوفى عنها زوجها لا يجوز لها الزواج إلا بعد انقضائها؟ وما قدر هذه العدة لكل من المطلقة والمتوفى عنها زوجها؟ وما القواعد والضوابط الشرعية المنظمة لهذه العدة؟

هذه التساؤلات وغيرها نحاول الإجابة عنها في السطور التالية:

العدة كما عرفها الفقهاء هي: الزمن أو الوقت الذي تمتنع فيه المرأة عن الزواج بعد وفاة زوجها أو بعد انفصالها عنه .

الحكم الشرعي للعدة كما تقول د . سعاد صالح، أستاذة الشريعة الإسلامية بجامعة الأزهر إنها واجبة، لأن الله سبحانه وتعالى هو الذي أمر بها في آيات متعددة ومنها قوله تعالى: والمطلقات يتربصن بأنفسهن ثلاثة قروء، وقوله سبحانه: والذين يتوفون منكم ويذرون أزواجاً يتربصن بأنفسهن أربعة أشهر وعشراً . ومن الأحاديث النبوية الشريفة التي وردت في وجوب العدة ما جاء في الحديث الصحيح أن رسول الله صلى الله عليه وسلم قال: لا يحل لامرأة تؤمن بالله واليوم الآخر أن تحد على ميت فوق ثلاث، إلا على زوج أربعة أشهر وعشراً .

وجاء إجماع الفقهاء على وجوب العدة على المرأة التي هي محل لها .

مقاصد سامية

وقد شرعت العدة كما تقول الدكتورة عفاف النجار، عميدة كلية الدراسات الإسلامية والعربية للبنات بالأزهر، أستاذة التفسير للتأكد من خلو الرحم من الحمل، وذلك إما بوضع الحمل أو بالحيض أو بمرور الشهور، حتى لا تختلط الأنساب بعضها بعضاً، وحتى تحترم الحياة الزوجية وتسير في نظامها الذي جاءت به شريعة الإسلام، وهو نظام يضفي على الحياة الزوجية المودة والرحمة والتعاون على البر والتقوى .

ومن المقاصد الشرعية للعدة أيضاً أنها عبارة عن حداد على الزوج السابق، ولذلك نأى الإسلام أن تنتقل المرأة الحرة الكريمة من أحضان زوج توفي أو زوج طلقها إلى أحضان رجل جديد كأنها امرأة مستأجرة، فهذا السلوك فيه استهانة بالمرأة واستهانة بالزواج نفسه وبالعشرة التي كانت بينها وبين زوجها السابق . فهذه العدة تهيئ المرأة نفسياً وذهنياً لقبول العيش مع رجل آخر .

وشرعت العدة أيضاً كما يقول الدكتور محمد عبدالغني شامة، أستاذ الثقافة الإسلامية بجامعة الأزهر لأن الأصل في الزواج أن يكون رجعياً فلا بد أن تكون لدى الزوج فرصة الرجوع إلى أهله، فكانت العدة نحو ثلاثة أشهر تقريباً ليراجع نفسه لعل الله يحدث بعد ذلك أمراً وتعود العلاقة الزوجية بينه وبين زوجته .

3 أنواع من النساء

وقد ذكر القرآن الكريم في آيات متعددة أنواع العدة بالنسبة للنساء، ففي آية واحدة ذكر سبحانه عدة ثلاثة أنواع من النساء، وهذه الآية هي: واللائي يئسن من المحيض من نسائكم إن ارتبتم فعدتهن ثلاثة أشهر واللائي لم يحضن وأولات الأحمال أجلهن أن يضعن حملهن ومن يتق الله يجعل له من أمره يسرا .

والمقصود بقوله تعالى: واللائي يئسن من المحيض النساء اللائي تقدمن في السن، وانقطع عنهن دم الحيض .

ومعنى الآية الكريمة: اعلموا أيها الأزواج وأيتها الزوجات أن عدة النساء المتقدمات في السن، واللائي فقدن الأمل في رؤية دم الحيض، ثلاثة أشهر، وذلك إذا حدث لكم ارتياب أو شك في مدة عدتهن .

وقدر بعض الفقهاء سن اليأس بالنسبة للمرأة بستين سنة، وقدرها آخرون بخمسين سنة، وبعضهم لم يحدد سناً معينة بالنسبة لانقطاع دم الحيض عند المرأة، لأن ذلك يختلف باختلاف أحوال النساء والبيئات، وكل امرأة أدرى بحالها .

وقوله تعالى: واللائي لم يحضن بيان لنوع آخر من النساء تختلف عدتهن عن غيرهن، وهن النساء الصغيرات وعدتهن كما نصت الآية الكريمة ثلاثة أشهر أيضاً .

ثم بيّن الله سبحانه عدة نوع ثالث من النساء وهن النساء الحوامل فقال: وأولات الأحمال أجلهن أن يضعن حملهن . والمعنى: والنساء الحوامل أجلهن أي: وقت نهاية عدتهن أن يضعن حملهن، فمتى وضعت المرأة ما في بطنها، فقد انقضت عدتها، لأنه ليس هناك ما هو أدل على براءة الرحم من وضع الحمل . وهذا الحكم عام في كل امرأة حامل، سواء أكانت مطلقة أم كانت قد توفي عنها زوجها .

وقد أوضح الفقهاء أنه لا تعارض بين هذه الآية التي حددت عدة الحامل بوضع الحمل، وبين قول الله تعالى في سورة البقرة: والذين يتوفون منكم ويذرون أزواجاً يتربصن بأنفسهن أربعة أشهر وعشرا لأن الآية الأخيرة خاصة بالنساء اللاتي مات عنهن أزواجهن ولم يكن حوامل من أزواجهن .

عدة المطلقات

وفي آية أخرى ذكر الحق سبحانه عدة النساء المطلقات من أزواجهن (طلاقاً بائناً) فقال: والمطلقات يتربصن بأنفسهن ثلاثة قروء، والمراد بالمطلقات هنا: النساء المدخول بهن من ذوات الحيض .

وقوله تعالى يتربصن من التربص بمعنى الانتظار والتريث والتمهل . ولفظ القروء جمع قرء بمعنى الحيض أو الطهر .

والمعنى: أن على النساء المطلقات طلاقاً بائناً من أزواجهن، أن تمكث كل واحدة منهن بعد طلاق زوجها ثلاثة قروء من دون زواج براءةً للرحم، ثم لها بعد ذلك أن تتزوج بمن تختاره وتحب السكن إليه .

وللفقهاء رأيان شهيران في المقصود بقوله تعالى ثلاثة قروء، وذلك على النحو التالي:

فقهاء الأحناف والحنابلة: يرون أن المراد بالقروء هنا الحيضات، فيكون معنى الآية الكريمة عندهم أن النساء بعد طلاقهن عليهن أن يمكثن مدة ثلاث حيضات من دون زواج، ثم بعد ذلك لهن أن يتزوجن إذ شئن الزواج .

فقهاء المالكية والشافعية يرون أن المقصود بالقروء هنا الأطهار أي الأوقات التي تكون بين الحيضتين للنساء، فيكون معنى الآية عندهم أن النساء المطلقات من أزواجهن، عليهن أن يمكثن بعد طلاقهن ثلاثة أطهار من دون زواج .

وفي آية ثالثة ذكر الله عز وجل عدة النساء اللائي مات عنهن أزواجهن وهن غير حوامل، فقال سبحانه: والذين يتوفون منكم ويذرون أزواجا يتربصن بأنفسهن أربعة أشهر وعشرا . ومعنى هذه الآية الكريمة: الذين يتوفاهم الله منكم أيها المسلمون ويتركون من خلفهم زوجاتهم فعلى هؤلاء الزوجات اللائي ارتبطن بأزواجهن ارتباطاً قوياً وثيقاً، ثم فرق الموت بينهم وبينهن أن ينتظرن انقضاء عدتهن فيحبسن أنفسهن عن الزواج وعن التزين لمدة أربعة أشهر وعشر ليالٍ وفاء لحق الزوج الذي فارق الحياة، واستبراء للرحم حتى لا تختلط الأنساب .

وقد أزالت الشريعة الإسلامية بهذا التشريع عادات جاهلية ظالمة كانت المرأة تتعرض لها، إذ كانت تقضي هذه العادات بأن تحبس المرأة في مكان ضيق بالبيت عاماً كاملاً بعد وفاة زوجها حداداً على زوجها، فأبطل الإسلام هذه العادة ورفع عن المرأة المتوفى عنها زوجها هذا الظلم .

وفي آية رابعة بيّن القرآن الكريم أن المرأة غير المدخول بها لا عدة عليها، فقال سبحانه: يا أيها الذين آمنوا إذا نكحتم المؤمنات ثم طلقتموهن من قبل أن تمسوهن فما لكم عليهن من عدة تعتدونها فمتعوهن وسرحوهن سراحاً جميلاً .