القاهرة: ماهر زهدي
أشهر الروايات المصرية والعربية، عبر مجموعة كبيرة من الأعمال السينمائية والدراما التلفزيونية، والمسرح أيضاً، تلك الأعمال التي تقف شاهدة على مسيرة التحولات الفكرية والثقافية في العالم العربي، حيث قدّم عبر العديد من أعماله الحالة العربية ومحطات تغيراتها بشخصيات فذة، مثلت علامات مفصلية في التحولات الثقافية العربية، سواءً على صعيد التيارات الفكرية منذ خمسينات القرن الماضي وصولاً إلى العصر الراهن، لتتأكد أهميته في السياق الثقافي بتتبع مجمل التجارب السينمائية والتلفزيونية التي قدمها طوال مسيرته الفنية، بهدف الوصول إلى قضايا مفصلية ومحورية في المشهد الثقافي العربي، بعد أن ظل السينمائي العربي غائباً تاريخياً عن معارض الكتب، مقتصراً حضوره على المهرجانات السينمائية.
ظل عزت العلايلي متربعاً فوق قمة النجومية، متقدما الصفوف الأولى، ما يقرب من نصف قرن، باحثا طوال الوقت عما يمكن أن يضيفه إلى تاريخه، لتبقى صورته تحتفظ برونقها عند من أحبوه، مقتنعاً بجدوى الخيارات الصعبة التي يعتمدها حفاظاً على ما حققه في قلوب الجماهير العربية.
ولد عزت العلايلي في حي باب الشعرية، أحد أقدم وأعرق أحياء القاهرة، حيث بدأ حبه للتمثيل في مرحلة عمرية مبكرة جدا، عندما كان تلميذاً في «مدرسة الشيخ صالح الابتدائية» في «درب الجماميز بحي السيدة زينب»، عندما عرض عليه زميل له، أن يصطحبه إلى استوديو «شبرا» في حي شبرا العريق، حيث طلب والد الزميل الذي كان يعمل «ريجيسير» أن يصطحب معه أي عدد من التلاميذ يرغبون في الظهور على شاشات السينما، فعرض التلميذ على زملائه، لم يوافق منهم سوى عزت العلايلي، الذي ذهب من دون علم أسرته، على أمل أن يعود في موعد عودته من المدرسة، غير أنه بقي في الاستوديو إلى السادسة من صباح اليوم التالي، صور خلالها مشهدا واحدا ضمن تلاميذ في مدرسة يخرجون في جماعة يرددون «يسقط الاستعمار»، حصل منه على أجر قدره «عشرة قروش» أنفقها على طعامه وشرابه، هي وما كان معه من نقود، ليعود إلى بيته في حي السيدة زينب صباح اليوم التالي، سيراً على الأقدام، ليتلقى من أسرته درساً قاسياً لم ينسه، كما لم يستطع أيضاً أن ينسى معه حبه لهذا العالم الساحر «الاستوديو» وكاميرات التصوير والإضاءة وصرخة المخرج: «أكشن» وحضور الممثلين وأداء كل منهم بدوره كما يلقنه له قائد العمل، فقرر منذ ذلك الحين أن يتخذ الفن طريقاً له.

تأجيل الحلم

فور حصوله على «التوجيهية» قرر العلايلي الالتحاق بمعهد التمثيل، الذي تخرج فيه في العام 1960، غير أنه لم يستطع أن يحقق الحلم الذي انتظره طوال حياته بالعمل كممثل دارس لفن التمثيل، حيث أصبح العائل الوحيد للأسرة بعد رحيل الأب، فكان لا بد أن يؤجل حلمه، ويبحث عن عمل سريع يعينه على إعالة أسرته، فاضطر للعمل كمعد برامج في التلفزيون المصري الذي بدأ إرساله في نفس عام تخرجه، وراح يعلن عن حاجته إلى معدي برامج، فضلاً عن بقية المهن الفنية.
جاءته الفرصة من خلال دور بسيط في فيلم «رسالة من امرأة مجهولة»، حيث لعب دور طبيب مع الفنانة لبنى عبد العزيز والفنان فريد الأطرش ومن إخراج صلاح أبو سيف عام 1962.
بعــــــد ذلك شــــــارك في فيلم «القاهرة»، وهو إنتاج مصري - بريطاني مشترك، بطولة فاتن حمامة وأحمد مظهر ومجموعة من الفنانين المصريين والأجانب ومن إخراج وولف ويلا، ليستمر بعد في التنقل بين عدد من الأدوار الصغيرة، مثل «بين القصرين، الجاسوس، الرجـــــل المجهــــول»، «معسكــــر البنات»، «قنديل أم هاشم»، «3 وجوه للحب»، والمسلسل التلفزيوني «أبداً لن أموت»، لتأتيه فرصة كبيرة من خلال فيلم «السيد البلطي»، حتى جاءت الفرصة الأكبر في حياته، عندما عرض عليه المخرج الكبير يوسف شاهين عام 1970، تجسيد دور «عبد الهادي» في فيلم «الأرض» أمام العملاقين محمود المليجي، ويحيى شاهين، والمذيعة نجوى إبراهيم، ليثبت عزت العلايلي أنه ممثل من طراز فريد، وأنه قادر على المنافسة أمام عمالقة التمثيل في هذا الزمان، لتفتح له بعدها السينما ذراعيها، ويضعه المنتجون والمخرجون على خريطة «نجوم الصف الأول».

رفض التنازلات

رغم مرور السينما المصرية بعدة كبوات خلال حقبتي الثمانينات والتسعينات، وظهور عدد كبير مما يطلق عليه «أفلام المقاولات»، إلا أن عزت العلايلي رفض أن يرضخ لمتطلبات «سوق الإنتاج» أو أن يقدم تنازلات حتى لو كان من أجل معشوقته السينما، فحرص على أن يُبقي على التزامه تجاه فنه، حتى لو كان الثمن البقاء من دون عمل لفترات طويلة، فقدم خلال سنوات التسعينات عدداً كبيراً من الأفلام المهمة، والتي ربما ساهمت بشكل كبير في حفظ ماء وجه السينما المصرية، من بينها: «انفجار، الحب أيضا يموت، بلاغ للرأي العام، إعدام قاضي، ليلة عسل، المواطن مصري، عودة الهارب، رجل في ورطة، البريء والجلاد، دسوقي أفندي في المصيف، الذي قام بالغناء فيه، وهي التجربة التي لم تكن الأولى، حيث سبق وقام بالغناء سواء في المسرح أو السينما، أيضا قدم خلال هذه الحقبة أفلام الفأس في الرأس، رجل من نار، اثنان ضد القانون، الشرسة، وعادت زوجتي، وفيلم الكافير، ثم دوره في فيلم الطريق إلى إيلات» الذي حصل عن دوره فيه على جائزة أحسن ممثل، إضافة إلى أفلام «أيام الغضب، كلاب المدينة، طريق الشر، الغيبوبة، جرانيتا، ولا تقتلوا الحب».

«كامل العدد»

نجح عزت العلايلي في إعادة الجمهور ولافتة «كامل العدد» إلى المسرح القومي المصري من خلال مسرحية «وداعا يا بكوات»، ومنذ منتصف التسعينات، بدأت الدراما التلفزيونية تمثل ملاذاً آمناً للفنان الكبير، فحرص على التركيز فيها، على أن يزور السينما كلما ظهر له عمل يرضي الفنان بداخله، فقدم عددا كبيرا من المسلسلات أيضاً ربما من أشهرها: «بوابة الحلواني» «رياح الخوف»، «شيء في صدري»، «سنوات الغضب»، «الشارع الجديد»، «أحلام مؤجلة، الحسن البصري، حرس سلاح، شاطئ الخريف، خان القناديل، أمانة يا ليل، المهنة طبيب، لقاء السحاب، عيب يا دكتور، ينابيع العشق، المنصورية»، دعوة فرح، عسكر وحرامية، وعادت القلوب ومسك الليل»، ثم مسرحية «أهلاً يا بكوات»، إلى أن قدم مؤخراً مسلسلات «موعد مع الوحوش، وسنوات الحب والملح»، حتى قدم في العام 2010 مسلسل «الجماعة، الذي كتبه الكاتب وحيد حامد، لفضح ألاعيب جماعة الإخوان المسلمين، قبل ثورة يناير في 2011، وتوليهم حكم مصر في غفلة من الزمان منذ منتصف 2012 إلى منتصف 2013، ليبدأ العلايلي في الاستعداد لتقديم الجزء الثاني، الذي لا يزال في مرحلة الإعداد، وهو ما يسعد هذا الفنان الكبير، لإحساسه بقيامه بمهمة وطنية من خلال هذا الدور، غير أن سعادته الأكبر بدت من خلال عودته للسينما
عندما عثر مؤخراً على ضالته، من خلال فيلم «تراب الماس» عن رواية بالاسم نفسه لمؤلفها أحمد مراد، ومن إخراج مروان حامد، غير أن العلايلي لم يستطع أن يدلي بتصريحات حول دوره فيه، سوى أن يعد جمهوره بأن يعيد إلى ذاكرته «السينما الجميلة»، التي اعتادها منه، فقدظل فناناً استثنائياً في تاريخ السينما المصرية والعربية.

أعمال فنية متنوعة

خلال حقبة السبعينات شارك في العديد من الأعمال تنوعت بين السينما والتلفزيون والمسرح وهي: فيلم «لعبة كل يوم»، «الأبرياء»، «الاختيار»، «بنت بديعة»، «الناس والنيل»، مسرحية «أولادنا في لندن»، فيلم «ذات الوجهين»، «زائر الفجر»، «غرباء»، «طاحونة السيد فابر»، «لا تتركني وحدي»، فيلم «على من نطلق الرصاص»، ليعيد المخرج صلاح أبو سيف اكتشافه مجدداً من خلال دور «السقا» في فيلم «السقا مات» عن رواية بالاسم نفسه للأديب يوسف السباعي، ويكسب من خلاله العلايلي جولة جديدة من جولاته الناجحة، ويؤكد تفرده بأداء «السهل الممتنع» في نوعية خاصة جداً من الأدوار، فقدم بعده أفلام «إسكندرية ليه»، «عيب يا لولو يا لولو عيب»، «سأكتب اسمك على الرمال»، «خائفة من شيء ما»، «ولا عزاء للسيدات»، فضلاً عن مسلسلات «وآه يا زمن»، «اللص والكلاب»، «العنكبوت».

ازدهار الثمانينات

يدخل عزت العلايلي حقبة الثمانينات، كأحد أكبر نجوم السينما المصرية والعربية، قدم عدداً كبيراً من الأفلام التي تعد من أهم أفلام السينما المصرية، مثل «الأقوياء»، «اللعبة القذرة»، «أهل القمة»، «وقيدت ضد مجهول»، «الإنس والجن»، «المجهول»، «الطاغية»، «البنديرة»، «دقة زار»، «التوت والنبوت»، «المطاردة الأخيرة»، «الورثة»، «الهروب من الخانكة»، «لا تدمرني معك»، «قفص الحريم»، «عذراء وثلاثة رجال»، «الطوق والأسورة»، «الصبر في الملاحات»، «بئر الخيانة»، «غابة من الرجال»، «مخالب امرأة»، «ليلة في شهر 7»، «عاد لينتقم»، «صرخة ندم»، «الأب الثائر»، «بستان الدم» و«المعلمة سماح». فضلاً عن مسلسلات «الباقي من الزمن ساعة»، «اللقاء الأخير»، «وقال البحر»، «بوابة المتولي»، «الإمام الطبري»، والمسلسل الإذاعي «شذى الأندلس».