حين أردت أن أختار بعض اللآلئ من خصائص خير خلق الله وأحبهم الى الله، تذكرت ما قال الإمام ابن جزي المالكي (ت 741 ه) رحمه الله تعالى حين تهيب أن يقول شيئاً في مدح رسول الله صلى الله عليه وسلم هيبة واجلالا له صلى الله عليه وسلم حيث قال:

أروم امتداح المصطفى فيردني

قصوري عن إدراك تلك المناقب

ولو أن كل العالمين تألفوا

على مدحه لم يبلغوا بعض واجب

فأمسكت عنه هيبة وتأدباً

وخوفاً وإعظاماً لأرفع جانب

ورب سكوت كان فيه بلاغة

ورب كلام فيه عتب لعاتب

فرأيت أن أمسك اليوم عن أي كلام في حقه صلى الله عليه وسلم تأدباً واجلالاً له صلى الله عليه وسلم، إلا ما كان من كلام الله تعالى فيه، فمن القرآن الكريم نتحدث اليوم عن رسول الله صلى الله عليه وسلم في عشر لآلئ من آيات الذكر الحكيم وهي:

1- إمام الأنبياء صلى الله عليه وسلم: إن الله تعالى كلف جميع الأنبياء بنصرته واتباعه صلى الله عليه وعليهم أجمعين، وفي ذلك من التشريف والتعظيم له صلى الله عليه وسلم ما فيه، قال تعالى: وإذ أخذ الله ميثاق النبيين لما آتيتكم من كتاب وحكمة ثم جاءكم رسول مصدق لما معكم لتؤمنن به ولتنصرنه قال أأقررتم وأخذتم على ذلكم إصري قالوا أقررنا قال فاشهدوا وأنا معكم من الشاهدين . فمن تولى بعد ذلك فأولئك هم الفاسقون (آل عمران/81 و82) وحاشا لأنبياء الله عليهم السلام أن يتولوا عن امتثال ما أمر الله تعالى به وإنما تولت أممهم، فكانت رسالته صلى الله عليه وسلم عامة شاملة قال تعالى: وما أرسلناك إلا كافة للناس بشيراً ونذيرا ولكن أكثر الناس لا يعلمون (سبأ: 28) .

خاتم الأنبياء

2- ختم به النبوة صلى الله عليه وسلم: فإن الله تعالى قد ختم به النبيين صلى الله عليه وسلم وعليهم اجمعين، قال تعالى: ما كان محمد أبا أحد من رجالكم ولكن رسول الله وخاتم النبيين وكان الله بكل شيء عليما (الأحزاب:40) . وفي الصحيح أنه صلى الله عليه وسلم قال: (وختم بي النبيون)، ويعد هذا من السنة المؤكدة ب (بكسر الكاف)، أي التي تؤكد ما جاء في القرآن الكريم، ومثل ذلك قوله صلى الله عليه وسلم: (إن مثلي ومثل الأنبياء من قبلي، كمثل رجل بنى بيتاً فأحسنه وأجمله إلا موضع لبنة من زواية، فجعل الناس يطوفون به ويعجبون به ويقولون: هلا وضعت هذه اللبنة، قال: فأنا اللبنة، وأنا خاتم النبيين) (متفق عليه) .

3- حفظه وعصمته صلى الله عليه وسلم: فإن الله تعالى قد حفظه وسدده فكان يدور مع الحق حيث دار، لم يستطع أحد أن يحرفه عن ذلك قيد أنملة ولا أقل من ذلك، قال تعالى: ولولا فضل الله عليك ورحمته لهمت طائفة منهم أن يضلوك وما يضلون إلا أنفسهم وما يضرونك من شيء وأنزل الله عليك الكتاب والحكمة وعلمك ما لم تكن تعلم وكان فضل الله عليك عظيماً (النساء/113) .

السراج المنير

2- وجعله نوراً ورحمة صلى الله عليه وسلم: فهو صلى الله عليه وسلم السراج المنير، قال تعالى: يا أيها النبي إنا أرسلناك شاهداً ومبشراً ونذيرا . وداعياً الى الله بإذنه وسراجاً منيرا (الأحزاب: 45 و46) . فنوره صلى الله عليه وسلم لا يخبو، والناس تنتفع به صلى الله عليه وسلم في الدنيا والآخرة عليه الصلاة والسلام كما قال تعالى: قد جاءكم من الله نور وكتاب مبين . يهدي به الله من اتبع رضوانه سبل السلام ويخرجهم من الظلمات الى النور بإذنه ويهديهم الى صراط مستقيم (المائدة: 15-16) فالنور هو النبي صلى الله عليه وسلم والكتاب المبين هو القرآن . وقد ارسله رحمة للعالمين، قال تعالى: وما ارسلناك إلا رحمة للعالمين (الأنبياء/107) . وفي الصحيحين عنه صلى الله عليه وسلم أنه قال: (ما من الأنبياء نبي إلا اعطى من الآيات ما مثله آمن عليه البشر، وإنما كان الذي أوتيته وحياً أوحاه الله اليّ، فأرجو أن أكون أكثرهم تابعا يوم القيامة)، وجعله أولى بالمؤمنين من أنفسهم، وجعل أزواجه أمهاتهم، قال تعالى: النبي أولى بالمؤمنين من أنفسهم وأزواجه أمهاتهم (الأحزاب/6) .

5- وكمله صلى الله عليه وسلم: فهو الإنسان الكامل الذي جمعت فيه كمالات الأنبياء عليه وعليهم الصلاة والسلام، قال تعالى بعد أن ذكر شمائل جمع منهم: أولئك الذين هدى الله فبهداهم اقتده (الأنعام/90) . ومن كماله صلى الله عليه وسلم: جمع الصفات الحميدة كالرحمة والشجاعة، والحزم والتواضع، والعفو عن حق نفسه والغضب لله، ما الى ذلك .

الصلاة على النبي

6- وصلى عليه صلى الله عليه وسلم بنفسه: فإنه تبارك وتعالى لما أراد أن يأمر بالصلاة عليه صلى الله عليه وسلم بدأ بنفسه وثنى بملائكة قدسه، وثلث بالمؤمنين من جنه وإنسه فقال قولاً كريما تعظيماً لقدر نبينا صلى الله عليه وسلم وتفخيماً، وتعليماً لنا تفهيماً: إن الله وملائكته يصلون على النبي يا أيها الذين آمنوا صلوا عليه وسلموا تسليما (الأحزاب/56) . إنها آية فذة، وقيل: هي أعظم آية في مدح النبي صلى الله عليه وسلم، وللأمة في هذه الآية خير عظيم، حتى عدت من السنن الواجبات، قال ابن عطية: لا خير فيمن لا يعمل بها، والأحاديث في فضل الصلاة عليه صلى الله عليه وسلم، والتحذير من تركها أو التهاون فيها كثيرة .

7- وعظمه صلى الله عليه وسلم: فلم يناده باسمه صلى الله عليه وسلم كما نادى الأنبياء عليهم السلام، إنما ناداه بألفاظ التكريم والتبجيل فقال: يا أيها الرسول، يا أيها النبي، يا أيها المزمل، يا أيها المدثر .

مغفرة وتزكية

8- وغفر له صلى الله عليه وسلم مغفرة شاملة: فقد غفر الله له صلى الله عليه وسلم ما تقدم من ذنبه وما تأخر، وخصه بالفتح المبين، والنصر العزيز، قال تعالى: إنا فتحنا لك فتحاً مبيناً . ليغفر لك الله ما تقدم من ذنبك وما تأخر ويتم نعمته عليك ويهديك صراطاً مستقيما . وينصرك الله نصراً عزيزاً (الفتح/1-3) ولذا فإنه لا شغل له صلى الله عليه وسلم مع نفسه، إنما شغله بأمته، كما جاء في حديث الشفاعة العظمى الطويل وفيه قوله صلى الله عليه وسلم: (أنا لها أنا لها) وقوله صلى الله عليه وسلم: (أمتي أمتي) في حين أن كل واحد من الأنبياء يقول: نفسي نفسي . . الحديث .

9- وزكاه صلى الله عليه وسلم تزكية شاملة كذلك: فقد زكى أعضاءه صلى الله عليه وسلم، ومواضع الفهم والإدراك منه صلى الله عليه وسلم، وأراه من عجائب الملكوت ما لم ير غيره صلى الله عليه وسلم، فقال جل وعلا: والنجم إذا هوى . ما ضل صاحبكم وما غوى . وما ينطق عن الهوى، إن هو إلا وحي يوحى . علمه شديد القوى . ذو مرة فاستوى . وهو بالأفق الأعلى . ثم دنا فتدلى، فكان قاب قوسين أو أدنى . فأوحى الى عبده ما أوحى . ما كذب الفؤاد ما رأى . أفتمارونه على ما يرى . ولقد رآه نزلة أخرى . عند سدرة المنتهى . عندها جنة المأوى . إذ يغشى السدرة ما يغشى . ما زاغ البصر وما طغى لقد رأى من آيات ربه الكبرى (النجم/1-18) وقال أيضاً: ألم نشرح لك صدرك . ووضعنا عنك وزرك . الذي انقض ظهرك . ورفعنا لك ذكرك (الشرح/1-4) واقسم بحياته صلى الله عليه وسلم، فقال جل وعلا: لعمرك إنهم لفي سكرتهم يعمهون (الحجر: 72) . وفي ذلك من التشريف له والتكريم والتعظيم لحياته كلها صلى الله عليه وسلم ما فيه، وقد خصه باسمين من أسمائه سبحانه وتعالى فقال: لقد جاءكم رسول من أنفسكم عزيز عليه ما عنتم حريص عليكم بالمؤمنين رؤوف رحيم (التوبة/128) .

منزلة سامقة

10- وقرنه مع نفسه في أشياء كثيرة، فقد قرن طاعته بطاعته صلى الله عليه وسلم: وفي ذلك من رفع قدره وعلو منزلته ما لا يعلمه إلا مولاه، قال تعالى: من يطع الرسول فقد أطاع الله ومن تولى فما أرسلناك عليهم حفيظاً (النساء/80) .

- وجعل تكذيبه صلى الله عليه وسلم تكذبياً له جل وعلا: تأمل قوله تعالى: فإنهم لا يكذبونك ولكن الظالمين بآيات الله يجحدون (الأنعام/33) فقد جاء في أعلى درجات المدح والثناء .

- وقرن مشاقته صلى الله عليه وسلم بمشاقته: فقال سبحانه وتعالى: ومن يشاقق الله ورسوله فإن الله شديد العقاب (الأنفال/13) .

- ومحبته صلى الله عليه وسلم بمحبته: فقال سبحانه وتعالى: قل إن كان آباؤكم وأبناؤكم واخوانكم وأزواجكم وعشيرتكم وأموال اقترفتموها وتجارة تخشون كسادها ومساكن ترضونها احب إليكم من الله ورسوله وجهاد في سبيله فتربصوا حتى يأتي الله بأمره والله لا يهدي القوم الفاسقين (التوبة/24) .

- ورضاه برضاه صلى الله عليه وسلم: فقد جعل رضاه صلى الله عليه وسلم رضاه سبحانه وتعالى، وتأمل كيف وحد الضمير فقال: والله ورسوله أحق أن يرضوه إن كانوا مؤمنين (التوبة/62) .

- وأذيته بأذيته صلى الله عليه وسلم: وكذلك جعل اذيته صلى الله عليه وسلم أذية له جل في علاه، وتأمل كيف جمع ذلك بقوله تعالى: إن الذين يؤذون الله ورسوله لعنهم الله في الدنيا والآخرة وأعد لهم عذاباً مهينا (الأحزاب/57) .

- ومحادته صلى الله عليه وسلم بمحادته: فقال جل وعلا: إن الذين يحادون الله ورسوله أولئك في الأذلين (المجادلة/20) .

لهذا ولغيره من شمائله الكثيرة كان يجب أن يكون أحب إلينا من أنفسنا وأولادنا ووالدينا، كما قال صلى الله عليه وسلم: لا يؤمن أحدكم حتى أكون احب اليه من والده وولده والناس أجمعين، ويجب علينا أيضاً أن نصدق في اتباعه، ونجتهد في احياء سنته، حتى يكون حبه واتباعه صلى الله عليه وسلم أمرين متلازمين في حياتنا لا ينفك أحدهما عن الآخر، اللهم وفقنا لذلك بفضلك ورحمتك حتى نلقاك ونلقاه صلى الله عليه وسلم على الرضا والمحبة آمين .

* أستاذ التفسير وعلوم القرآن

كلية الشريعة - جامعة الشارقة