طائر عصفور الجنة هو من أكثر أعضاء عائلة Paradisaeidae شهرة والتي تعيش غالبيتها على جزيرة نيو غينيا وتوابعها، مع وجود أنواع قليلة في جزر الملوك Moluccas وشرقي أستراليا . وتضم هذه العائلة أربعين نوعاً تنتمي إلى 14 جنساً . وربما تشتهر أعضاؤها بريش الذكور الجميل لدى معظم الأنواع، خصوصاً الريش الطويل والممتد من المنقار أو الأجنحة أو الرأس وتتميز بألوان مختلفة ناصعة . وفي معظم الحالات، فإنها تعيش محصورة في مواطن الغابات الممطرة الكثيفة، وكثيراً ما تفصل بين أنواعها المختلفة جبال عالية، مما يجعل كل فصيل منها يتطور بمعزل عن الأخرى . وتمتلك طيور الجنة المتعددة الأجناس مجموعة متنوعة من أنظمة الحياة، والتي تتراوح بين الزواج الأحادي وحتى تعدد الزوجات .
الباحثان في علم الطيور والأحياء إدون سكول وتيم لامان تابعا هذا الطير في أعماق غابات غينيا الجديدة وفي شمال شرق أستراليا على مدى 8 سنوات، ليكونا بذلك أول من شاهد عملية التزاوج عند نوع من هذه الطيور يسمى Astrapia Arfak . ويقول الباحثان: عندما بدأنا بحثنا في عام 2004 لم نكن نعرف شيئاً عن بعض الأنواع من طيور الجنة، اللهم إلا أنها موجودة فقط، ولكن على مدى 8 سنوات من المتابعة صورنا كل نوع من هذه الأنواع وشاهدنا سلوكها عن كثب في بيئتها الطبيعية . الجديدر بالذكر أن سكان غينيا الجديدة استمروا في التجارة بريش طيور الجنة على مدار ألفي عام . وكان هناك اهتمام كبير لهواة جمع الطيور والعلماء والكُتاب كما أصبحت بعض أنواعها مهددة بالانقراض بسبب الصيد وفقدان الموطن . وتقوم بعض الحكومات بمنع استيرادها للمحافظة على بقائها ومنع اكتساب الأموال عن طريق صيدها وبيعها .
وترجع إضافة لفظ الجنة إلى هذه الطيور إلى القرن السادس عشر، حين جلب الإسبان من رحلاتهم بقايا لطيور غريبة بلا قوائم، ولها ريش جميل مزركش بكل الألوان وحينها قال بعضهم إذا كانت هذه الطيور بلا قوائم فمعنى ذلك أنها هبطت من السماء، كما أن ريشها الفائق الجمال جعلها موطناً للأساطير الخارقة، ووصفت بأنها الطيور التي تطير دون أن تمس الأرض وأنها تتغذى على الندى والهواء والنور، وتتكاثر وهي تحلق في السماء وأن الأنثى تضع بيضها فوق ظهر الذكر .
قرابة مع الغربان
ولكن يبدو أن الحقيقة في موضوع طيور الجنة هي أقل شاعرية مما قد يظنه البعض، فطبقاً لما يقوله قبائل البابو فإن طيور الجنة كانت دائماً وأبداً مقدسة عندهم وقبل أن يقدموها للإسبان كانوا يقطعون قوائمها، لأنهم كانوا يرونها غير متناسقة مع ريشها الجميل . إلا أن الأصل السماوي لطيور الجنة حسب رأي العلماء لم يستطع أن يقاوم أمام التحليل الجيني، فهذه الطيور هي من الأنواع التي تربطها قرابة ضيقة جدا مع الغربان . فعند ظهورها قبل 20 مليون سنة تشعبت هده الفصيلة على مدى الزمن متأثرة بالتقلبات المناخية والجيولوجية، مما جعلها تعيش في غابات غينيا الجديدة على الفاكهة في غذائها إضافة إلى المفصليات بشكل أقل، ضامنة أن لا حيوانات قانصة تترصّدها، وبالتالي فإنها لم تضطر للاختفاء للبحث عن غذائها . ويعتقد البعض أن ما ساعد على الاكثار من طيور عصافير الجنة هو أن المربين أرادوا أن يمتلكوا طيوراً تلعب دور الحضانات للفراخ الغريبة في الأقفاص وتطعمها بنفس الطريقة التي تطعم بها فراخها . وقد جرى خلال العديد من القرون اصطفاء اصطناعي لعصافير الجنة، وفقاً لما يسمى بغريزة الحضانة وقد اثبتت هذه الطيور الصغيرة بالفعل أنها حاضنات رائعة فهي تحضن بيوض غيرها بأمانة وتطعم الفراخ المفقسة منها بأمانة أيضاً . وتعشش الكثير من أنواع طيور هذه الفصيلة في الأقفاص، لكن عملية التعشيش ولأسباب عدة لا تستمر بعد وضع البيوض لذا تضع البيوض تحتها للحضانة .
طقوس للحب
وتحتوي حضانة طيور الفصيلة عادة على 4 أو 6 بيضات وهناك حالات أيضاً يحضن فيها عصفور الجنة عشر بيوض معاً، لكن ذلك استثناء لأنه من الصعب جداً على هذا الطائر تأمين نفس القدر من الطعام لكل الفراخ معاً . إضافة إلى أن الصغار في الحضانة الكبيرة لا تنمو كلها بشكل جيد، بل إن قسماً منها وهو الأضعف يهلك في إحدى مراحل الانتقال إلى الحياة المستقلة، وإن عاش فإن ذريته تكون ضعيفة وفقاً لمؤشرات عديدة . وعصفور الجنة الأنثى غير مغردة فهي لا تغرد وإنما تطلق صوت نداء خاص فقط على شكل أنات . أما الذكور منه فهي طيور مغردة وترقص أيضاً وتجعل ريش رأسها ينتصب وتنفش ريشها على بطنها تم تبدأ بالقفز في مكانها وهي تدور من جهة إلى أخرى، وقد نسمع أحياناً في تغريد عصفور الجنة بعض المقاطع المستعارة من تغاريد أنواع أخرى من الطيور . ويفضل أن يحدث التزاوج والتكاثر عند هذه الطيور في الربيع عندما يصل طول النهار إلى 15 ساعة أي عندما تكثر نسبة الفيتامينات في الأغذية . وبشكل عام تستطيع هذه الطيور أن تتكاتر في أي فصل من فصول السنة، لكن لا بد من أجل ذلك من إطالة ساعات النهار اصطناعياً من 12 حتى 14 ساعة إلا أنه يجب ألا ننسى أن الطيور المفقسة في فترتي الخريف والشتاء تكون ضعيفة نوعاً ما .
والواقع أن الأمر المهم بالنسبة لأنثى طائر الجنة ليس جمال الريش فقط عند الذكر، بل في قدرته على إتقان وإتمام مقدمات عملية التزاوج من رقص وتغيير في شكل ريشه بما يضمن له كسب ود الأنثى . والملاحظ حسب رأي الباحثين سكول ولامان أن كل نوع من الأنواع الأربعين يتميز باستراتيجية خاصة للإيقاع بالأنثى، فلكل نوع طقوسه وشعائره في الحب وممارسة حياته الرومانسية التي تختلف في بعض التفاصيل وإن اتفقت في ملامحها ومظاهرها الأساسية، فمنها ما ينحني برأسه فقط أو بجسمه كله احتراماً، وينفش ريش صدره أو ذيله أو يقوم بحركات سريعة ذات إيقاع موسيقي منتظم كرقصة الباليه أو يهز جناحيه أو ذيله أو يصدر أصواتاً متنوعة تختلف من طائر إلى آخر، وأمام هذه الحركات الاستعراضية التي تتم أمام الإناث تجد إحداها منجذبة لذلك الذكر العاشق أكثر من غيره، فتلبي دعوته لمشاركته الرقص ثم تقوده حتماً إلى عش الزوجية . ويمكن القول إنه لا يوجد من طائر في الكرة الأرضية يمكنه اتقان الرومانسية والغزل والزواج كما تفعل عصافير الجنة، حيث يستعرض الذكر تفاصيل طقوس الغزل والحب لجذب انتباه الحبيبة، والحصول على رضاها وإيقاعها في شباك غرامه بجميع أعضاء جسمه، من الرأس حتى الرقبة والجناح والصدر والذيل والأرجل وذلك يعني تلقائياً تحريك الريش ونفشه في عملية تلاعب بالألوان والمظهر تنسجم مع خضرة الأشجار في الغابات المطيرة بتلك الجزر الاستوائية . ويشير الباحثان إلى أنهما اضطرا للبقاء اكثر من 80 ساعة فوق الأشجار لتصوير أدق تفاصيل عملية التزاوج بين ذكور طيور الجنة وإناثها، في فيلم مدته 90 ثانية! وكان لا بد من أجل ذلك إقامة محطات رصد مخفية في الأعالي للحصول على هذه النتيجة غير المسبوقة .
الريش والروح
ويعترف الرحالة والمستكشفون القدامى، ومنهم عالم الطبيعة الفرنسي رينيه ليسون الذي زار غينيا الجديدة عام ،1824 بأن أشكال هذه الطيور وألوانها الزاهية والمتعددة سحرته وأدهشته، حيث يقول: "لم أمتلك الجرأة ولم تطاوعني أصابعي في الضغط على زناد البندقية لأطلق النار عليها حيث سلبت قلبي، واستولت على عقلي وتركني جمالها الأخاذ مستغرقاً في دهشة وتأمل" . وتقول عالمة الأنثروبولوجيا جيليان جيليسون من جامعة تورنتو والتي عاشت وسط قبائل غينيا الجديدة لأكثر من عشرة أعوام ودرست عاداتهم وتقاليدهم وثقافتهم: "بالنسبة للسكان المحليين فإن للريش علاقة بتحليق الروح البشرية وترمز إلى الولادة وبدء الحياة" . وتضيف جيليسون أن السكان المحليين لغينيا الجديدة يعيشون هذه المشاهد ويراقبونها منذ قرون وقد استمدوا كثيراً من طقوس حياتهم وشعائرهم من هذه الطيور في الغناء والرقص ويستخدمون ريشها في لباسهم، ويتميز طائر "بلاك استرابيا" بطول ريش ذيله عن الطيور الأخرى، بينما يزين شريط أبيض طويل رأس طائر "كينغ أوف ساكسوني" .
من جهته يواصل ديفيد ميشيل من المنظمة الدولية للدراسات الخاصة بالحفاظ على البيئة والطبيعة دراساته وأبحاثه على عصافير الجنة، لا سيما الأنواع النادرة منها مثل طائر "جولدي" الذي يوجد في جزيرتين إلى الجنوب الشرقي من طرف غينيا الجديدة التي لا تبعد كثيراً عن أستراليا .
وعلى مدى ملايين الأعوام كانت ولاتزال طيور الجنة تمارس القفز والرقص للحفاظ على النوع واستمرارية حياتها، وستبقى كذلك مواصلة رقصها ما دامت تلك الغابات توفر لها بيئة ومسرحاً ملائمين لذلك .