تنجب مصر دائما أفضل العلماء فبعد أن برع العالم المصرى د. أحمد زويل في الوصول إلى علم الفيمتوثانية وحصوله على جائزة نوبل وتفوق نجيب محفوظ في مجال الأدب عالمياً، وتوصل الدكتور مصطفى السيد إلى علاج أمراض السرطان بالذهب ونبوغ الدكتور فاروق الباز في علوم الفضاء، وتألق الدكتور مجدي يعقوب في الطب، ظهر العالم عصام حجي كأصغر عالم يشغل منصب مدير مركز الأقمار والكواكب في وكالة ناسا، وهو المنصب الذى كان يشغله قبله أرمستورنج أول إنسان مشى على سطح القمر.
فما حكاية هذا الشاب المصري؟ وكيف وصل إلى هذا المنصب؟ وما نوعية الأبحاث التى يقوم بعملها؟ وهل فعلا يقوم بمهمة إنقاذ الأرض من الدمار الشامل؟ كل هذه الأسئلة وغيرها أجاب عنها في هذا الحوار.
كيف كانت بدايتك مع البحث العلمي والوصول إلى هذه المكانة العلمية؟
- بدأت رحلتي مع البحث العلمي عندما كنت في طفولتي ألعب بالطائرة الورقية، وحلمت كثيرا بتحويلها إلى طائرة حقيقية، وبالفعل قررت الالتحاق بكلية العلوم جامعة القاهرة برغم أن مجموعي كان يؤهلني لدخول ما يسمى بكليات القمة الطب أو الصيدلة، وتفوقت في دراستي حتى أصبحت معيداً بكلية العلوم، وشاءت المصادفة أن أعمل في مركز أبحاث الفضاء الفرنسي عندما مررت يوما أمام المركز الثقافي الفرنسي الموجود بجوار منزلي، وقرأت إعلانا عن منحة دراسية بفرنسا، وتقدمت إليها، وحصلت عليها، وبعد عام واحد حصلت على درجة الماجستير من جامعة باريس في عام واحد بدلاً من عامين، ثم حصلت على الدكتوراه في عام واحد أيضا.
وفي باريس واجهتني صعوبات كثيرة خاصة عندما نفذت نقودي، وكنت أقيم في غرفة لا تتجاوز مساحتها ثمانية أمتار فقط، ولكنى تحديت كل الصعاب لأحصل على درجة الماجستير في التصوير بالرادار لاكتشاف المياه على كوكب المريخ والمناطق الصحراوية وحصلت رسالتي على جائزة من أكاديمية العلوم الفرنسية ثم جائزة أخرى من جامعة باريس واثناء ذلك عملت في مركز أبحاث الفضاء الفرنسي وتم اختياري مع تسعة أشخاص من بين 400 عالم تقدموا للعمل في المركز، ومن خلاله عملت بمركز أبحاث الفضاء الأوروبي، الذي يعمل لإطلاق مركبة فضائية لاكتشاف مظاهر الحياة على سطح المريخ، ثم التحقت بالعمل في وكالة ناسا.
وماذا عن سالة الدكتوراه؟
- أنا حصلت على دكتوراه في علوم الفضاء عام 2002 من جامعة باريس، وكان موضوعها تطوير أداء الرادار الثاقب للأرض لاستكشاف الماء تحت سطح المريخ.
ألم تكن صغيراً على كل هذه الإنجازات؟
- الشباب هم أمل الغد ورئيس جامعة باريس عمره لا يتعدى 39 عاماً.
كيف التحقت بالعمل في ناسا؟
- من خلال عملي في مركز الأبحاث الفرنسي جاءني عرض للعمل في وكالة ناسا عام 2003 وعند بداية عملي بالوكالة حصلت على جائزة عن تصميمي لمعمل التصوير بالرادار ثم أنجزت عدة مهام بها حتى أصبحت رئيسا لمعهد الأقمار والكواكب التابع لوكالة ناسا وأرأس 24 عالما من مختلف الجنسيات.
ما أهم المهام التي أنجزتها خلال عملك في جامعة القاهرة أو ناسا؟
- عملت مع فريق المكوك (سبيريت) في رحلة اكتشاف المياه على كوكب المريخ، حيث بدأت تجاربنا العلمية أولا لاختبار أجهزة الرداد التي تفتش عن الماء في الصحراء الغربية بمصر عام 1999 وذلك لطبيعة الأرض المشابهة لسطح كوكب المريخ، وبالفعل وجدنا الماء هناك فبدأنا التجارب على سطح كوكب المريخ نفسه بإرسال مركبتين فضائيتين هما مارس اكسبريس ومارس ريكونيسانس أوربيتال وعن طريقهما توصلنا إلى أن هناك تشكيلات جيولوجية تحت الأقطاب الجليدية لكوكب المريخ الشمالي والجنوبي على عمق 3 آلاف متر من السطح، كما تم اكتشاف وجود مياه مجمدة في بعض المناطق الاستوائية بالمريخ وتم تسجيل هذا الاكتشاف العلمي المذهل في واحدة من أهم المجلات العلمية في العالم بأنه أهم اكتشاف علمي في القرن 21.
ألا تعد أبحاث الكشف عن المياه على سطح المريخ رفاهية؟
- يظن البعض عدم جدوى أبحاث المياه على كوكب المريخ، أو أبحاث الفضاء عموماً باعتبارها رفاهية علمية وخاصة بالنسبة لدولة نامية مثل مصر مثلاً، وهذا غير صحيح لأن الغرب ينفق أمواله على أبحاث الفضاء لأن البحث العلمي يؤدي إلى تطور حياة الإنسان في كل مجالات الحياة كما أن الأبحاث التي تتناول تطور المجموعة الشمسية تعطينا فكرة واضحة عن مستقبل الأرض، وهو ما حدث قديما عندما توصل العلماء إلى تفسير الظواهر الطبيعية مثل الزلازل والتي كانت غامضة بالنسبة للكثيرين، حتى ان البعض عندما وقعت الزلازل ظن أنه يوم القيامة. كما أن طبيعة كوكب الأرض، تؤكد أنه توأم لكوكب المريخ إلا أن الأول به حياة والآخر تحول إلى صحراء، وبدراسة كوكب المريخ يمكن التنبؤ بمستقبل كوكب الأرض. كما أن إيجاد المياه في المريخ سيؤدي إلى معرفة طريقة العثور على المياه في صحارينا الشاسعة بالوطن العربي.
ماذا عن مساهمتك في مهمة إنقاذ الأرض؟
- بالفعل أساهم في مهمة إنقاذ الأرض من الدمار كرئيس لفريق الإنقاذ الذي يضم 6 علماء من مختلف دول العالم من وكالة ناسا ومركز ابحاث الفضاء الأوربي (روزاتا) ورصدت وكالة ناسا مبلغ 500 مليار دولار لهذا المشروع ويتم تجهيز رحلة المركبة المسماة 76ك التي ستصل خلال عام 2014 إلى (الكويكب المذنب) الذي يهدد الأرض بالاصطدام بحلول عام ،2028 ودور المركبة هو تفجير صاروخ نووي بقرب الكويكب حتى يحدث ما يسمى بالطرد المركزي الذي يؤدي لأن ينحرف عن مساره، ولا يسبب الاصطدام بالأرض وتدميرها تماما كما هو متوقع وقد يؤدي لفناء البشرية.
هل صحيح أنك تقدمت باستقالتك من جامعة القاهرة؟
- نعم وذلك بسبب المادة 117 من قانون الجامعات والتي تنص على عدم السماح لأى عضو هيئة تدريس بالجامعة بالتغيب عن الجامعة لأكثر من ثلاث سنوات، وإلا تعرض للفصل وهو ما حدث للأسف مع عمالقة وعلماء أمثال د. أحمد زويل وفاروق الباز، ود. مجدي يعقوب ولذلك تقدمت باستقالتي بسبب الروتين ومتاهات البحث عن ختم النسر أكثر من الاهتمام بالبحث العملي في مصر للأسف وبرغم أن فرنسا منحتني الجنسية تقديراً لجهودي العلمية، إلا أننى ما زلت أحمل بطاقتي المصرية في جيبي لأنى أعتز بكوني مصرياً. ووالدي صحافي ورسام كاريكاتير معجون بحب مصر، وهو الفنان محمد حجي ووالدتي التي تعمل في مجال الكيمياء وعلى يديها أحببت علوم الفضاء.
ما هواياتك؟
- ليس لدي وقت للهوايات فأنا دائما على سفر ما بين هيلليو وباريس وتكساس واقضي أكثر من 32 ساعة شهريا في الطائرات فلا إجازة، ولا هواية كما أقضي في عملي حوالي 17 ساعة يومياً.
ما نصائحك للشباب؟
- أن يحلموا لأن الحلم هو طريق النجاح وتحقيق المعجزات ولو بطلنا نحلم نموت.
زواجك المبكر هل وقف عائقاً أمام جهودك العلمية؟
- على النقيض من ذلك فلقد تعرفت على زوجتي أثناء دراستي بباريس، وهى دائما تقف بجواري وتحترم جدولي المزدحم بالمواعيد، والحمد لله أثمر الزواج ابنتي الطفلة ياسمين التي أتوقع أن تصبح عالمة فضاء أيضا فلقد بدأت مرحلة اللعب بالطائرة الورقية الآن وقريبا ستلعب في الفضاء.
ما طبيعة الدور الذي تقوم به حالياً في الوكالة الأمريكية لعلوم الفضاء ناسا؟
- أنا واحد من 8 خبراء مهمتنا متابعة الإشارات الواردة من المريخ على مدار الساعة، بالإضافة إلى دوري في التنسيق مع رواد الفضاء، وتدريبهم على استخدام أجهزة التصوير الراداري في الوصول بشكل دقيق لأماكن تجمع الجليد تحت سطحي المريخ والقمر، والتعرف الى خواصهما الجيوفيزيائية، وأساليب جمع العينات من هذه المناطق، وفى الوقت نفسه دراسة المكونات الجيولوجية للقمر.
وقبل عام تقريبا، انتقلت من معهد بحوث الفضاء في هيوستن إلى القيادة العامة لناسا، ومشروع اكتشاف المريخ التابع لها في لوس انجلوس، وأعمل حاليا مسؤولاً عن مركبات الفضاء ورئيس الفريق البحثي في معمل محركات الدفع الصاروخي وهو أكبر معامل ناسا وأشهرها على الإطلاق.
ما التطور الذي حدث في مشروع استكشاف المريخ حتى الآن؟
- أعتقد أننا قطعنا شوطاً كبيراً وأحرزنا تقدما في اكتشاف القمر والمريخ، بعد إطلاق المركبتين مارس إكسبريس ودزح في ،2004 وقمنا بإطلاق مركبتين جديدتين، واحدة بالتعاون مع الهند، وأخرى في ناسا، وبدأنا نطور التدريبات الخاصة لرواد الفضاء ونحاكي الواقع الذي يمكن أن يمروا به أثناء عودتهم للقمر وزيارتهم للمريخ سنة ،2020 للتعرف أكثر الى خصائص الكوكب المغلف بالغاز الأحمر والذي أصاب التصحر جميع أراضيه.
ما النتائج التي عادت بها هذه المركبات حتى الآن؟
- أهم النتائج اكتشاف الجليد تحت سطح المريخ، فكلنا يعرف أننا كنا نعيش وحدنا في المجموعة الشمسية، لكن المثير أن تتوصل من خلال أبحاثك إلى إشارات تقول إنه ربما كانت هناك حياة على سطح المريخ، ونحن نتنبأ بذلك منذ اكتشافنا بشكل يقيني وجود المياه والجليد على أرضه، ونريد التحقق من السؤال الملح، هل كانت هناك كائنات تعيش قبل عدة آلاف أو ملايين من السنوات؟ وهذا ما نريد معرفته عام 2020. كما أننا عثرنا على الجليد في المناطق الاستوائية، وهو ما لم يكن معروفا في السابق.
ما دورك في تجهيز هذه المركبات الفضائية التي تغزو المريخ؟
- دوري يتركز في تصميم، ومتابعة عمل أجهزة التصوير الراداري المثبتة على هذه المركبات، وبواسطتها يمكن تقديم صور واضحة لأماكن وجود المياه على سطح القمر والمريخ، إلى جانب تدريب رواد الفضاء على استعمال هذه الأجهزة، ومحاكاة الواقع الذي سيرونه عندما يهبط الإنسان لأول مرة على سطح المريخ، إضافة لانتهائي والفريق البحثي المرافق لي من تحديد أقرب مناطق الجليد من سطح القمر لتوليد المياه منه للمرة الأولى.
ما أهمية هذه الاكتشافات؟
- أعتقد أن مشروع اكتشاف الجليد والمياه على سطح القمر هو الأهم بعد رحلة رواد الفضاء على متن المركبة أبوللو أوائل السبعينات، مع فارق بسيط في دراساتنا هذه المرة، هو أن رواد الفضاء سيعودون إلى القمر في نهاية ،2020 لكن ليس لاتخاذه مكانا لمعيشة الإنسان، وإنما لتحويله إلى محطة دائمة للرحلات الفضائية لاستكشاف المجموعة الشمسية.
ما أوجه التشابه بين كوكبي الأرض والمريخ؟
- نحن نعرف كوكبنا فقط الذي نعيش عليه، لكن إذا عرفنا أن كوكبي المريخ والأرض كانا توأمين، أحدهما لا يزال يعيش، والآخر تحول إلى صحراء بفعل العوامل الفلكية واختفت المياه من سطحه، فهذا يساعدنا على معرفة أثر التغير المناخي الذي يتدهور بشدة على كوكب الأرض، وهكذا فإن كوكب المريخ يعتبر نافذة مفتوحة لمعرفة الأرض بصورة أفضل، كما أن كوكب الزهرة يمثل حالة بدائية لما مر به كوكب الأرض قبل أن تظهر الحياة على سطحه.
ما دور القرآن الكريم في تعزيز نجاحك؟
- قراءة الآيات الكريمة في القرآن تزود الإنسان بالكثير من العلم والمعرفة وتساعده على تحدي الصعاب، بالإضافة إلى أن الحكم الموجودة في القرآن الكريم تجعلك تفكر في أن أية مشكلة يمكن أن تتخطاها وألا تسلك سلوكاً خاطئاً للوصول إلى ما تريد.
ما أهم الجوائز التي حصلت عليها خلال مشوارك العلمي؟
- الجائزة الشرفية للأكاديمية الفرنسية للعلوم، وجائزة أفضل مشروع بحثي لرسالة دكتوراه من جامعة باريس بفرنسا، وأنا أعد أول مصري يحصل على هذه الجائزة التي نالها عدد قليل جداً من العلماء.
ماذا عن حياتك الشخصية؟
- أنا متزوج ولدي طفلة، وشقيق واحد، ووالدي رسام الكاريكاتير محمد حجي والمعروف أنه أول رسام في العالم يرسم معاني القرآن الكريم ولديه لوحات كثيرة تعبر عن معاني آيات القرآن الكريم وهو بصدد طبع كتاب عن معاني القرآن الكريم أيضا.
كلمة أخيرة؟
- أنصح كل الشباب بعدم اليأس وإذا كانت هناك معوقات تقف أمام البحث العلمي فإن الحق والعلم يجب ان ينتصرا.
السياحة الفضائية
حول البحث عن المياه على سطح القمر وتدعيم السياحة الفضائية يقول:
السياحة الفضائية هي نوع من الفضول لأصحابها، أكثر منها لأغراض علمية، والفضول وحده ليس سيئا، وبعض الأغنياء حول العالم يسعون لخوض هذه التجربة، لكن العيش على القمر ليس هدفا قريب التحقيق في المدى الزمني المنظور، لن ننقل بشرا إلى هناك، والهدف من العمل فوق سطحي القمر، والمريخ هو اكتشاف أوجه التقارب بينهما وبين الأرض، وبالتالي يمكن التنبؤ بمستقبل كوكبنا الأخضر، وفهم ماضيه بصورة أفضل.