القرآن كتاب الله القويم، وحبله المتين،‮ والذي أعجز العرب وهم سادة البلاغة والفصاحة يتضمن آيات قد تحتار فيها العقول، لما فيها من‮ ‬غموض‮.‬
ومن هذه الآيات قول الله تبارك وتعالى في‮ ‬سورة ن: ‮«‬إِنَّا بَلَوْنَاهُمْ‮ ‬كَمَا بَلَوْنَا أَصْحَابَ‮ ‬الْجَنَّةِ‮ ‬إِذْ‮ ‬أَقْسَمُوا لَيَصْرِمُنَّهَا مُصْبِحِينَ‮ ‬»، (17).
قال جلال الدين السيوطي‮: «‬أَصحابَ‮ ‬الجَنَّةِ‮»: «هم أهل مصروان وهي قرية بيمن،‮ ‬بينها وبين صنعاء ستة أميال‮. ‬وجاء في‮ «‬معاني‮ ‬القرآن‮» ‬للفراء‮: ‬أصحاب الجنة،‮ ‬هم قوم من أهل اليمن كان لرجل منهم زرع،‮ ‬ونخل،‮ ‬وكرم،‮ ‬وكان‮ ‬يترك للمساكين من زرعه ما أخطأه المنجل،‮ ‬ومن النخل ما سقط على البسط،‮ ‬ومن الكرم ما أخطأه القطاف‮. ‬كان ذلك‮ ‬يرتفع إلى شيء كثير،‮ ‬ويعيش فيه اليتامى والأرامل والمساكين فمات الرجل،‮ ‬وله بنون ثلاثة فقالوا‮: ‬كان أبونا‮ ‬يفعل ذلك،‮ ‬والمال كثير،‮ ‬والعيال قليل،‮ ‬فأمَّا إِذ كثر العيال،‮ ‬وقلّ‮ ‬المال فإنا ندع‮ ‬ذلك»‮.‬
جحود النعمة
وجاء في‮ ‬التفسير الوسيط للزحيلي‮: ‬إن الله‮ ‬ينعم على بعض العباد بالثروة أو المال الوفير،‮ ‬ليعرف هل المنعم عليه شاكر لربّه في‮ ‬طاعة الله وشكر نعمة الله،‮ ‬فيزيده من النعمة،‮ ‬أو‮ ‬يكفر بها فيقطعها عنه‮. ‬وهذا مثل عظيم لأهل مكة وعتاة الكفار وأصحاب الثراء،‮ ‬وهو مثل أصحاب الجنة ذات الثمار والحبوب،‮ ‬طلب منهم أن‮ ‬يشكروا نعمة الله،‮ ‬ويؤدّوا الفقراء حقوقهم،‮ ‬فجحدوا النعمة وحرموا المساكين حظّهم،‮ ‬فحرمهم الله الثمار كلها‮. ‬روي‮ ‬أنّ‮ ‬واحداً من ثقيف،‮ ‬وكان مسلماً،‮ ‬كان‮ ‬يملك ضيعة،‮ ‬فيها نخل وزرع بقرب صنعاء،‮ ‬وكان‮ ‬يجعل من ناتجها عند الحصاد نصيباً وافراً للفقراء،‮ ‬فلما مات،‮ ‬ورثها منه بنوه،‮ ‬ثم قالوا‮: ‬عيالنا كثير،‮ ‬والمال قليل،‮ ‬ولا‮ ‬يمكننا أن نعطي‮ ‬المساكين،‮ ‬مثلما كان‮ ‬يفعل أبونا،‮ ‬فأحرق الله جنتهم،‮ ‬حيث حلفوا أنهم سيقطعون ثمر البستان عند الصباح،‮ ‬حتى لا‮ ‬يعلم بهم الفقراء،‮ ‬فيأخذون ما كانوا‮ ‬يأخذونه،‮ ‬طمعا في‮ ‬اقتناء كامل الغلّة والزرع‮..‬ فطاف على تلك الجنة‮ «‬البستان‮» ‬من عند الله نار أحرقتها،‮ ‬حتى صارت سوداء كالليل المظلم‮.‬
وجاء في‮ ‬مختصر تفسير ابن كثير للصابوني‮: ‬«ذكر بعض السلف أن هؤلاء كانوا من أهل اليمن،‮ ‬وقيل‮: ‬كانوا من أهل الحبشة وكان أبوهم قد خلف لهم هذه الجنة،‮ ‬وكان‮ ‬يسير فيها سيرة حسنة،‮ ‬فكان ما‮ ‬يستغل منها‮ ‬يرد فيها ما تحتاج إليه،‮ ‬ويدخر لعياله قوت سنتهم،‮ ‬ويتصدق بالفاضل،‮ ‬فلما مات وورثه بنوه قالوا‮: ‬لقد كان أبونا أحمق،‮ ‬إذ كان‮ ‬يصرف من هذه شيئا للفقراء،‮ ‬ولو أنا منعناهم لتوفر ذلك علينا،‮ ‬فلما عزموا على ذلك عوقبوا بنقيض قصدهم،‮ ‬فأذهب الله ما بأيديهم بالكلية‮: ‬رأس المال والربح والصدقة فلم‮ ‬يبق لهم شيء،‮ ‬قال الله تعالى معقباً على القصة «كذلك العذاب‮» ‬أي‮ ‬هكذا عذاب من خالف أمر الله،‮ ‬وبخل بما آتاه الله وأنعم به عليه،‮ ‬ومنع حق المسكين والفقير،‮ ‬وبدل نعمة الله كفرا،‮ «‬ولعذاب الآخرة أكبر لو كانوا‮ ‬يعلمون‮» ‬أي‮ ‬هذه عقوبة الدنيا وعذاب الآخرة أشق»‮.‬
إلا الأوسط
وجاء في‮ «‬فتحُ‮ ‬البيان في‮ ‬مقاصد القرآن» لأبي‮ ‬الطيب القِنَّوجي‮: ‬أصحاب الجنة المعروف خبرهم أنها كانت بأرض اليمن على فرسخين من صنعاء لرجل‮ ‬يؤدي‮ ‬حق الله منها فمات وصارت إلى أولاده،‮ ‬فمنعوا الناس خيرها وبخلوا بحق الله فيها»،‮ ‬وقال الواحدي‮: «هم قوم من ثقيف كانوا باليمن مسلمين ورثوا من أبيهم ضيعة فيها جنات وزرع ونخيل،‮ ‬وكان أبوهم‮ ‬يجعل مما فيها من كل شيء حظاً للمساكين عند الحصاد،‮ ‬فقالت بنوه: المال قليل والعيال كثير،‮ ‬ولا‮ ‬يسعنا أن نفعل كما كان‮ ‬يفعل أبونا، وعزموا على حرمان المساكين فصارت عاقبتهم أن ابتلاهم الله بأن حرق جنتهم، وقيل هي‮ ‬جنة كانت بصروان وصروان بالقرب من صنعاء، وكان أصحاب هذه الجنة بعد رفع عيسى بزمن‮ ‬يسير»، وقال ابن عباس‮: ‬هم ناس من أهل الحبشة كان لأبيهم جنة وكان‮ ‬يطعم منها المساكين فمات أبوهم فقال بنوه‮: ‬إن كان أبونا لأحمق كان‮ ‬يطعم المساكين‮. ‬فعزموا على حرمان المساكين،‮ ‬وتحالفوا بينهم ليغدُنَّ‮ ‬قبل خروج الناس،‮ ‬وحلف معظمهم إلا الأوسط قال لهم لا تفعلوا واصنعوا من الإحسان ما كان‮ ‬يصنعه أبوكم فخالفوه فنزل على تلك الجنة طائف من جهة الله سبحانه أي‮ ‬هلاك أو بلاء في‮ ‬حال نومهم،‮ ‬وقيل: الطائف نار أحرقتها حتى صارت سوداء، وقيل الطائف جبريل اقتلعها».
توبة صادقة
وقال ابن عباس: «طائف أي‮ ‬أمر من الله‮». ‬وعن ابن مسعود قال‮: «‬قال رسول الله صلى الله عليه وسلم:«إياكم والمعصية فإن العبد ليذنب الذنب الواحد فينسى به الباب من العلم،‮ ‬وإن العبد ليذنب الذنب فيحرم به قيام الليل وإن العبد ليذنب الذنب فيحرم به رزقاً‮ ‬قد كان هيء له، ثم تلا رسول الله صلى الله عليه وسلم فطاف عليها الآية‮»، ‬أي‮ ‬أنهم قد حرموا خير جنتهم بذنبهم»‮.‬
وفي‮ ‬هذه الآية دليل على أن العزم مما‮ ‬يؤاخذ به الإنسان، لأنهم عزموا على أن‮ ‬يفعلوا فعوقبوا قبل فعلهم،‮ ‬وشاهدوا ما قد حل بها من الآفة التي‮ ‬أذهبت ما فيها فقالوا لبعضهم‮: ‬حرمنا جنتنا بسبب ما وقع منا من العزم على منع المساكين من خيرها وتعاقدوا فيما بينهم، وقالوا: إن أبدلنا الله خيرا منها لنصنعن كما صنع أبونا فدعوا الله وتضرعوا فأبدلهم من ليلتهم ما هو خير منها بأن أمر الله جبريل أن‮ ‬يقتلع تلك الجنة المحترقة فيجعلها بزغر من أرض الشام ويأخذ من الشام جنة فيجعلها بمكانها،‮ ‬وعن ابن مسعود:«بلغني‮ ‬أنهم أخلصوا وعرف الله منهم الصدق فأبدلهم بها جنة تسمى الحيوان فيها عنب‮ ‬يحمل البغل منه عنقوداً واحداً»،‮ ‬وقال اليماني‮: «‬دخلت تلك الجنة فرأيت فيها كل عنقود منها كالرجل القائم الأسود‮».‬