جاء القرآن الكريم بعقوبة رادعة لقطاع الطرق، هؤلاء الذين أعلنوا حرباً بلا هوادة على المجتمع، واستهدفوا أمنه واستقراره، فجاءت عقوبة حد الحرابة لتقتلع هؤلاء المجرمين من المجتمع الإسلامي الذي ينشد الأمن والاستقرار لكل أفراده .

وقد حدثنا القرآن الكريم عن هذه العقوبة الرادعة في قول الحق سبحانه في سورة المائدة: إنما جزاء الذين يحاربون الله ورسوله ويسعون في الأرض فساداً أن يقتلوا أو يصلبوا أو تقطع أيديهم وأرجلهم من خلاف أو ينفوا من الأرض ذلك لهم خزي في الدنيا ولهم في الآخرة عذاب عظيم . إلا الذين تابوا من قبل أن تقدروا عليهم فاعلموا أن الله غفور رحيم .

والمعنى الذي تحمله الآيتان الكريمتان: يتمثل في عقاب الذين يحاربون الله عز وجل بسبب إصرارهم على معصيته، ويحاربون الله ورسوله بسبب إعراضهم عن دعوته، واستهزائهم بشريعته، ويحاربون المسلمين الذين أسلموا وجوههم لخالقهم، وأطاعوا الرسول صلى الله عليه وسلم، عن طريق قتلهم، واستلاب أموالهم، والاعتداء على أعراضهم وكرامتهم .

عقاب في الدنيا والآخرة

وعقاب هؤلاء المحاربين لله ورسوله - كما نص القرآن - أن يقتلوا والتقتيل: هو القتل وقد ذكر بصيغة التضعيف لإفادة الشدة في القتل، وعدم التهاون في إيقاعه عليهم، لكونه حق شريعة الله تعالى، وللإشارة إلى الاستمرار في قتلهم ما داموا مستمرين في الجريمة، فكلما كان منهم قتل وإفساد في الأرض قتلوا .

وقوله سبحانه أو يصلبوا زيادة في التنكيل بهم . . والتصليب: وضع المجرم بعد قتله مشدوداً على مكان مرتفع بحيث يراه الناس، ليكون عبرة لمن يعتبر .

وقوله عز وجل: أو تقطع أيديهم وأرجلهم من خلاف بأن تكون اليد والرجل المقطوعتين من جانبين مختلفين لا من جانب واحد .

وقوله سبحانه: أو ينفوا من الأرض بأن يطردوا من الأرض التي اتفقوا فيها على الإجرام، إلى أرض أخرى، ليتشتت شملهم، ويتفرق جمعهم، مع مراقبتهم والتضييق عليهم .

ومعنى قوله سبحانه: ذلك لهم خزي في الدنيا، أي أن عقاب هؤلاء المجرمين والذي يشمل القتل والصلب والتقطيع والنفي، هو ذل وفضيحة وخزي لهم في الدنيا، لأن هذه العقوبات الرادعة فضحتهم، وجعلتهم عبرة لغيرهم .

هذا هو عقاب الدنيا . . أما عقاب الآخرة فهو أشد وأنكى عذاب عظيم، وهذا العذاب لا يعلم مقدار شدته وآلامه ومداه إلا الله عز وجل .

لكن: لماذا يوقع على المحارب لله ورسوله وللمؤمنين عقابان؟

قال الإمام القرطبي - رحمه الله- في تفسيره: عقاب الدنيا والآخرة لمن يقوم بهذا الجرم لشناعة المحاربة وعظم ضررها، وإنما كانت المحاربة عظيمة الضرر، لأن فيها سد سبيل الكسب على الناس، لأنه إذا خيف الطريق انقطع الناس عن السفر، واحتاجوا إلى لزوم البيوت، فانسد باب التجارة عليهم وانقطعت، فشرع الله على قطاع الطرق العقوبة المغلظة .

وذلك الخزي في الدنيا، ردعاً لهم على سوء فعلهم، وفتحاً لباب التجارة التي أباحها الله تعالى لعباده، لمن أرادها منهم . . وتكون هذه المعصية خارجة عن المعاصي، ومستثناه من حديث عبادة بن الصامت رضي الله عنه في قول رسول الله صلى الله عليه وسلم: فمن أصاب من ذلك شيئاً فعوقب به في الدنيا فهو كفارة له .

وقال بعض العلماء: إن الخزي في الدنيا لمن عوقب، وعذاب الآخرة لمن سلم في الدنيا من تطبيق حد الحرابة .

وقال بعض العلماء إن هذا الوعيد مشروط الإنفاذ بالمشيئة لقوله تعالى: إن الله لا يغفر أن يشرك به ويغفر ما دون ذلك لمن يشاء . . .

توبة قطاع الطرق

وقوله سبحانه: إلا الذين تابوا من قبل أن تقدروا عليهم فاعلموا أن الله غفور رحيم، بيان لحكم هؤلاء المحاربين إذا ما تابوا قبل القدرة عليهم .

والمعنى: نفذوا - أيها الحكام - هذه العقوبات الرادعة على هؤلاء المجرمين، ما داموا مستمرين ومصرين على جرائمهم وإفسادهم في الأرض وعلى قتلهم للآمنين واغتصابهم لأموالهم، وقطع الطرق التي فيها مصالحهم . . لكن الذين لم تتمكنوا من القبض عليهم لتوقيع العقاب الرادع بهم، وجاؤوا وسلموا أنفسهم وأعلنوا توبتهم وندموا على ما فعلوا، فاعفوا عنهم إذا لم تكن في رقابهم حقوق لآخرين، فالله واسع المغفرة والرحمة لمن تاب إليه وأناب .

وهنا يتدخل الفقيه الأزهري، د . نصر فريد واصل، مفتي مصر الأسبق وعضو هيئة كبار العلماء، ليؤكد أن الجهة المنوط بها تطبيق حد الحرابة هي الدولة ممثلة في الأجهزة الأمنية والقضائية بعد تحريات وتحقيقات ومحاكمات عادلة، وهي التي تطبق مبدأ العفو الإلهي عن قطاع الطرق والمجرمين الذين يعلنون التوبة .

ولكن هل العفو المشار إليه في الآية الكريمة يسقط العقوبة كاملة عن المجرم بمجرد التوبة وتسليم نفسه للسلطات القائمة؟

يقول د . واصل: توبة قطاع الطرق تسقط عنهم حد العقوبة المذكورة في الآية الأولى، أما حقوق العباد من الأموال والدماء، فإنها لا تسقط عنهم إلا إذا رضي أصحاب هذا الحق بإسقاطها أو العفو عن هؤلاء التائبين، لأن من شروط التوبة الصحيحة بالنسبة لحقوق العباد، رد المظالم إلى أهلها، وهذا هو العدل الذي تنادي به الشريعة الإسلامية وتحرص على تطبيقه بين الناس .

وسيلة إنقاذ

أستاذ الشريعة الإسلامية بجامعة الأزهر، د . عبدالله ربيع، ينظر إلى حد الحرابة على أنه وسيلة إنقاذ ويؤكد ضرورة تطبيق هذا الحد على المجرمين، وقطاع الطرق الذين يروعون الناس الآن، مؤكداً أن هذه العقوبة الشرعية تهدف إلى محاربة من يعيثون في الأرض فساداً، وهم الذين يقطعون الطريق على الآمنين ويسرقونهم أو يقتلونهم، والله تعالى عندما شرع هذا الحد جعله عقاباً لهم .

ويقول: جزاء التخويف وفقا لنص الآية التي شرعت حد الحرابة هو النفي، وجزاء السرقة والتخويف قطع الأيدي والأرجل من خلاف، بينما جزاء من يقتل ويسرق هو القتل والصلب، وأوضح أن الشرع أعطى للحاكم وولي الأمر الحق في وضع هذا الحد بما يحفظ الأمن ويردع هؤلاء المجرمين .

وأضاف: الشريعة الإسلامية دعت لمحاربة المجرمين وجعلت من أولوياتها الحفاظ على أمن المجتمع، وهو ما كان من أولويات الرسول عليه الصلاة والسلام عند وصوله للمدينة المنورة، وإذا كنا نعيش في عهد لا يأمن فيه الإنسان على نفسه وأولاده، فلا مانع من تطبيق هذا الحد للسيطرة على الحالة الأمنية، كما أن ولي الأمر يجب عليه تقديم المصلحة العامة، وهي أمن المجتمع على المصلحة الخاصة، وهي حياة هؤلاء المجرمين .

اتهام باطل

ويرد د . واصل على الذين يتهمون الشريعة الإسلامية بالقسوة، استناداً إلى حد الحرابة وغيره من الحدود ويقول: اتهام أحكام الشريعة الإسلامية والتي ورد النص عليها في القرآن الكريم بالقسوة، اتهام باطل ويكشف عن جهل بفلسفة التشريع الإسلامي خاصة في مجال العقوبات، وهؤلاء الذين يهاجمون الشريعة ويتطاولون عليها لا يريدون الحق والعدل بين الناس، لدرجة أنهم يدافعون عن القتلة وعتاة الإجرام الذين يرتكبون جرائم القتل ويرفضون تطبيق عقوبة الإعدام .

ويرى مفتي مصر الأسبق أن التشكيك في عدالة الشريعة الإسلامية وصدقها من خلال اتهام العقوبات التي جاءت بها هذه الشريعة الغراء، بالقسوة وإهدار حقوق الإنسان يعتمد على اتهام ساذج، حيث لا يعتمد على دليل واضح ولا يسانده برهان قوي .

ويؤكد د . واصل أن الشريعة الإسلامية في كل أحكامها وتشريعاتها لا تعرف العنف ولا القسوة، وتستهدف تحقيق العدل بين الناس وتوفر لهم حياة آمنة وتحميهم من المجرمين من خلال العقوبات الشرعية والحدود التي جاءت بها هذه الشريعة لمواجهة الجرائم والانحرافات المادية والأخلاقية .

وحد الحرابة مأخوذ من الحرب، لأن من يرتكب هذه الجرائم يحارب الله ورسوله والناس أجمعين، وتطلق كلمة الحرابة على الفرد أو الجماعة الذين يخرجون لقطع الطريق على الآمنين واستباحة أموالهم وسفك دمائهم وهتك أعراضهم وإشاعة الخوف والاضطراب في نفوس الناس .

ويؤكد د . واصل أن شريعة الإسلام، وهي شريعة حق وعدل، من الطبيعي أن تواجه هذه الجريمة - الحرابة - بعقوبات رادعة حماية لأرواح الناس وأموالهم وأعراضهم حتى يعيش المجتمع كله في أمان واطمئنان .

ويوضح د . واصل أن شريعة الإسلام لم تقف عند توقيع عقوبة على مجرم، كما هي حال التشريعات القانونية المطبقة الآن في كل المجتمعات الإنسانية، بل هي قبل توقيع العقوبة تتخذ العديد من الإجراءات الوقائية، لكي تحمي المجتمع من الجرائم والانحرافات المتعددة التي تهدد أمنه .

ففي جريمة القتل العمد مثلاً نجد شريعة الإسلام ترهب من قتل الإنسان ظلماً وعدواناً، وهناك العديد من الآيات القرآنية والأحاديث النبوية التي تحرم تحريماً قاطعاً قتل إنسان إلا بالحق . . يقول سبحانه وتعالى: ومن يقتل مؤمناً متعمداً فجزاؤه جهنم خالداً فيها وغضب الله عليه ولعنه وأعد له عذاباً عظيماً .

ففي هذه الآية الكريمة يتوعد الخالق عز وجل كل إنسان يقترف جريمة القتل لغيره ظلماً وعدواناً بجملة من العقوبات هي: الخلود في جهنم، وغضب الله على هذا القاتل، وحلول اللعنة عليه، وحلول العذاب العظيم عليه في الآخرة . . والرسول صلوات الله وسلامه عليه يقول: كل ذنب عسى الله أن يغفره إلا من مات مشركاً أو مؤمن قتل مؤمناً متعمداً .

وبعد التحذيرات المتكررة والترهيب المتواصل للإنسان من اقتراف هذه الجريمة تأتي العقوبة الرادعة، لأن الإنسان لم يتعظ ولم يستجب لنداء الحق والعدل، وتجرأ على إزهاق روح بريئة فيكون قد ارتكب جناية من أقبح الجنايات، وجريمة من أشنع الجرائم، فمن يقتل فرداً واحداً يعتد على الإنسانية كلها . . يقول الحق سبحانه وتعالى: أنه من قتل نفساً بغير نفس أو فساد في الأرض فكأنما قتل الناس جميعاً .