محمد حماد

هو واحد من رجال الله الذين اصطفاهم من بين خلقه لنيل شرف نصرة الدين ونشره، فهؤلاء الرجال تغلغل الإيمان في قلوبهم، وارتقت نفوسهم، فلم يبق لهم هدف ولا غاية في الحياة إلا خدمة الإسلام، وهو واحد من هؤلاء القادة الفاتحين لبلاد الله في صدر الإسلام، واشتهر تاريخياً باسم «فاتح إفريقية»، وهو الاسم العربي لشمال قارة إفريقيا.
اسمه عقبة بن نافع بن عبد القيس الفهري، ولد قبل الهجرة بسنة، أسلم أبوه قديماً، ونشأ عقبة في بيئة إسلامية خالصة، وهو صحابي بالمولد، لأنه ولد على عهد النبي -صلى الله عليه وسلم-، والأصل أنه تابعي جليل، وقيل: إنه يمت بصلة قرابة لعمرو بن العاص -رضي الله عنه- من ناحية الأم.
أمه من قبيلة المعز من بني ربيعة، وأبوه نافع بن عبد القيس الفهري، أحد أشراف مكة وأبطالها المعدودين.

برز اسم عقبة بن نافع مبكراًعلى ساحة أحداث حركة الفتح الإسلامي التي بدأت تتسع بقوة في عهد الخليفة عمر بن الخطاب -رضي الله عنه-، حيث اشترك هو وأبوه نافع في الجيش الذي توجه لفتح مصر بقيادة عمرو بن العاص رضي الله عنه،ولقد توسم فيه ابن العاص أنه سيكون له شأن كبير في حركة الفتح الإسلامي على الجبهة الغربية، لذلك أسند إليه مهمة صعبة، وهي قيادة دورية استطلاعية لدراسة إمكانية فتح الشمال الإفريقي،ثم أسند إليه قيادة بعض الدوريات الاستطلاعية إلى أرض النوبة، ثم بعد قليل تمكن عقبة من فتح زويلة وبرقة،ولم يرجع إلى مصر حتى أسلم أهلهما كلهم. وبعد أن فتح عمرو بن العاص مدينة طرابلس،غزاعقبة بن نافع الفهري إفريقية سنة41 ه، لكنه لم يفتحها.ظل عقبة في منصبه الخطير كقائد للحامية الإسلامية ببرقة خلال عهدي عثمان بن عفان وعلي بن أبى طالب رضي الله عنهما،ونأى بنفسه عن أحداث الفتنة التي وقعت بين المسلمين،ولما استقرت الأموروأصبح معاوية خليفة للمسلمين،أصبح معاوية بن حديج والياً على مصر،وكان أول قراراته إرسال عقبة إلى الشمال الإفريقي لمواصلة الفتح الإسلامي الذي توقفت حركته أثناء الفتنة.كانت هناك عدة بلاد قد خلعت طاعة المسلمين بعد اشتعال الفتنة بين المسلمين،فانطلق عقبة ورجاله إلى مناطق الفتنة بعد أن طهر المنطقة الممتدة من حدود مصر الغربية إلى بلاد إفريقية تونس من الأعداء والمخالفين، ثم أقدم على التغلغل في الصحراء بقوات قليلة وخفيفة لشن حرب عصابات خاطفة في أرض الصحراء الواسعة ضد القوات الرومية النظامية الكبيرة التي لا تستطيع مجاراة المسلمين في حرب صحراوية،واستطاع عقبة وجنوده أن يطهروا منطقة الشمال الإفريقي من الحاميات الرومية المختلفة،ومن جيوب المقاومة البربرية المتناثرة.

بناء القيروان


امتدت ولاية عقبة بن نافع الأولى على إفريقية من عام 50ه إلى 54 ه، وفيها بنى مدينة القيروان،وذكر ابن الأثير أن «عقبة بن نافع ركب بالناس إلى موضع القيروان اليوم،وكان غيضة كثيرة الأشجار مأوى الوحوش والحيات،فأمر بقطع ذلك وإحراقه،واختط المدينة،وأمر الناس بالبنيان».كان اختطاط القيروان عام 51ه، وبها أقام عقبة بن نافع فيما تلاه من أعوام، وأبرز أعماله بالقيروان بناء المسجد الجامع، ويذكر المؤرخون أنه بعد أن افتتح عقبة بن نافع الفهري إفريقية سنة 50ه،واختط القيروان،أقام بها ثلاث سنين،وفي سنة 55 ه عزله معاوية بن أبي سفيان عن إفريقية فكانت ولايته عليها أربعة أعوام،ثم يقدر الله عز وجل أن يرجع عقبة بن نافع إلى استئناف فتوحاته والياً على المغرب من قبل يزيد بن معاوية سنة 62 ه.

إنجازات عسكرية باهرة

وفي ولايته الثانية توجه عقبة بن نافع بجيوشه نحو المغرب،ولما جاوز مدينة «تاهرت»،واقترب من حدود المغرب الأقصى الشرقية،اجتمعت عليه جيوش الروم، فخرج عقبة إلى قتالهم.ثم تقدم عقبة بجيشه إلى المغرب الأقصى حتى نزل طنجة،يقول ابن عبد البر:«فتح عقبة عامة بلاد البربر إلى أن بلغ طنجة، وجال هنالك لا يقاتله أحد»، ثم رحل يريد البحر المحيط، فانتهى إليه وأقحم فرسه فيه،وقال قولته المشهورة: «اللهم اشهد أني قد بلغت المجهود،ولولا هذا البحر لمضيت في البلاد أقاتل من كفربك،حتى لا يعبد أحد من دونك».
كان عقبة بن نافع من خيار الولاة والأمراء،مستجاب الدعوة،وكان مثالاً في العبادة والأخلاق والورع والشجاعة.

استشهاد عقبة

لما قرر عقبة العودة إلى «القيروان» ترك في أهل المغرب بعض أصحابه يعلمونهم القرآن والإسلام، وبنى مسجداً على وادي نفيس جنوبي المغرب، وقد ظل هذا المسجد معروفاً باسم «مسجد عقبة»إلى اليوم، قال البكري في «المسالك والممالك»: «وصل عقبة إلى مدينة نفيس وفتحها، وبنى فيها مسجده المعروف إلى الآن»، وبعدها قرر عقبة العودة إلى القيروان، فلما وصل إلى طنجة أذن لمن معه من الصحابة أن يتفرقوا، ويقدموا القيروان أفواجاً ثقة منه بما نال من عدوه، ومال هو وثلاثمئة من أصحابه إلى مدينة تهوذة، فلما رآه الروم في قلة من جيشه طمعوا فيه،وأغلقوا باب الحصن وشتموه وهو يدعوهم إلى الإسلام وعندها أظهر «كسيلة»أحد قادة البربر مكنون صدره الذي كان منطوياً على الكفر والغدر والحسد، واستغل قلة جند عقبة واتفق مع الروم على الغدر،وأرسل إلى إخوانه البربرالوثنيين وجمع جموعاً كثيرة هاجمت عقبة فاستشهد مع أصحابه الثلاثمئة وكانوا من كبار الصحابة والتابعين بمقربة من تهوذة،في سنة ثلاث وستين.