إذا كان بر الوالدين معناه الإحسان إليهما في حياتهما وبعد مماتهما فإن عقوقهما يعني مخالفتهما فيما يأمران به من المباح، وسوء الأدب معهما في القول أو الفعل، وهو حرام ويكفي أنه من أكبر الكبائر، وهو صنو الإشراك بالله سبحانه وتعالى:

عن عبدالرحمن بن أبي بكرة عن أبيه رضي الله عنهما قال: قال رسول الله صلى الله عليه وسلم:

ألا أنبئكم بأكبر الكبائر؟ قلنا: بلى يارسول الله، قال: الإشراك بالله، وعقوق الوالدين...(رواه البخاري ومسلم)

وقد عد الإسلام السب عقوقاً فعن عبدالله بن عمرو بن العاص رضي الله عنهما قال: قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: إن من أكبر الكبائر أن يلعن الرجل والديه، قيل: يارسول الله، وكيف يلعن الرجل والديه؟ قال: يسب الرجل أبا الرجل فيسب أباه، ويسب أمه فيسب أمه (أخرجه البخاري).

وعن أبي هريرة رضي الله عنه عن النبي صلى الله عليه وسلم قال: رغم أنف، ثم رغم أنف، ثم رغم أنف، قيل: من يارسول الله، قال: من أدرك أبويه عند الكبر أحدهما أو كلاهما فلم يدخل الجنة (رواه مسلم)، فهذا الحديث حكم بالذل والمهانة والصغار لكل من أدرك والديه أو أحدهما عند الكبر، وكانا بحاجة إليه ولم يدخلاه الجنة.

ولمنع العقوق والقطيعة لا بد أن يعين الوالد ولده على بره بإعطائه ما له من حقوق إن الله يأمر بالعدل والإحسان (سورة النحل: 90) وأن يكون ليّن الجانب حسنا في التعامل مع أولاده قال تعالى: فبما رحمة من الله لنت لهم ولو كنت فظا غليظ القلب لانفضوا من حولك (سورة آل عمران:159).

إن سلوك الطرق الملتوية، والمعاملة الفظة القاسية، والعقوبة الظالمة الشديدة فيها جناية على الاولاد تقودهم إلى الانحراف والعقوق والتمرد.

جاء رجل إلى عمر بن الخطاب رضي الله عنه يشكو له عقوق ابنه، فأحضر عمر الولد وأنبّه على عقوقه لأبيه ونسيانه لحقوقه، فقال الولد: يا أمير المؤمنين أليس للولد حقوق على أبيه؟ قال: بلى، قال: فما هي يا أمير المؤمنين؟ قال عمر: أن ينتقي امه، ويحسن اسمه، ويعلمه القرآن، قال الولد: يا أمير المؤمنين إن أبي لم يفعل شيئاً من ذلك، أما أمي فإنها زنجية كانت لمجوسي، وقد سماني جعلا (أي خنفسا) ولم يعلمني من الكتاب حرفاً واحداً.

فالتفت عمر إلى الرجل وقال له: جئت إلَي تشكو عقوق ابنك، وقد عققته قبل أن يعقك وأسأت إليه قبل أن يسيء إليك!! وهكذا حمّل عمر الرجل المسؤولية لإهماله تربية ابنه، فلا بد من ملاطفة الاولاد وحسن معاملتهم والإحسان اليهم والرفق بهم والعدل معهم وتعليمهم كتاب الله وسنة رسوله صلى الله عليه وسلم، فإن ذلك ينعكس على سلوكهم ويؤدي حتماً إلى برهم وعدم عقوقهم.