حق الوالدين والإحسان إليهما في الإسلام يأتي بعد إفراد الله عزل وجل وحده بالعبادة، حيث يقول تعالى (وقضى ربك الا تعبدوا الا اياه وبالوالدين احسانا)، ومن هنا نهى الإسلام عن العقوق، وحذر منه أشد التحذير، فهو كبيرة من الكبائر، وهو قرين للشرك ويكفي في ذلك قوله - تعالى -: فَلا تَقُلْ لَهُمَا أُف وَلَا تَنْهَرْهُمَا (الإسراء: 23) . فما بالك بما فوق كلمة أف . والأحاديث في هذا السياق كثيرة جدا، ومنها ما جاء في حديث عبدالله بن عمرو بن العاص - رضي الله عنهما - عن النبي - صلى الله عليه وسلم - قال: الكبائر: الإشراك بالله، وعقوق الوالدين، وقتل النفس، واليمين الغموس .
مع تلك المكانة للوالدين، وبرغم ما جاء من الأمر الأكيد في برهما، والزجر الشديد في النهي عن عقوقهما إلا أن فئات من الناس قد نسيت حظا مما ذكرت به، فلم ترع حق الوالدين، ولم تبال بالعقوق .
والعقوق ضد البر، قال ابن منظور رحمه الله: بررت والدي: بالكسر أبره برا، وقد بر والده يبره ويبره برا، فيبر على بررت، وقال: ورجل بر من قوم أبرار، وبار من قوم بررة، وروي عن ابن عمر رضي الله عنهما أنه قال: إنما سماهم الله أبرارا لأنهم بروا الآباء والأبناء، وقال: كما أن لك على ولدك حقا كذلك لولدك عليك حق، وعق والده يعقه عقا وعقوقا ومعقة: شق عصا طاعته، وعق والديه: قطعهما ولم يصل رحمه منهما وقال: وفي الحديث أنه - صلى الله عليه وسلم - نهى عن عقوق الأمهات وهو ضد البر، وأصله من العق: الشق والقطع .
البر قرين العبادة
قال تعالى: (وإذ أخذنا ميثاق بني إسرائيل لا تعبدون إلا الله وبالوالدين إحسانا) (البقرة 83) والإحسان نهاية البر ، فيدخل فيه جميع ما يحب من الرعاية والعناية ، وقد أكد الله الأمر بإكرام الوالدين حتى قرن تعالى الأمر بالإحسان إليهما بعبادته التي هي توحيده والبراءة عن الشرك اهتماما به وتعظيما له وقال تعالى (واعبدوا الله ولا تشركوا به شيئا وبالوالدين إحسانا) (النساء 36) فأوصى سبحانه بالإحسان إلى الوالدين إثر تصدير ما يتعلق بحقوق الله عز وجل التي هي آكد الحقوق وأعظمها تنبيها على جلالة شأن الوالدين بنظمهما في سلكها بقوله: (وبالوالدين إحسانا) وقد كثرت مواقع هذا النظم في التنزيل العزيز كقوله تعالى (وقضى ربك ألا تعبدوا إلا إياه وبالوالدين إحسانا إما يبلغن عندك الكبر أحدهما أو كلاهما فلا تقل لهما أف ولا تنهرهما وقل لهما قولا كريما واخفض لهما جناح الذل من الرحمة وقل رب ارحمهما كما ربياني صغيرا (الإسراء 23- 24) .
قال ذو النون ثلاثة من أعلام البر: بر الوالدين بحسن الطاعة لهما ولين الجناح وبذل المال، وبر الولد بحسن التأديب لهم والدلالة على الخير، وبر جميع الناس بطلاقة الوجه وحسن المعاشرة
إن بر الوالدين مما أقرته الفطر السوية، واتفقت عليه الشرائع السماوية، وهو خلق الأنبياء، ودأب الصالحين، كما أنه دليل على صدق الإيمان، وكرم النفس، وحسن الوفاء، وبر الوالدين من محاسن الشريعة الإسلامية؛ ذلك أنه اعتراف بالجميل، وحفظ للفضل، وعنوان على كمال الشريعة، وإحاطتها بكل الحقوق بخلاف الشرائع الأرضية التي لا تعرف للوالدين فضلا، ولا ترعى لهما حقا، بل إنها تتنكر لهما، وتزري بهما .
وها هو العالم الغربي بتقدمه وحضارته المادية شاهد على ذلك؛ فكأن الأم في تلك الحضارة آلة إذا انتهت مدة صلاحيتها ضرب بها وجه الثرى، وقصارى ما تفتقت عنه أذهانهم من صور البر أن ابتدعوا عيدا سنويا سموه: (عيد الأم) حيث يقدم الأبناء والبنات في ذلك اليوم إلى أمهاتهم باقات الورد معبرين لهن عن الحب والبر وهذا منتهى ما توصلوا إليه من البر، يوم في السنة لا غير ! أين الرعاية ؟ وأين التراحم ؟ وأين الوفاء ؟ لا علم لهم بتلك المعاني الشريفة الفاضلة، ولا حظ لها عندهم .
مظاهر العقوق
إن عقوق الوالدين يأخذ مظاهر عديدة، وصورا شتى، منها إبكاء الوالدين وتحزينهما سواء بالقول أو الفعل، أو بالتسبب في ذلك ونهرهما وزجرهما وذلك برفع الصوت؛ والإغلاظ عليهما بالقول قال تعالى -: وَلَا تَنْهَرْهُمَا وَقُلْ لَهُمَا قَوْلاً كَرِيماً (الإسراء: 23) والتأفف، والتضجر من أوامرهما وهذا مما أدبنا الله - عز وجل - بتركه؛ فكم من الناس من إذا طلب منه والده شيئاً صدر كلامه بكلمة أف ولو كان سيطيعهما، قال - تعالى -: فَلا تَقُلْ لَهُمَا أُف (الإسراء: 23) ومن العقوق العبوس، وتقطيب الجبين أمامهما، فبعض الناس تجده في المجالس بشوشا، مبتسما، حسن الخلق، ينتقي من الكلام أطايبه، ومن الحديث أعذبه؛ فإذا ما دخل المنزل، وجلس بحضرة الوالدين انقلب ليثا هصورا لا يلوي على شيء، فتبدلت حاله، وذهبت وداعته، وتولت سماحته، وحلت غلظته وفظاظته وبذاءته .
ومن العقوق أيضاً النظر إلى الوالدين شذرا وذلك برمقهما بحنق، والنظر إليهما بازدراء واحتقار . .قال معاوية بن إسحاق عن عروة بن الزبير قال: ما بر والده من شد الطرف إليه كما يكون العقوق بتوجيه الأوامر إليهما، كمن يأمر والدته بكنس المنزل، أو غسل الثياب، أو إعداد الطعام؛ فهذا العمل لا يليق خصوصا إذا كانت الأم عاجزة، أو كبيرة، أو مريضة أما إذا قامت الأم بذلك طوعاً، وبرغبة منها وهي نشطة غير عاجزة، فلا بأس في ذلك، مع مراعاة شكرها، والدعاء لها وعدم انتقاد الطعام الذي تعده وهذا العمل فيه محذوران، أحدهما: عيب الطعام، وهذا لا يجوز؛ فرسول الله - صلى الله عليه وسلم - ما عاب طعاما قط، إن أعجبه أكل، وإلا تركه والثاني: أن فيه قلة أدب مع الأم، وتكديرا عليها .
وبعض الأبناء يعد مساعدة والدته نقصاً في حقه وهضماً لرجولته وبعض البنات كذلك ومن ذلك أيضاً الإشاحة بالوجه عنهما إذا تحدثا بترك الإصغاء إليهما، أو المبادرة إلى مقاطعتهما أو تكذيبهما، أو مجادلتهما، والاشتداد في الخصومة والملاحاة معهما فكم في هذا العمل من تحقير لشأن الوالدين، وكم فيه من إشعار لهما بقلة قدرهما وقلة الاعتداد برأيهما وبعض الناس لا يستشير والديه، ولا يستأذنهما في أي أمر من أموره، سواء في زواجه، أو طلاقه، أو خروجه من المنزل والسكنى خارجه، أو ذهابه مع زملائه إلى مكان معين، أو نحو ذلك، ثم ترك الاستئذان حال الدخول عليهما وهذا مما ينافي الأدب معهما، فربما كانا أو أحدهما في حالة لا يرضى أن يراه أحد عليها وبعض الناس لا يطيب له معاتبة أحد من أهل البيت على خطأ ما، إلا أمام والديه، ولا شك في أن هذا الصنيع مما يقلقهما، ويقض مضجعهما .
وبعض الأبناء لا يتورع عن ذم الوالدين عند الناس والقدح فيهما وشتمهما، ولعنهما: إما مباشرة، أو بالتسبب في ذلك؛ كأن يشتم الابن أبا أحد من الناس أو أمه، فيرد عليه بشتم أبيه وأمه . .فعن عبدالله بن عمرو - رضي الله عنهما - أن رسول الله - صلى الله عليه وسلم قال: من الكبائر شتم الرجل والديه . قيل: وهل يشتم الرجل والديه ؟ ! قال: نعم، يسب أبا الرجل فيسب أباه ويسب أمه فيسب أمه .
ومن الناس من لا يتورع عن تشويه سمعة والديه والتخلي عنهما وقت الحاجة أو الكبر والتبرؤ منهما، والحياء من ذكرهما، ونسبته إليهما والتعدي عليهما بالضرب وإيداعهما دور العجزة والملاحظة وهجرهما، وترك برهما ونصحهما والبخل والتقتير عليهما والمنة وتعداد الأيادي على الوالدين والسرقة والتغرب عنهما دون إذنهما .
أسباب كثيرة
ولعقوق الوالدين أسباب كثيرة منها الجهل فالجهل، داء قاتل، والجاهل عدو لنفسه، فإذا جهل المرء عواقب العقوق العاجلة والآجلة، وجهل ثمرات البر العاجلة والآجلة - قاده ذلك إلى العقوق، وصرفه عن البر ثم سوء التربية: فالوالدان إذا لم يربيا أولادهما على التقوى، والبر والصلة، وطلب المعالي - فإن ذلك سيقودهم إلى التمرد والعقوق . والتناقض: وذلك إذا كان الوالدان يعلمان الأولاد، وهما لا يعملان بما يعلمان، بل ربما يعملان نقيض ذلك، فهذا الأمر مدعاة للتمرد والعقوق .
والصحبة السيئة للأولاد هي مما يفسد الأولاد، ومما يجرئهم على العقوق . كما أنها ترهق الوالدين، وتضعف أثرهما في تربية الأولاد .
وعقوق الوالدين لوالديهم هو من جملة الأسباب الموجبة للعقوق؛ فإذا كان الوالدان عاقين لوالديهم عوقبا بعقوق أولادهما - في الغالب - وذلك من جهتين: أولاهما: أن الأولاد يقتدون بآبائهم في العقوق . والثانية أن الجزاء من جنس العمل وقد ورد في الاثر (بروا اباءكم يبركم ابناؤكم) .
كما أن قلة تقوى الله في حالة الطلاق قد ينتج عنها العقوق فبعض الوالدين إذا حصل بينهما طلاق لا يتقيان الله في ذلك، ولا يحصل الطلاق بينهما بإحسان . بل تجد كل واحد منهما يغري الأولاد بالآخر، فإذا ذهبوا للأم قامت بذكر مثالب والدهم، وبدأت توصيهم بصرمه وهجره، وهكذا إذا ذهبوا إلى الوالد فعل كفعل الوالدة . والنتيجة أن الأولاد سيعقون الوالدين والوالدان هما السبب
والتفرقة بين الأولاد كذلك من نتائجها العقوق فهذا العمل يورث لدى الأولاد الشحناء والبغضاء، فتسود بينهم روح الكراهية، ويقودهم ذلك إلى بغض الوالدين وقطيعتهما وإيثار الراحة والدعة: فبعض الناس إذا كان لديه والدان كبيران أو مريضان - رغب في التخلص منهما، إما بإيداعهما دور العجزة، أو بترك المنزل والسكنى خارجه، أو غير ذلك؛ إيثارا للراحة - كما يزعم وما علم أن راحته إنما هي بلزوم والديه، وبرهما .
كذلك قد تجد بعض الأبناء يأنف من أوامر والديه، خصوصا إذا كان الوالدان أو أحدهما فظا غليظا، فتجد الولد يضيق ذرعا، ولا يتسع صدره لهما، كما أن بعض الآباء لا يشجعون أولادهم على الإحسان ولا يعينونهم على البر، والأولاد إذا لم يجدوا التشجيع، والإعانة من الوالدين - فربما ملوا، وتركوا بر الوالدين، أو قصروا في ذلك .
وقد يبتلى الإنسان بزوجة سيئة الخلق، لا تخاف الله، ولا ترعى الحقوق، فتكون غصة في حلقه، فتجدها تغري الزوج، بأن يتمرد على والديه، أو يخرجهما من المنزل، أو يقطع إحسانه عنهما؛ ليخلو لها الجو بزوجها، وتستأثر به دون غيرها .
وبعض الأبناء لم يجربوا الأبوة، وبعض البنات لم يجربن الأمومة، فتجد من هذه حاله لا يأبه بوالديه؛ سواء إذا تأخر بالليل، أو إذا ابتعد عنهما، أو أساء إليهما .
فليحذر كل عاقل من التقصير في حق والديه، فإن عاقبة ذلك وخيمة، ولينشط في برهما فإنهما عن قريب راحلان وحينئذ يعض أصابع الندم، ولات ساعة مندم . وليعلم أن بر الوالدين من شيم النفوس الكريمة والخلال الجميلة، ولو لم تأمر به الشريعة لكان مدحة بين الناس لجليل قدره، وهو علاوة على ذلك تُكفر به السيئات، وتجاب الدعوات عند رب العاملين، وبه تنشرح الصدور وتطيب الحياة ويبقى الذكر الحسن بعد الممات .
اللهم اغفر لنا ولوالدينا، وارحمهم كما ربونا صغاراً، واجزهم عنا خير ما جزيت به عبادك الصالحين.