عكا المدينة العريقة التي طالما فاخرت بإرثها الحضاري الزاخر انقطعت بها السبل في العام 1948 فباتت محصورة بين اسوارها وبحرها تقف يتيمة في وجه الزمن، تقاوم المخططات الاسرائيلية لطمس معالمها العربية والسطو على تاريخها وتزوير هويتها الاسلامية وإبراز صبغتها الأثرية الرومانية والصليبية فقط. ورغم وقوع زلزال النكبة قبل ستة عقود ما زالت مدينة ضاهر العمر والجزار تستهوي قلوب مهجريها في الشتات وهي تشكل قصة حب واحدة تجمع بين نقولا زيادة وسامي الصلح وغسان كنفاني.

اذا كانت يافا عروس فلسطين فإن مدينة عكا لا تزال واحدة من درر شطآنها. فهي المدينة الموشاة بمدافع ابراهيم باشا والجزار والمرصعة بقببها البازغة ومساجدها الجميلة وهي من أهم المواقع العالمية التي خلدها التاريخ. ويقر الكثيرون من المؤرخين بأن اصل تسميتها يعود إلى اللفظة الكنعانية عكو وتعني رمل حار.

هذه المدينة التي ترعرعت وازدهرت عبر مختلف العصور منذ فجر الحضارة تلخص بسجلاتها تاريخ فلسطين بل تاريخ الشرق الادنى برمته منذ عهد الفراعنة والآشوريين والاغريق مروراً بالرومان والفتوحات الإسلامية إلى الفاطميين والصليبيين والعثمانيين وقد ارتبط اسمها بأسماء كبار الحكام والفاتحين.

واليوم يكاد الزائر إلى عكا ان يمسك التاريخ بأنامله فيتزاحم في مخيلته وذكرياته معاوية وصلاح الدين وريتشارد قلب الاسد وقبالة المعالم الاثرية الباقية تتجلى هيئة ضاهر العمر وأحمد باشا الجزار ومحمد جمجوم وفؤاد حجازي وسواهم.

أسوار عكا

ويلف عكا سور مرتفع وكان ولايزال يحيط المدينة بهالة من الهيبة والعظمة على غرار أسوار مدينتي اسطنبول والقدس.

ويلف السور عكا من جهة البر ومن جهة البحر كالسوار حول المعصم ويبلغ محيط السور (2850) متراً فيما يصل عرضه إلى 20 متراً وهو من أضخم الأسوار في العالم من حيث ارتفاعه ومن حيث عرضه، وللتدليل على سعته يشار إلى أن الأطفال يمارسون لعبة كرة القدم على سطحه في بعض الأماكن وخصوصا الجهة الجنوبية الشرقية حيث يتم الصعود إلى سطحه من خلال ممرين عريضين مبلطين يعلوهما عند ظهر السور برجان صغيران يطلان على المدينة كما تم ترميم منازل ضخمة في السور وحولت إلى فندق أكوتيل. وفي خارج السور يوجد خندق عريض وعميق جدا وبعد الخندق يوجد سور آخر خارجي ويمتد هذان السوران المتوازيان من شرق المدينة إلى غربها والخندق بينهما وكانت مياه البحر تفتح عليه لمنع الغزاة من الاقتراب بحيث تصبح المدينة كأنها جزيرة.

للسور بوابة كبيرة تقع في الجهة الشرقية كانت تقفل مساء وتفتح صباحا. وقد بني السور أول مرة في العهد اليوناني في الثلث الأخير من القرن الرابع ق.م وتميزت الأسوار التي بنيت في عهد الرومان بضخامة أحجارها كما أن بوابة عكا الشرقية مبنية حسب النمط الروماني. وقام ضاهر العمر بتجديد السور القديم في النصف الثاني من القرن الثامن عشر وجرى تحصينه في عهد أحمد باشا الجزار قبل الغزوة الفاشلة لنابليون لعكا.

وتشتمل الأسوار على أبراج مهمة في مختلف جهاتها وهي:

برج الكومندار: أي البرج القائد وهو أهم حصن أثري. ويقع في الزاوية الشمالية الشرقية وكان صموده يقرر مصير المدينة في معظم المعارك.

برج المدورة: ويسمى أيضا برج الكراجين وهو قلعه تركية يقع عند الزاوية الغربية لللأسوار.

برج السلطان: يقع قرب خان الشاوردة ويشرف من أعلاه على خارج الباب الرئيس للسور وعلى محطة سكة الحديد.

برج السنجق: ويقع قرب منارة عكا (الفنار) في الجهة الجنوبية الغربية من السور.

برج الحديد: يقع في شارع الفاخورة بين برج (كريم) وبرج السنجق.

مساجد ومقامات

ومن أبرز المعالم الاثرية في عكا التي اعتبرتها منظمة اليونسكو مدينة تراث إضافة إلى السور قلعة المدينة العثمانية ومسجد الجزار الذي يعتبر أشهر مساجدها وهو من اروع مظاهر الفن الاسلامي وأكبر مسجد في فلسطين المحتلة عام 48 حيث بني على نسق المسجد الازرق في اسطنبول وكنيسة القديس جوار جيوس ويرجع تاريخها إلى عهد الامير فخر الدين المعني الثاني عام 1597 والحمامات التركية وبرج الساعة الذي بني سنة 1900 بمناسبة مرور 25 عاماً على اعتلاء السلطان عبد الحميد الثاني العرش، ناهيك عن الأسواق وقناطر المياه والمقامات والخانات التي تحمل ارثا حضارياً زاخراً.

وتضم المدينة مساجد كثيرة عدا الجزار وهي مسجد المجادلة الذي بناه صالح آغا الكردي عام 1750 وقد آل وقف هذا المسجد إلى اسماعيل باشا كامل ابن الصدر الأعظم وصهر السلطان عبد الحميد الثاني وجامع الرمل وهو قريب من سوق الخياطين ويعود تاريخ بنائه إلى القرن الثالث عشر ويحوي ضريح ضاهر العمر وجامع البحر ويقال له جامع سنان وجامع الجرينة ويقع بمحاذاة الميناء وجدد بناءه سليمان باشا العادل عام ،1816 وجامع المعلق ويقع قرب ساحة الكراكون (السجن) ويمتاز بعلوه عن سطح الأرض وفيه مدرسة للأطفال، وجامع الزيتون في الجنوب من الزاوية الشاذلية وسمي بجامع الزيتونة تيمنا بجامع الزيتونة التونسي وهو وقف الشيخ الصادق، وجامع الزاوية الشاذلية ويقع في بناية الزاوية الشاذلية، وجامع السور ويقع على ظهر السور الشرقي وجامع اللبابيدي وهو الجامع الوحيد خارج السور وبناه الحاج أحمد اللبابيدي في ثلاثينات القرن الماضي. وهناك مقامات كثيرة في أرجاء المدينة منها : مقام النبي صالح، مقام الشيخ غانم، مقام عز الدين، مقام أبو عتبة، مقام الشيخ يانس.

مشاهير وقعوا في هواها

ارتبطت عكا بالسير الذاتية للكثيرين من أعلام السياسة والثقافة من الماضي القريب وبعض هؤلاء زاروا المدينة او اقاموا فيها بضع سنوات فاستهوت قلوبهم ومنهم من لا يزال يعبر عن بالغ حنينه ومحبته لها كما فعل المؤرخ الشهير نقولا زيادة في مؤلفه أيامي والدكتور هشام شرابي في كتابه الاخير صور من الماضي.

كما أن رئيس الوزراء اللبناني الاسبق سامي الصلح الذي ولد في عكا كان مغرما بها بما لا يقل عن ولع احمد الشقيري وغسان كنفاني.

وحتى النكبة امتازت مدينة عكا بازدهار تجارتها البرية والبحرية بفضل موقعها ومينائها ووفرة أسماكها وبحقيقة كونها نقطة جذب سياحية. ولكن شتان بين البارحة واليوم، فالمدينة التي كانت مزدهرة بأهلها والواثقة بذاتها وباسوارها لم تحسب حسابات لاحد كما عبر مثلها الشعبي الساخر: يا خوف عكا من هدير البحر. وساد ذلك حتى عصف بها زلزال النكبة عام 1948 وهجر سكانها اما من بقي فيها فيشكلون اليوم 29% من مجمل سكان عكا (القديمة والجديدة التي بناها الاسرائيليون خارج الاسوار) يعيشون بما يشبه مدينة صفيح بيد ان الخطر الحقيقي يقف خلف مخططات السلطات الاسرائيلية للإجهاز عليها تماما وافراغها من اصحابها العرب.