نشأت فكرة الذرة في تفكير الإنسان أول مرة عندما واجهته أول مشكلة فلسفية تتعلق بالتساؤل عن مبدأ الكون أو المادة الأولى التي نشأ منها، وعن مدى إمكانية تقسيم المادة وصولا إلى الجزء الأصغر منها، غير القابل للانقسام، أو الأتوم كما أطلق عليها فلاسفة الإغريق.

وقد عرف فلاسفة الإسلام الذرة والمذهب الذري الذي وضعه فلاسفة الإغريق ولكنهم استخدموا لذلك مصطلح الجزء الذي لا يتجزأ أو الجوهر الفرد، وكان طبيعيا أن يتبرأ مفكرو الإسلام من مبدأ يجحد أصحابه الصانع المدبر للعالم، وينكرون وجود الخالق الواحد جل وعلا، كما ينكرون النبوة والبعث والحساب، وقد وصفهم الإمام الغزالي في المنقذ من الضلال بالزنادقة كما وسموا بالدهرية الذين عناهم القرآن الكريم بقوله: وقالوا ما هي إلا حياتنا الدنيا نموت ونحيا وما يهلكنا إلا الدهر وما لهم بذلك من علم إن هم إلا يظنون. وإذا تتلى عليهم آياتنا بينات ما كان حجتهم إلا أن قالوا ائتوا بآبائنا إن كنتم صادقين. قل الله يحييكم ثم يميتكم ثم يجمعكم إلى يوم القيامة لا ريب فيه ولكن أكثر الناس لا يعلمون (سورة الجاثية: 24 26).

ويأتي أبو الهذيل العلاف في مقدمة فلاسفة المسلمين الذين ساهموا في أول صياغة لنظرية الجزء الذي لا يتجزأ، موضحا أنه يجوز على الجوهر الفرد الذي لا ينقسم إذا انفرد ما يجوز على الأجسام من الحركة والسكون، وما يتولد عنهما من المجامعة والمفارقة، وهذه الأجزاء تتحرك في خلاء لكنها لا تتحرك ولا تسكن بذاتها لأن الله، من حيث هو ذات مريدة وقادرة، هو الذي أوجد الحركة فيها والسكون.

أما من الناحية العلمية التجريدية، فقد أجرى جابر بن حيان تحضيرًا لمادة معينة قال عنها: استحضر آنية من الفخار بها كمية من الكبريت حتى يصل إلى حافة القارورة، وصب مقدارًا ملائمًا من الزئبق، ثم أدخل الآنية في الفرن واتركها ليلة في هذا الفرن بعد أن تحكم سدها، فإذا ما فحصتها بعد ذلك وجدت الزئبق والكبريت قد تحولا إلى حجر أحمر، وهو ما يسميه العلماء بالزنجفر، وهي ليست مادة جديدة في كليتها والحقيقة أن هاتين المادتين لم تفقدا ماهيتهما، وكل ما حدث لهما أنهما تحولتا إلى دقائق صغيرة امتزجت مع بعضها البعض، فأصبحت العين المجردة عاجزة عن التمييز بينهما، وظهرت المادة الناتجة من الاتحاد متجانسة التركيب ولو كان في قدرتنا وسيلة تفرق بين دقائق النوعين لأدركنا أن كلا منهما محتفظ بهيئته الطبيعية الدائمة.

ومن وجهة النظر العلمية المعاصرة يعتبر هذا الوصف تصويرًا عجيبًا للاتحاد الكيميائي لعل فيه شبهًا من تصوير دالتون في القرن التاسع عشر الميلادي (بعد جابر بألف عام) الذي قال إن الاتحاد الكيميائي يكون باتصال ذرات العناصر المتفاعلة بعضها ببعض لتكوين مواد جديدة.

صحيح أن الذرة الكيميائية كما تصورها جابر ودالتون في عمليات الاتحاد الكيميائي بين عناصر المواد المختلفة لم تعد مع حلول القرن العشرين ذلك الجوهر الفرد أو الجزء الذي لا يتجزأ الذي يمثل أصغر مكونات المادة، ولكنها كانت الأساس الذي تطورت عليه الفيزياء الذرية، وأدى هذا إلى قيام علم الفيزياء النووية، بل إن ظهور عالم الجسيمات الأولية وفيزياء الطاقة العالية قد أدى بنا الآن إلى الدخول في مجال العلم الذي مازال يتكون، والبحث في أعماق الذرة مرة أخرى عن جزء جديد منها لا يقبل التجزئة، سموه الكوارك، وحتى هذا الكوارك لم يسلم أخيرًا من النقاش والحديث عن بنائه الداخلي، بمعنى أن الجزء الذي قيل إنه لا يتجزأ لا يزال يواصل قابليته للانقسام، في الوقت الذي اقترب الإنسان فيه كثيرًا من الرؤية المباشرة للذرة المفردة والإمساك بها لاستخدامها في إجراء تجارب علمية، واستحداث تقنيات دقيقة متقدمة لم تخطر يومًا على بال بشر.

[email protected]