القاهرة: إبراهيم حمزة
نشر الروائي الإنجليزي توماس بيكون، رسالة عنوانها «عصور الشعر الأربعة»، أكد أنه مع تقدم العلم، سينتهي الأدب، مشيراً إلى الشعر الذي سيصبح - بتعبيره - مفارقة تاريخية عفّى عليها الزمان؛ ما دفع شاعراً كبيراً ك«شيللى»، ليكتب رسالة بعنوان «دفاعاً عن الشعر»، وأكد تشارلز بيرسي سنو، وهو يتحدث في محاضرته الشهيرة عام 1959 بعنوان«الثقافتان»، وجود نموذجين منفصلين للثقافة، شاكياً من الانقسام الهائل بين العلم والأدب.
كان سنو عالما أديباً، بل لقد حفظ التاريخ رواياته: «زمان الأمل»، «غرباء وأشقاء» و«ضمير الأغنياء» و«النور والظلام» و«الأساتذة» و«الرجال الجدد»، وتأكيداً لوجه الأديب المشرق كان قد بدأ كتابة روايتين قبيل وفاته عام 1972. كان سنو على صلة بمجموعة من العلماء ومجموعة من الأدباء، وقرر أن انتقاله بين المجموعتين هو ما شغله بالمعضلة التي أسماها ب«الثقافتين»، حيث كان يشعر باستمرار أنه ينتقل بين مجموعتين متماثلتين في الذكاء، ويذكر في هذا الكتاب العذب الذي ترجمه د. صالح جواد الكاظم، وصدر في بغداد عام 1982، أن الحياة الفكرية في كامل المجتمع الغربي آخذة بالانقسام المتزايد إلى هذين القطبين المتضادين.

في الوقت الذي كان العالم يحتفي بشعراء مثل ويليام بليك كان هناك عالم شهير هو إراسموس داروين، يصدر كتابه الشعري «حديقة النباتات»، وقد وصفه الناقد تيم رادفورد بمقال له بجريدة الجارديان أنه كان أشهر الشعراء عام 1793، والمدهش أن «إراسموس»، وهو جد تشارلز داروين صاحب نظرية «النشوء والارتقاء»، كان عالماً وطبيباً، وله عدد كبير من المخترعات والتطويرات، وقد كان شعره مليئاً بالفكر وباللغة العلمية، ومثلما كان إراسموس كان كارل ماركس صاحب كتاب «رأس المال»، وقد نشر فرانسيس وين مقالاً بالجارديان البريطانية في 8 يوليو/تموز 2006 حول كتاب رأس المال، يقرر فيه أن كتاب رأس المال لماركس لا يتعلق بالتحليل الاقتصادي، بل هو أيضا تحفة أدبية غير مكتملة يمكن أن تُقرأ، عبر بنيتها متعددة الطبقات، كرواية قوطية، أو ميلودراما من العصر الفيكتوري، ويؤكد النقاد أن في كتاب «رأس المال» يُوجد نسيج ديكنزي (نسبة إلى تشارلز ديكنز). كانت طموحات ماركس المبكرة أدبية، وفي مطلع شبابه كتب مؤلَفاً شعرياً ومسرحية شعرية، وكتب رواية هي «العقرب وفيليكس»، متأثرا برواية لورانس ستيرن الشاعرية «تريسترام شاندي».
أما عربياً، فيحمل تاريخ العلم للدكتور علي مشرفة مكانة مرموقة، مثلما يحمل مكانة سامية لشقيقه مصطفى مشرفة صاحب رواية «قنطرة الذي كفر»، وقد أكد كثيرون أنهم نسبوا الرواية للدكتور علي مشرفة عبقري الرياضيات، وليس للشقيق الدكتور مصطفى مشرفة، والسبب أن مشرفة العالم هو الأشهر، والأمر الثاني أن صاحب «قنطرة الذي كفر»، عاش معظم حياته خارج مصر بين عمل ومرض، وأنه لم يكمل تجربته الإبداعية، حيث كتب مجموعة قصص بعنوان «هذيان»، صدرت «قنطرة الذي كفر»،في طبعتها الثانية عام 1991 ضمن سلسلة كتاب «أدب ونقد»، حيث تصدرت الرواية مقالات نقدية لكل من: يوسف إدريس، شكري عياد، محمد عودة، محمد روميش، إبراهيم أصلان، عبد الله خيرت، فريدة النقاش.
في الرواية يقدم مشرفة صورة للكفاح المصري أثناء ثورة 1919، مؤكداً واقعية الرواية التي تقع أحداثها في حي شعبي كما يقول الكاتب في مقدمته القصيرة جدا: «وقد اختار الكاتب اللغة العامية، لأنها لغة تجعل القارئ يعيش في هذه الأحداث، ولا تضيع بهجتها إذا كتبت بلغة أخرى غير العامية»، وتبدأ الكلمات الأولى للرواية بقوله: «زعق الشيخ قنطرة بعد تعسيلة بعد الظهر: هاتي يا سيدة يا بنتي الإبريق والطشت خلينا نتوضى، ومد رجليه تحت اللحاف واتكرع واتاوب وغطى بقه..».
درس د. مصطفى الأدب الإنجليزي في جامعة إكستر بإنجلترا، ثم عاد إلى مصر، ليعمل أستاذا للأدب الإنجليزي في الجامعة المصرية، وفي تلك الفترة قام بتأليف أول كتبه باللغة الإنجليزية وهو كتاب «سيرة أتاتورك»، صدر هذا في عام 1944 عن مكتبة الأنجلو المصرية، وهو ترجمة لحياة الزعيم التركي مصطفى كمال أتاتورك (1881 - 1938). وظل مصطفى يتنقل من مصر لإنجلترا حتى استقر وأسس في مصر دارا للنشر، لم تطبع سوى مجموعته القصصية «هذيان» وروايته.
أما شقيقه الأشهر، فهو عالمنا الفذ علي مشرفة، وقد ظل مشرفة مشغولا بتلك المعادلة بين العلم والأدب، كان مشرفة نموذجاً لاكتمال العلم والأدب معاً والمقالات التي أحصيناها للدكتور علي مشرفة تزيد على العشرين مقالاً، نشرت بالرسالة والمقتطف، والهلال، والثقافة، في الأعوام من 1934 إلى العام 1945، وسنجد منها مقالين بعنوان «نقد لا يقره أدباء مصر»، وقراءة في مسرحية «أهل الكهف» للحكيم.
في كتابه «نحن والعلم» يبدأ السطر الأول بقوله: «العلم في الأصل مصدر من علم، وعلم الشيء أي عرفه، وبذا يكون علماً كل ما دخل في علم البشر» والكتاب في مجمله دعوة للاهتمام بصياغة العلوم بالعربية، وهي دعوة كريمة وسابقة لعصرها، وكانت له محاضرة مع د. طه حسين حول «أيهما أفيد للمجتمع العلم أم الأدب». المدهش أن مشرفة كان عاشقا للموسيقى وعازفا لآلتي الكمان والبيانو، وأسس الجمعية الموسيقية مع بعض الموسيقيين، وقامت الجمعية بترجمة بعض الأوبرات العالمية، تقول زوجته إنه «كان في عزفه يهيم مع ألحان بيتهوفن وفاجنر وشوبرت ومندلسون‏، وألحان من الموسيقى الشرقية القديمة التي دفعته إلى البحث عن السلم الموسيقي المصري، وإلي بيانو عربي تكون مفاتيحه هي نفس المفاتيح الإفرنجية، مضافا إليها‏ 12‏ مفتاحا‏ً». كما تروي الكاتبة الكبيرة سناء البيسي أنه كتب «أنشودته من هي سيلفيا؟» محاكيا مقطوعة لشكسبير من أغاني شوبرت الخالدة.
ما عرف لعالمنا العظيم من إبداع شعرى: ثلاث قصائد مخطوطة: «البدء والمسير»، و«يا رب»، و«يا طيور الفجر»، جاءت في ثمانية أبيات. وقد ترجم قصيدتين هما: «بجناح من الأغاني»، و«سيلفيا»، مجلة كليوباترا، العدد الأول يناير 1936. ترجمها شعرًا عن مقطوعة موسيقية من أعمال شوبرت، وضع كلماتها - أصلاً - شكسبير.
وفي 25 أغسطس/آب 1954 كتب العالم الجليل الملقب بأبي الهندسة الوراثية الدكتور أحمد مستجير أول قصيدة مكتملة، وعنونها ب«غدا نلتقي».
يقول د. أحمد مستجير: «في جوف كل عالم شاعر هو الذي يأخذه إلى طريق الأحلام والأوهام ليخلق منها علماً حقاً، لا علم بلا خيال، ولا شعر بلا خيال، وشطحات الشاعر هي نفسها شطحات العالم، ويقول: «العلم أصله خيال.. ويجب أن يكون لدى العالم ملكة التخيل».
كتب مستجير عدة كتب تعليمية منها، «مقدمة في علم تربية الحيوان»، و«النواحي التطبيقية في تحسين الحيوان والدواجن»، وغيرهما، وقدم ترجمة رصينة لما يزيد على ثلاثين كتابا منها،«قصة الكم المثيرة» و«المشاكل الفلسفية للعلوم النووية» و«اللولب المزدوج».
كما قدم ديوانين من الشعر هما: «عزف ناي قديم»، و«هل ترجع أسراب البط»، فضلا عن عدة كتب علمية مميزة، منها: «في بحور العلم»، «دفاع عن العلم»، «البيو تكنولوجيا في الطب والزراعة»، «قراءة في كتابنا الوراثي»، «القرصنة الوراثية»، «علم اسمه السعادة»، «علم اسمه الضحك»، وكان آخر كتبه في سلسلة اقرأ بعنوان «الثورة البيولوجية» في مارس/آذار 2004.
ما يجمع كتاباته جميعاً في كل مجالاتها أنه يكتب أولا فيما يفهمه جيدا، حيث يشعر قارئ كتابه في العروض «موسيقى الشعر» بمدى سيطرته على الفكرة، مقدما دليلاً على إمكانية «رقمنة» علم العروض، وشرح الفكرة في كتابين كاملين بشكل مقنع، ورد بحكمة وخلق على معارضيه، إنه عالم في رداء أديب، وأديب سرقه العلم.
د. محمد كامل حسين، اسم يحمله أستاذان جليلان، أولهما أستاذ تاريخ إسلامي، والآخر هو الدكتور محمد كامل حسين (1901 - 1977)، أستاذ جراحة عظام مصري وأديب، وأول رئيس لجمعية جراحة العظام المصرية عند إنشائها سنة 1948. ورغم ذلك فقد أولع بالأدب، ووصل تخصصه وغرامه باللغة إلى كرسي مجمع الخالدين، وفي ذات الوقت تولى رئاسة المجمع العلمي المصري، وقد حصل على جائزة الدولة مرة في العلوم وأخرى في الآداب بسبب روايته الفاتنة«قرية ظالمة»، رغم وجود كتب أخرى له، منها «الوادي المقدس»، «قوم لا يتطهرون»، و«التحليل البيولوجي للتاريخ»، وكتابه «وحدة المعرفة»، والذي يذكر فيه أن الإنسانيات تقوم على مذاهب متعددة كلها معقولة قابلة للتصديق، ويحدد الحقيقة في هذه المذاهب ما يكون منها مطابقا للعلوم الطبيعية الأخرى.
أما روايته «قرية ظالمة»، فيقول عنها الناقد صلاح فضل: «هذه رواية متفردة في نوعها وأسلوبها وطريقة كتابتها، صدرت أول مرة عام 1954، وأودعها مؤلفها خلاصة رسالته الفكرية وذوب ثقافته الإنسانية، اختار لها يوما واحدا من التاريخ القديم، ليصب فيه عصارة وعيه ونضارة فكره وصواب رؤيته، عندما اقترف بنو «إسرائيل» جرمهم الأكبر بإدانة السيد المسيح، فأحالوا قريتهم إلى قرية ظالمة».