علي بن حسن بن سعيد بالشيخ الرميثي من الشخصيات الفريدة في عصرنا الحاضر، وموسوعة متنقلة في تاريخ وتراث الدولة، أكسبته الحياة خبرة كبيرة وطويلة في ميادين كثيرة وجعلت منه مستشاراً تراثياً في نادي تراث الإمارات، وقد عمل الرميثي في العديد من المهن مثل الجلافة والنجارة والحدادة وبناء البيوت التقليدية، وعمل ربانا نوخدة لسفن السفر وجاب موانئ الخليج والهند وإفريقيا والجزيرة العربية، وله خبرة وباع طويل في مجال المباني التقليدية، حيث أشرف على بناء العديد من المباني التقليدية المقامة في جزيرة السمالية، ونظير جهوده الكبيرة في هذا المجال وغيره، كرمه سمو الشيخ سلطان بن زايد آل نهيان ممثل صاحب السمو رئيس الدولة رئيس نادي تراث الإمارات بأن أطلق اسمه على أحد البيوت هناك وكتبت عليه لافتة بيت علي بن حسن بالشيخ .

يقول علي بن حسن بالشيخ في لقائي معه عبر هذه السطور:

ولدت في أبوظبي وأذكر أن عمري كان عند بدايات الحرب العالمية الثانية نحو عشر سنوات، وهذا يعني بالحساب أنني تجاوزت الثمانين عاماً، وقد توفي والدي وعمري سنتان، فرحلت بي أمي إلى دبي حيث يعيش أخوالي هناك، وأخوالي من آل بوفلاسة وهم عبدالله وسيف وسعيد وأحمد أبناء محمد الفلاسي ومحمد بن عبدالله المعروف بمحمد بن عبدالله القاز ابن خالي، وكذلك محمد وراشد ابنا خالي أحمد المعروف بالحجي وسكنا منطقة البطين بديرة في منزل زوج والدتي بيات بن سعيد الفلاسي الذي كان بالقرب من سوق التمر وهو ما يعرف حاليا بسوق مرشد بالقرب من مسجد بالهول، وبقربه كان بيت سالم بن مصبح بن حمودة السويدي وكان جارنا خليفة بن سعيد بن قصقوص السويدي، ويمر أمام دارنا الطريق المتجه إلى موضع سكة الخيل وهو موضع سوق الذهب الحالي، أما أعمامي وإخواني فكانوا ولا يزالون يسكنون أبوظبي وكنا نمر عليهم بين الحين والآخر للزيارة والمتاجرة، ومن ثم تحولنا إلى فريج الضغايا ومن ثم فريج عيال ناصر ومنها إلى الحمرية ثم المزهر حالياً .

درست في صغري في مدرسة الأحمدية بمنطقة الرأس بديرة، وكان مدير المدرسة المرحوم الشيخ محمد نور، وكان يدرس معي من الطلاب الشيخ أحمد بن ظبوي الذي يكبرنا بعض الشيء، وكذلك الشيخ محمد بن يوسف الشيباني والشيخ عمر بن ماجد والشيخ محمد بو ملحة وقد أصبح هؤلاء فيما بعد مدرسين في المدرسة، وكذلك الشيخ أحمد بن حمد الذي أصبح ناظراً للمدرسة بعد مغادرة الشيخ محمد نور إلى الديار المقدسة لإكمال تعليمه الديني وكانت مدة دراستي في هذه المدرسة سنتين حفظت فيها أجزاء من القرآن الكريم وتعلمت فيها القراءة والكتابة والحساب، وكانت الدراسة على فترتين، فترة صباحية تمتد إلى وقت أذان الظهر والفترة الثانية تبدأ من وقت صلاة العصر إلى وقت صلاة المغرب، وكنا نأخذ فسحة حيث كنا نتجه إلى البحر للسباحة وكنا نلعب الحويم والكرابي وعضيم والحبل وغيرها من ألعاب الصبيان الشعبية التي كانت تمارس بكثرة في ذلك الوقت، حيث كانت الوسيلة الوحيدة المتوافرة للترفيه عن النفس وقضاء وقت الفراغ واللهو، ثم نعود إلى البيت لتناول وجبة الغداء، ومن ثم نعود إلى المدرسة وقت صلاة العصر حيث تبدأ الفترة التعليمية الثانية .

عائلة جلاليف

عائلتنا في الأصل متخصصة بالجلافة وهي مهنة صناعة السفن، وقد ورثناها أباً عن جد، وكان والدي وكذلك أعمامي وإخواني من الجلاليف الذين يستخدمهم أهالي أبوظبي لصناعة السفن لهم، وأنا ورثت هذه المهنة منهم، وقد عملت في مهنة الجلافة وكذلك النجارة حيث صنعت الأبواب والشبابيك والطاولات والكراسي وبعض الأثاث المنزلي البسيط، وأستغرب كثيراً ممن يبني بيوتاً تقليدية تراثية كيف يفوته عند صناعة الشبابيك أمر مهم وهو عدد الأسياخ الحديدية التي تكون في الشباك، حيث يضعون ستة أو ثمانية منها، وهذا غير صحيح حيث كنا نضع أعداداً فردية مثل خمسة وسبعة وتسعة، لأن السيخ أو العمود الحديدي الأوسط يجب أن يتوسط القبا وهو الخط غير الواضح الذي يكون ملتقى قطعتين خشبيتين ملصقتين ببعضهما بعضاً بواسطة صمغ وغراء، وكان النجار الماهر يعرف من مدى دقة لحمة اللوحين الخشبيين بحيث تظهر وكأنها قطعة واحدة .

رحلات السفر

عملت في البحر نوخذة للسفن وقد سافرت في الأسفار القصيرة والأسفار الطويلة، والأسفار القصيرة هي الأسفار التي تكون بين موانئ الخليج فقط والممتدة من إيران إلى البصرة ومن الكويت إلى القطيف وقطر والبحرين وأبوظبي ودبي والشارقة ورأس الخيمة وعجمان وأم القيوين، وأكثر هذه الأسفار للتجارة في التمور وأدوات السفن وبعض المواد والمنتجات المحلية البسيطة والبضائع المستوردة والمعاد تصديرها إلى الموانئ الخليجية .

أما الأسفار الطويلة فهي التي تمتد إلى موانئ الهند وملبار وإفريقيا مثل زنجبار وممباسا وسقطرة، وكذلك موانئ عمان مثل ميناء مسقط ومطرح ورأس الحد ومصيرة ومرباض وسيحوت التي يجلب منها الصِل وموانئ اليمن مثل المكلا وغيل البقر والحرايج وشمسان وعدن .

يبدأ موسم السفر من ضم التمر في البصرة، حيث تقوم البصرة بضم أي تعبئة التمر في الخصافة، حيث تتجه السفن إلى البصرة لتحميل التمر للمتاجرة به في موانئ إفريقيا والهند وشرقي آسيا، وتعود من موانئ تلك الدول بالبضائع المختلفة، حيث يجلب من الهند الحبال المصنوعة من ليف شجرة الناريل (شجر جوز الهند) والبامبو الذي نسمي الصغير منه جنا وهو القنا وهو اسم للرمح، والكبير نسميه ورع، وكذلك شراخ الورع وهو عبارة عن تقطيع الروع إلى شرائح بمقاس سانتيمتر أو ثلاث سانتميترات ويستخدم لصناعة السجاد المستخدم في السقوف للزينة، حيث يتم صبغه وتلوينه، ويستخدم الورع في بناء الخيام المصنوعة من جريد النخل حيث يوضع الورع تحت زفاف الجريد .

ويستخدم الجنا ك صُوَارا للدوابي المستخدمة لصيد اليرايير (أسماك القرش) والأسماك الكبيرة، وتستخدم ك فريس حيث يمسك الرجل بطرفها الأول بينما الطرف الآخر يصل إلى عمق البحر فيدفع بها الرجل الذي على ظهر القارب قاربه، وكذلك يصنع من الجنا الكابر وهي الرماح التي يصاد بها بقر البحر واليرايير والسوس واللخم .

ونجلب من الهند وملبار خشب الساج الذي نصنع منه دقل السفينة وننشر الخشب لصنع الفرامل والدساتر، ونجلب من الهند وملبار أيضاً المنقور وهو نبات وأعواد المنقرور وهو يشبه القصب حيث يشرخ ويوضع تحت التمر في سفن التجارة الكبيرة .

محاربة التصحر

المغفور له بإذن الله الشيخ زايد بن سلطان آل نهيان رحمه الله عشق الطبيعة بكل أجزائها من بحر وبر وزراعة وجبال وبهائم وطيور، وكما ترى ويرى الجميع مساعيه ومشاريعه الزراعية التي حولت الصحارى إلى جنان خضراء وخاصة مدينة العين التي قضى فيها أكثر سنوات عمره، وترى كيف أنه أمر بجلب مختلف أنواع الأشجار المستخدمة في محاربة التصحر والتي استخدمت كسياج يحيط بالمدن والتي زرعت على أطراف الطرق الخارجية، ومنها الأشجار التي زرعت في الغابات، ومنها ما زرع في الجزر وعلى سواحل البحر التي تتحمل ملوحة المياه والتربة، كما أمر باحضار مختلف أنواع الأشجار المثمرة من فواكه ومحاصيل زراعية مختلفة وزرعها في مختلف المناطق حتى الجزر ولعل جزيرة صير بني ياس خير دليل وبرهان على مشاريعه العظيمة في الزراعة وتربية الحيوانات المختلفة التي تشاهدها في الجزيرة .

قصة مثل

بما أن الحشفة تكون ناشفة غير قابلة للالتصاق ببعضها بعضاً، قالوا في الأمثال حشفة مع حشفة ما يتلاصقن وهو مثل يضرب للشخصين اللذين لا يتفقان مع بعضهما بعضاً، ويقال كذلك في الأمثال إن صار صاحبك حشفة صير له تمره وهو مثل يضرب لمن يراد منه أن يلاين صاحبه ويلاطفه ويتقرب إليه وإن كان جافاً معه، حيث أن الحشفة من صفاته الجفاف والتمرة من صفاتها اللزوجة والالتصاق ببعضها بعضاً .

فمن بعد مرحلة البسرة تصبح جارينه حيث يصبح نصفها رطباً والنصف الآخر بسرا، ومن ثم تِصمل أي تصبح رطبة عندما يكتمل نضجها، وبعدها تخرف أي تقطف وتجفف على مسطاح لمدة ثلاث إلى أربعة أيام فتبح تمرة، ومن ثم تغسل وتجفف لمدة يومين ومن ثم تعبأ في الجراب وتربط ب الغمامة وهي غطاء الجراب بعد جنز التمر فيها وخياطته، وتصبح عندها تموراً صالحة للأكل والتجارة ومن تكديس بعضها على بعض يسيل منها الدبس، حيث توضع الجراب فوق بعضها بعضاً ويوضع تحتها قطع أخشاب ويعمل تحتها مجاري تصل إلى حفرة تسمى مدبسة، وللدبس قيمة غدائية كبيرة ومعروفة لدى العامة والخاصة .

وقد كانت نخيل أبوظبي عبارة عن أنواع محددة مثل عين بقر وصلاني وحمري، أما نخل العين والبريمي فهي مختلفة ومن النوعية الجيدة والممتازة، وكان التمر يأتينا أكثر شيء من البصرة وهي من أنوع البصري والهرفي وغيرها من أنواع التمور العراقية، وتوضع تمور الصرة في قلة بصري والقلة هي الجراب المصنوع من خوص النخيل والذي يوضع فيه التمر، ونسميها عندنا خصافة، والكبيرة تسمى قوصرة وهي ضعف حجم القلة، والخصافة تعني وضع شيء على شيء وهي لفظة فصيحة، وعند وضع أوراق وسعف النخيل بصورة هندسية وفنية تربطها ببعضها بعضاً لصنع الجراب أو حصير، فيقال لعملية الصنع هذه خصف.

حياة الغوص

كان السابقون يقولون في حكمهم الغوص قطعة من جهنم وكانوا يقولون الغوص غص بريجه لو فيه روبيات، أي أن الغوص غصة وهمّ على صدر الإنسان ولو كان مصدر للمال الروبيات .

كان موسم الغوص بالنسبة لمعظم الأهالي المصدر الأول للدخل، حيث يقوم الأهالي بترحيل نسائهم وأطفالهم وشيوخهم وعجائزهم إلى المقايض وهي المصايف التي في ليوا والعين والبريمي ومناطق داخلية أخرى، ويذهبون هم إلى الغوص على ظهر السفن العديدة التي في المدينة والتي يملكها تجار ونواخذة الغوص، وكان الإنسان يختار أفضل مالك ونوخذة سفينة، حيث يوجد بين الملاك والنواخذة الطيب الرحيم الذي يتمنى السفر معه الجميع، ويوجد منهم من هو من أصحاب القلوب القاسية الذي لا يحترم خيار الرجال حيث ينهرهم ويزجرهم ويضربهم أحياناً، فكما يقال: النوخذة شيخ البحر أي أن النوخذة وهو ربان السفينة يصبح حاكماً في البحر يأمر وينهى بما يحب ويشتهي ويراه صواباً، وأعتقد أن هذا يحدث في معظم سفن وبحار وبلدان العالم، والقليل منهم من يتعامل بإنسانية مع البحّارة والغواويص الذين يخرجون معه، كذلك كان طاقم السفينة يتكون من الغواويص وهم الغاصة الذين يغوصون في البحر لجلب المحار، وكان بعض النواخذة يتعامل مع الغاصة بحسب ما يخرج من لآلئ، وكان بعضهم يجبر الغواص على الغوص وإن كان يشتكي المرض، حيث إن بعض الغاصة يصابون بالزكام فتنغلق أنوفهم فلا يستطيعون الغوص وإن غاصوا تنطرّ أي تتمزق طبلة إذنهم فيتم معالجتهم بمادة الفشى وهي عبارة عن الهيكل الطباشيري لحيوان النغر حيث يطحن ويخلط بالزعتر ومن ثم تصف في الأذن التي تنزف دما دلالة على تمزق الطبلة من جراء الضغط الذي حصل للإنسان أثناء غوصه وهو مريض .

وكان قائد السفينة يسير في البحر حسب خط السير المرسوم له والتي تؤدي به إلى الجهة التي يريدونها، حيث كان يستخدم الدِيْرَة وتسمى أيضاً الكومباس وهي البوصلة، حيث تقسم الديرة إلى أقسام تحدد فيها مواطن السفر وأماكن النجوم ومنازل القمر مطالع ومغارب، وتبدأ من الياه وهي أسفل الديرة، صعوداً إلى القطب وهو أعلى الديرة، وتحدد فيها الأبراج المعروفة والمشهورة محلياً بأسمائها مثل الناقة والميزان والإكليل والثريا وهكذا، وتكون هذه الأبراج في النصف الخاص بالمطالع وهي مطالع القمر، وهكذا توجد هذه الأبراج نفسها في النصف المقابل والتي هي للمغايب وهي منازل غياب القمر، ويقال إكليل مغيب أو إكليل مطلع وهكذا بالنسبة لبقية الأبراج عند تحديد سير السفينة عبر الديرة، أما في الليل فيسير القائد بالاستدلال على الطريق بوساطة مواقع النجوم حيث كنا نقوم أحياناً بالاستدلال على مواقع النجوم ومطابقتها بالديرة بواسطة عود ثقاب نشعله لنرى الديرة ونوازيها بحبل الدقل أو قب الدقل أو راس الدستور أو راس الفرمن ونحدد الشمال والجنوب في سيرنا .