على مر تاريخ الأنبياء والرسل ما من نبي أو رسول يرسله الله إلى قومه إلا آذوه وآذوا من آمنوا معه وأعلنوا عليهم الحرب، فعذبوهم وقتلوهم وأحرقوهم، ومن هؤلاء الذين تعرضوا للتعذيب بسبب إيمانهم عمار بن ياسر بن عامر العنسي أبو اليقظان، قال عنه ابن الجوزي في كتابه صفة الصفوة: أسلم قديماً وكان من المستضعفين الذين يعذبون بمكة ليرجعوا عن دينهم، أحرقه المشركون بالنار وشهد بدراً ولم يشهدها ابن مؤمنين غيره، وشهد أحداً والمشاهد كلها مع رسول الله صلى الله عليه وسلم .
أسلم عمار وأمه وأبوه في مكة، فكانوا أول المجاهدين الذين حملوا على أكتافهم أعباء الدعوة إلى الله عز وجل وتعرضوا بذلك إلى غضب أهل مكة من المشركين الذين تفننوا في تعذيبهم ليردوهم عن دينهم إن استطاعوا، فما زادهم ذلك إلا إيماناً ويقيناً.
يقول عثمان بن عفان رضي الله عنه: أقبلت أنا ورسول الله صلى الله عليه وسلم آخذاً بيدي نتماشى في البطحاء حتى أتينا على أبي عمار وعمار وأمه وهم يعذبون، فقال ياسر: الدهر هكذا فقال له النبي صلى الله عليه وسلم اصبر.. اللهم اغفر لآل ياسر قال وقد فعلت.
ويقول عمرو بن ميمون: أحرق المشركون عمار بن ياسر بالنار وكان رسول الله صلى الله عليه وسلم يمر به ويمر بيده على رأسه ويقول: يا نار كوني برداً وسلاماً على عمار كما كنت على إبراهيم عليه السلام .
قلب مطمئن بالإيمان
كانت أمه سمية أول شهيدة في الإسلام، حيث طعنها أبو جهل بحربة فماتت، وأما أبوه فنال الشهادة تحت التعذيب ولم يكن على لسانه إلا كلمة واحدة أشهد أن لا إله إلا الله وأشهد أن محمداً رسول الله، وعن عمار يقول أبو عبيدة بن محمد بن عمار: أخذ المشركون عمار بن ياسر فلم يتركوه حتى سب رسول الله صلى الله عليه وسلم وذكر آلهتهم بخير فلما أتى النبي صلى الله عليه وسلم قال ما وراءك؟ قال شر يا رسول الله، فما تركت حتى نلت منك وذكرت آلهتهم بخير. فقال رسول الله صلى الله عليه وسلم فكيف تجد قلبك؟ قال أجد قلبي مطمئناً بالإيمان. قال: فإن عادوا فعد، وقال عنه النبي صلى الله عليه وسلم إن عماراً مليء إيماناً من قرنه إلى قدمه. (أي من رأسه حتى قدمه).
هاجر عمار مع رسول الله صلى الله عليه وسلم وآخى بينه وبين حذيفة بن اليمان وجاهد عمار مع رسول الله في غزواته كلها، واشترك عقب الهجرة في بناء مسجد الرسول في المدينة.
وكان الصحابة يحملون حجراً حجراً وأما عمار فكان يحمل حجرين حجرين ولما سألوه عن ذلك: قال أحمل واحداً عني وواحداً عن رسول الله.
يقول ابن سعد في طبقاته وابن حجر في كتابه الإصابة في تمييز الصحابة: فقال له رسول الله صلى الله عليه وسلم للناس أجر ولك أجران وآخر زادك شربة من لبن وتقتلك الفئة الباغية تدعوهم إلى الجنة ويدعونك إلى النار وأخذ رسول الله ينفض التراب من ثياب عمار.
يوم اليمامة
ويعيش عمار بن ياسر حياة المجاهدين لإعلاء كلمة الدين فيحضر جميع المشاهد مع رسول الله صلى الله عليه وسلم ويجاهد المرتدين ويسجل له التاريخ أعظم المواقف في حربهم يوم اليمامة، ففي ذلك اليوم اجتمع المرتدون حول إمام ضلالتهم وخرج المسلمون لقتالهم، وكانوا قلة وحزب الضلالة هم الكثرة.. وكان المسلمون متعبين من الطريق والسفر من بلد إلى بلد، والمرتدون في حصونهم ينتظرونهم وأبدانهم مستريحة غير متعبة، ورأى عمار المسلمين وقد أصابهم الوهن والضعف، فوقف كالجبل الثابت في وجه جيش الضلال والردة ممسكاً بالراية ونادى على المسلمين بأعلى صوته: هلموا تحت راية الجهاد هلموا إلى الجنة هلموا إلى الجنة فعاد المسلمون والتفوا حوله وقد قطعت أذنه وهجموا على المرتدين فكتب الله للمسلمين النصر.
يقول ابن عمر رضي الله عنهما رأيت عمار بن ياسر يوم اليمامة على صخرة وقد أشرف يصيح يا معشر المسلمين أمن الجنة تفرون؟ أنا عمار بن ياسر أمن الجنة تفرون؟ أنا عمار بن ياسر هلم إلي، يقول ابن عمر وأنا أنظر إلى أذنه قد قطعت فهي تذبذب (أي تتحرك) وهو يقاتل أشد القتال.
يا أجدع الأذن
لقد انتصر المسلمون بفضل الله، انتصر الحق على الباطل بعد أن هيأ عمار القلوب لاستقبال الجنة، ثم تولى عمار بن ياسر في زمن عمر بن الخطاب ولاية الكوفة، فكان يذهب إلى السوق ويحمل متاعه ولا يصاحبه حرس، وكل ذلك من تواضعه وتقواه وورعه، يراه أحد الناس وهو والٍ على الكوفة فيقول له دون أن يعرفه: يا أجدع الأذن، يعيره بأذنه التي قطعت بسيوف المرتدين في حرب اليمامة، فلا يزيد الأمير الذي بيده السلطة على أن يقول لشاتمه: خير أذن سببت، لقد أصيبت في سبيل الله.
وما زلنا نتذكر قول رسول الله له للناس أجر ولك أجران وآخر زادك شربة لبن وتقتلك الفئة الباغية تدعوهم إلى الجنة ويدعونك إلى النار. فقتل يوم صفين بعد أن شرب شربة من لبن وعمره أربعة وتسعون عاماً.
لقد كان أنموذجاً من الإيمان يتحرك على الأرض ويسعى بين الناس وحق له أن تشتاق إليه الجنة، فرضي الله عنه وأرضاه.