من فضلاء الصحابة وفقهائهم، وكان صادقاً مع الله، ورعاً زاهداً مجاب الدعوة، يتفانى في حب الله ورسوله، كثير البكاء والخوف من الله، وكان يردد: يا ليتني كنت رماداً تذروه الرياح، ويروي أهل البصرة أنه كان يرى الحفظة، وأن الملائكة تسلم عليه، وهي درجة عالية من العبودية والقبول، لا تتأتى إلا للربانيين من عباد الرحمن. أسلم قديماً هو وأبوه وأخته، وبايع النبي صلى الله عليه وسلم على الإسلام والجهاد، وغزا عدة غزوات، وكان صاحب راية خزاعة في فتح مكة، وكان ينزل ببلاد قومه ثم تحول إلى البصرة إلى أن مات بها.
هو عمران بن الحصين بن عبيد بن خلف بن عبدنهم بن حذيفة بن جهمة بن غاضرة بن حبشية بن كعب بن كعب بن عمرو بن ربيعة وهو لحي بن حارثة بن عمرو بن عامر الخزاعي الكعبي، وكنيته أبو نُجَيْد بابنه نجيد بن عمران.
تلميذ مدرسة الرسول
كان عمران فقيهاً، تعلم العلم في مدرسة النبوة، ما جعل الخليفة عمر بن الخطاب رضي الله عنه يرسله إلى البصرة ليُفَقّه أهلها ويعلمهم، وقد أقبلوا عليه يتعلمون من علمه، ويستضيئون بتقواه، فبذل العلم للناس، وأخذ عنه العلم كثيرون، وكان الحسن البصري ومحمد بن سيرين (وهما من فقهاء البصرة) يقولان: ما قدم البصرة من أصحاب رسول الله صلى الله عليه وسلم أحد يَفضل عمران بن حصين، وقد كان فطناً سريع البديهة، دامغ الحجة، ويروي حبيب بن أبي فضالة المالكي فيقول: لما بني المسجد الجامع، قال: وعمران بن حصين جالس فذكروا عنده الشفاعة، فقال رجل من القوم يا أبا نجيد إنكم لتحدثوننا بأحاديث، ما نجد لها أصلاً في القرآن، فغضب عمران وسأل الرجل: قرأت القرآن؟، قال: نعم، قال: وجدت فيه صلاة المغرب ثلاثاً، وصلاة العشاء أربعاً، وصلاة الغداة ركعتين، والأولى أربعاً، والعصر أربعاً؟، قال: لا، قال: فعمن أخذتم هذا الشأن؟، ألستم أخذتموه عنا، وأخذناه عن نبي الله صلى الله عليه وسلم؟ أوجدتم في كل أربعين درهماً درهمٌ؟ وفي كل كذا وكذا شاة كذا؟ وفي كل كذا وكذا بعير كذا؟، أوجدتم هذا في القرآن؟ قال: لا، قال: فعمن أخذتم هذا؟ أخذناه عن نبي الله صلى الله عليه وسلم وأخذتموه عنا، قال: فهل وجدتم في القرآن وليطوفوا بالبيت العتيق، وجدتم هذا طوفوا سبعاً، واركعوا ركعتين خلف المقام؟ أوجدتم هذا في القرآن؟ عمن أخذتموه؟ ألستم أخذتموه عنا وأخذناه عن نبي الله صلى الله عليه وسلم؟ ووجدتم في القرآن لا جلب ولا جنب ولا شغار في الإسلام؟ قال: لا، قال: إني سمعت رسول الله صلى الله عليه وسلم يقول: لا جلب ولا جنب ولا شغار في الإسلام، أسمعتم الله يقول لأقوام في كتابه: (ما سلككم في سقر، قالوا لم نك من المصلين، ولم نك نطعم المسكين، وكنا نخوض مع الخائضين، وكنا نكذب بيوم الدين، حتى أتانا اليقين، فما تنفعهم شفاعة الشافعين)، قال حبيب: أنا سمعت عمران يقول: الشفاعة.
وكان يغضب من المتفيهقين، ويعطيهم دروسا في أدب العلم، والأخذ عن النبي صلى الله عليه وسلم، في مسلم في باب شعب الإيمان أن أبا قتادة حدث فقال: كنا عند عمران بن حصين في رهط منا، وفينا بشير بن كعب فحدثنا عمران، يومئذ أن رسول الله صلى الله عليه وسلم قال: (الحياء خير كله)، أو قال: (الحياء كله خير)، فقال بشير بن كعب: إنا لنجد في بعض الكتب أو الحكمة، أن منه سكينة ووقارا لله، ومنه ضعف، فغضب عمران حتى احمرت عيناه، وقال: ألا أراني أحدثك عن رسول الله صلى الله عليه وسلم وتعارض فيه؟ وفي رواية أخرى قال عمران: أحدثك عن رسول الله صلى الله عليه وسلم وتحدثني عن صحفك؟ قال: غضب عمران غضبا شديدا، فما زلنا نقول فيه إنه منا، يا أبا نجيد، إنه لا بأس به.
حرمة دماء المسلمين
وكان لعمران رضي الله عنه موقف واضح وحازم من الفتنة، فلما وقعت بين المسلمين وانقسم الناس إلى فريقين: فريق مع علي بن أبي طالب وفريق مع معاوية بن أبي سفيان، تجنب عمران بن حصين الخوض في الفتنة، وقد رأى أن دماء المسلمين حرام عليهم، ورفع صوته بين الناس داعيا إياهم أن يكفوا عن الاشتراك في حروب الفتنة، وظل يوصي من يلقاه من المسلمين بتجنب الوقوع فيها، ويلحف عليهم بالبعد عنها ما أمكنهم إلى ذلك سبيل.
وقد أخرج ابن سعد في الطبقات الكبرى عن حجير بن الربيع أن عمران بن حصين أرسله إلى بني عدي أن ائتهم أجمع ما يكونون في مسجدهم، وذلك عند العصر، قال: فقام قائما فقال: أرسلني إليكم عمران بن حصين صاحب رسول الله صلى الله عليه وسلم، يقرأ عليكم السلام ورحمة الله، ويخبركم أني لكم ناصح، ويحلف بالله الذي لا إله إلا هو لأن يكون عبدا حبشيا مجدعا يرعى أعنزا حصبات في رأس جبل، حتى يدركه الموت، أحب إليه من أن يرمي في أحد من الفريقين بسهم، أخطأ أو أصاب، فأمسكوا فدى لكم أبي وأمي، فرفع القوم رؤوسهم وقالوا: دعنا منك أيها الغلام، فإنا والله لا ندع ثفل رسول الله لشيء أبدا، فغدوا يوم الجمل فقتل بشر والله كثير حول عائشة يومئذ سبعون، كلهم قد جمع القرآن، قال: ومن لم يجمع القرآن أكثر.
وكما نصح للناس في جماعاتهم فقد نصحهم فرادى، ويروي أبو قتادة: قال لي عمران بن حصين: الزم مسجدك، قلت: فإن دخل علي، قال: الزم بيتك، قلت: فإن دخل علي، قال: لو دخل علي رجل يريد نفسي ومالي لرأيت أن قد حل لي أن أقتله.
الخوف من الله
وعندما أوكل القضاء إلى عمران بن حصين، اختصم إليه رجلان، قامت على أحدهما البينة فقضى عليه، فقال الرجل: والله، قضيت عليّ بجور، ولم تأل، فوالله إنها لباطل، قال: وكيف؟ قال: شهد عليّ بزور، قال: فهو في مالي، ووالله لا أجلس مجلسي هذا أبدا، ووثب فدخل على والي البصرة وقال: اعزلني من القضاء، قال: مهلا يا أبا النجيد، قال: لا والله الذي لا إله إلا هو، لا أقضي بين رجلين ما عبدت الله.
وكان لا يمل من دعوة المسلمين إلى الحق، وتذكيرهم به، ويروي عبدالله بن الصامت، فيقول: أراد زياد أن يبعث عمران بن حصين على خراسان، فأبى عليه، فبعث الحكم بن عمرو الغفاري عليها، فانقاد لأمره، فقال عمران: ألا أحد يدعو إلى الحكم، فانطلق الرسول، فاستقبله الحكم إلى عمران، فقال عمران: أما تذكر أن رسول الله صلى الله عليه وسلم لما بلغه الذي قال له أميره: قم فقع في النار، فقام الرجل ليقع فيها، فأدرك فأمسك، فقال النبي صلى الله عليه وسلم: لو وقع فيها لدخلا النار، لا طاعة لأحد في معصية الله؟ قال: بلى، قال: فإنما أردت أن أذكرك هذا الحديث.
مرضه ووفاته
ويضرب عمران بن حصين أروع مثل في الصبر وقوة الإيمان، وذلك حين أصابه مرض شديد ظل يعاني منه ثلاثين عاما، فقد أصاب بطنه داء الاستسقاء، وشق بطنه، وأخذ منه شحم، وثقب له سرير فبقي عليه ثلاثين سنة، فلم يقنط ولم ييأس من رحمة الله، وما ضجر من مرضه ساعة، ولا قال: أف قط، بل ظل صابرا مثابرا على عبادة الله، قائما وقاعدا وراقدا، وإذا هون عليه عواده أمر علته بكلمات مشجعة ابتسم لهم، وكان هو يهون عليهم، فقد دخل عليه رجل فقال: يا أبا نجيد، والله إنه ليمنعني من عيادتك ما أرى بك، فقال: يا ابن أخي، فلا تجلس، فوالله إن أحب ذلك إلي أحبه إلى الله عز وجل، وكان يعرض عليه الكي فيأبى أن يكتوي، حتى كان قبل وفاته بسنتين فاكتوى، فكان يعج ويقول: (لقد اكتويت كية بنار ما أبرأت من ألم، ولا شفت من سقم).
وفي صحيح مسلم حديث يرويه مطرف بن عبدالله بن الشخير، وفيه أن (عمران بن حصين قال: إنه كان يسلم علي حتى اكتويت، فتركت، ثم تركت الكي فعاد)، وفي الطبقات أخرج ابن سعد عن مطرف أن عمران بن حصين كان يسلم عليه فقال: إني فقدت السلام حتى ذهب عني أثر النار، قال: فقلت له من أين تسمع السلام؟ قال: من نواحي البيت، قال: فقلت أما إنه لو قد سلم عليك من عند رأسك كان عند حضور أجلك، فسمع تسليما عند رأسه، قال: فوافق ذلك حضور أجله.
وكان قد أوصى أهله وإخوانه حين أدركه الموت: (إذا رجعتم من دفني، فانحروا وأطعموا)، وأوصى لأمهات أولاده بوصايا، وقال: من صرخت علي، فلا وصية لها، وتوفي بالبصرة عام (52ه) وقيل: (53ه).
مروياته
في كتابه: (أسماء الصحابة وما لكل واحد منهم من العدد) وضعه ابن حزم الأندلسي في الرقم واحد وعشرين في المكثرين من أصحاب المائة، وذكر أن له مائة وثمانين حديثا، وقال صاحب كتاب (سير أعلام النبلاء): مسنده مائة وثمانون حديثا، اتفق الشيخان له على تسعة أحاديث، وانفرد البخاري بأربعة أحاديث، ومسلم بتسعة، وكان محمد بن سيرين يقول: كان عمران بن الحصين يعد من ثقات أصحاب رسول الله صلى الله عليه وسلم في الحديث، روى له البخاري ومسلم وأبو داود والترمذي والنسائي وابن ماجه عن النبي صلى الله عليه وسلم، وروى له النسائي عن الصحابي معقل بن يسار.
وحدث عن عمران بن حصين كل من بشير بن كعب العدوي، وحبيب بن أبي فضالة المالكي (أبو داود)، وحجير بن الربيع العدوي (مسلم)، والحسن البصري (أبو داود والترمذي والنسائي وابن ماجه)، وحفص الليثي (الترمذي والنسائي)، والحكم بن الأعرج (مسلم)، وربعي بن حراش (النسائي)، والزبير الحنظلي (النسائي)، وزرارة بن أوفى (البخاري ومسلم وأبو داود والترمذي والنسائي وابن ماجه)، وزهدم الجرمي (البخاري ومسلم والنسائي)، والسميط السدوسي (ابن ماجه)، وصفوان بن محرز (البخاري والترمذي والنسائي)، وعامر الشعبي (أبو داود والترمذي)، والعباس بن عبدالرحمن مولى بني هاشم (أبو داود في القدر)، وعبدالله بن بريدة (البخاري وأبو داود والترمذي والنسائي وابن ماجه)، وعبدالله بن رباح الأنصاري (مسلم)، ومولاه عطاء بن أبي ميمونة (أبو داود وابن ماجه)، والقاسم بن مهران (ابن ماجه)، وقتادة (أبو داود والترمذي)، وأبو الدهماء قرفة بن بهيس العدوي (أبو داود)، ومحمد بن سيرين (مسلم وأبو داود والنسائي)، ومطرف بن عبدالله بن الشخير (البخاري ومسلم وأبو داود والترمذي والنسائي وابن ماجه)، وابنه نجيد بن عمران بن حصين (البخاري في الأدب المفرد)، ونفيع أبو داود الأعمى (ابن ماجه)، وهلال بن يساف (الترمذي)، وهياج بن عمران البرجمي (أبو داود)، ويزيد بن عبدالله بن الشخير (النسائي)، وأبو الأسود الديلي (مسلم ولأبي داود في القدر)، أبو حسان الأعرج، وأبو رجاء العطاردي (البخاري ومسلم وأبو داود والترمذي والنسائي وابن ماجه)، وأبو السوار العدوي (البخاري ومسلم)، وأبو قتادة العدوي (مسلم وأبو داود)، وأبو المهاجر (النسائي وابن ماجه)، وأبو المهلب الجرمي (مسلم وأبو داود والترمذي والنسائي وابن ماجه)، وأبو نضرة العبدي (أبو داود والترمذي والنسائي).