حقق للمسلمين حلم "الرفاه الاقتصادي" من دون أن يستعين بتجارب الآخرين، ومن دون أن يستدعي خبراء من هنا وهناك لنقل تجاربهم، والاستفادة من خبراتهم، حيث التمس أسباب النهضة والتقدم الاقتصادي من تعاليم ومبادئ دينه وفيها الملاذ لكل حائر والزاد الحقيقي لكل من يريد خيراً لهذه الأمة . كما استعان بالمخلصين من أهل الرأي واحترم مشورتهم ولم يتعال على نصيحة صادقة سمعها من أحد بسطاء الرعية، وبذلك كان نموذجاً فريداً من الحكام عبر التاريخ .
إنه الخليفة الراشد الخامس والحاكم الإسلامي الواعي بهموم ومشكلات أمته عمر بن عبدالعزيز الإصلاحي المجدد بالغ التميز الذي نجح في إحداث طفرة تنموية وإعمارية فريدة عبر فترة حرجة من تاريخ الأمة الإسلامية . وقدم ذلك الخليفة نموذجاً إسلامياً متكاملاً لنظام شامل لجميع الأركان الاقتصادية والسياسية والاجتماعية وغيرها يؤكد للجميع الفعاليات الحقيقية التطبيقية للاقتصاد الإسلامي، الذي يشهد حرباً شعواء ومقاومة شرسة من علماء العصر حتى المسلمين أنفسهم .
وعمر بن عبدالعزيز هو حفيد عمر بن الخطاب من جهة الأم، وقد تولى إمارة المدينة في العام 87ه،وتولى الخلافة بعد سليمان بن عبدالملك، وذلك في العام 99ه، عن عمر يناهز ثمانية وثلاثين عاماً، ولم تستمر فترة خلافته الرشيدة سوى عامين ونصف العام فقط، حيث مات مقتولاً بالسم . لينضم إلى قافلة المصلحين، الذين نشروا العدل والحق بين الناس وكانت نهايتهم على يد الأشرار .
وملامح النظام الاقتصادي الإسلامي الإصلاحي في فترة خلافة عمر بن عبدالعزيز واضحة كما تقول د .زينب الأشوح أستاذة الاقتصاد في جامعة الأزهر، لكل من يريد الاستفادة من تجارب وخبرات حكام الأمة الإسلامية المخلصين .
وأول ملامح هذا النظام احترامه لإرادة الشعب، حيث كان عمر يهتم باستطلاع آراء الرعية في الخطوات الاقتصادية الإصلاحية التي كان يقوم بها، ولذلك لم يعترض عليها المسلمون ولم يثوروا عليه، بل كانوا يؤيدونه ويدعمونه دائماً . وكانت خططه وأفكاره الاقتصادية تجد طريقها للتنفيذ بسهولة ويسر .
كان عمر بن عبدالعزيز ينظر دائماً إلى المال على أنه وسيلة لتحسين أحوال الرعية وليس وسيلة للمنافع الشخصية، وفي ذلك بدأ عمر بن عبدالعزيز بنفسه باعتباره المثل والقدوة، حيث وهب كل ما يملك من أموال وأراضٍ هو زوجته إلى بيت المال لكي تنفق على شؤون المسلمين . وكان يرفض أن يولى طالب مال ومبتغيه .
محاربة البذخ
ويستحق عمر بن عبدالعزيز لقب "رائد فن ترشيد الإنفاق الحكومي"، فقد لاحظ مع أول ولايته وجود إسراف مبالغ فيه على شؤون الخلافة متعلق بالمظاهر والمجاملات، وكان من مظاهر الإنفاق البذخي كثرة الخيول والبغال المعينة لخدمات انتقال الخليفة وحاشيته، وتعدد العاملين على إدارة تلك الخدمات من سائسين وغيرهم، والإسراف في الثياب الجديدة الفاخرة للخليفة وحاشيته، والإسراف في الأثاث والمفروشات والعطور والأطعمة، فأعلن عمر بن عبدالعزيز أن ذلك يخالف ما كان موجوداً في عهد النبوة وعهد الخلفاء الراشدين من قبله، وبالتالي أمر ببيع كل تلك المقتنيات ورد ثمنها إلى بيت مال المسلمين .
كما حرص عمر على تحقيق العدل والبدء برد المظالم إلى أهلها، حيث رأى أن إسراف من قبله كان على حساب ممتلكات وأقوات العامة من الشعب، ولم يكتف ببيع كل ما له صلة بالبذخ مما تركه السابقون من الخلفاء ورد ثمن كل ذلك إلى بيت المال، لكنه حرص على رد المظالم إلى أهلها، فأمر مناديه بأن ينادي في الناس: "ألا من كانت له مظلمة فليرفعها" . فجعل لا يدع شيئاً مما كان في يد سليمان الخليفة السابق وفي يد أهل المظالم من المنتمين إلى النظم السابقة إلا ردها مظلمة مظلمة .
تقويم الأفكار المعوجة
ومن ضمن ما كتب النجاح لخطط وبرامج عمر بن عبدالعزيز الإصلاحية تعامله الموضوعي مع المعارضة، فحين علم الخوارج بأفعاله العادلة وما رده من مظالم لأهلها وإسقاط الجزية عمن أسلم من أهالي البلدان المفتوحة، اجتمعوا وقالوا: ما ينبغي لنا أن نقاتل هذا الرجل . وأبدى عمر بن عبدالعزيز تسامحه معهم وقام بإجراء المحاورات والمناظرات معهم، وأرسل إلى البعيد منهم مكاتبات يهدف بها جميعها إلى تقويم تياراتهم الفكرية المعوجة، وجسد عمر بذلك حقيقة أن الاستقرار السياسي مقدمة للاستقرار الاقتصادي .
ومن حكمة عمر التأجيل الموضوعي لبعض الأمور ولبعض الأحكام من أجل تحقيق العدالة في تقييم الأمور، وتوقيع العقوبات العادلة، وكان يتحاشى إصدار أي عقوبة وهو في حالة غضب وكان التخفيف من الأعباء الاقتصادية على الناس هم عمر بن عبدالعزيز الأول حيث رفض مبدأ تعدد فرض الالتزامات المالية على الناس بفرض ضرائب أخرى عليهم من نوعية ضريبة "المكس" وهي ضريبة أو دراهم كانت تؤخذ من بائعي السلع في الأسواق في الجاهلية . أو تؤخذ ممن يدخل البلد من التجار، وبالتالي كانت إجراءً ظالماً ينطوي على تحصيل جبايات أو ضرائب تؤخذ من الناس من دون علة شرعية محددة ومقبولة . ويرى البعض أن فرض الزكاة على المسلم، والجزية والعشور والخراج على الذمي تكفي لتوفير مصادر التمويل العام وبالتالي لا يجب فرض المزيد من الضرائب والجبايات على الناس . . وكان عمر بن عبدالعزيز ممن يتبعون ذلك الاتجاه، ومن ثم فعندما تولى الخلافة ألغى المكس عن كل أرض وألغى فرض الجزية عن كل من أسلم .
حرية التجارة
وأقر عمر بن عبدالعزيز حرية التجارة والكسب والاستثمار الحرية الاقتصادية طالما تمت في إطار طاعة الله وتنفيذ أوامره وتجنب نواهيه، حيث رأى عمر أن الحرية في ممارسة الأنشطة المشروعة تعتبر عاملا مساعدا على التعريف بالإسلام ونشر تعاليمه عبر البر والبحر . وفي ذلك يقول عمر بن عبدالعزيز: "وإن طاعة الله التي أنزل في كتابه أن يدعى الناس إلى الإسلام كافة . . وأن يبتغي الناس بأموالهم في البر والبحر، ولا يمنعون ولا يحبسون" . ويؤكد عمر أهمية البحر كالبر في ابتغاء الأرزاق وممارسة الأنشطة التكسبية حيث كان مما كتب: " . .وأما البحر، فإنا نرى سبيله سبيل البر،" قال الله تعالى: "الله الذي سخر لكم البحر لتجري الفلك فيه بأمره ولتبتغوا من فضله ولعلكم تشكرون"، فأذن أن يتجر فيه من شاء، ورأى ألا يحول بين أحد من الناس وبينه، فإن البر والبحر لله جميعاً، سخرهما لعباده يبتغون فيهما من فضله، فكيف نحول بين عباد الله وبين معايشهم؟!
ومن مقولته الأخيرة يمكن استنباط إفادة اقتصادية أخرى وهي اعتبار التنقل عبر البر وعبر البحر من الخدمات الواجب أن تكون مجانية بلا رسوم تدفع لاعتبار البر والبحر ذاتهما من الممتلكات العامة المرفوض تخصيصها لأحد، حيث إن البر والبحر هما لله جميعاً . وتتأكد تلك الحقيقة بدورها من قول عمر في موضع آخر: "أطلق الجسور والمعابر للسابلة يسيرون عليها من دون جَعْل، لأن عمال السوء تعدوا غير ما أمروا به" .
ومن مظاهر حرية التجارة في نظام عمر بن عبدالعزيز الاقتصادي كما تقول د .زينب الأشوح رفضه فرض سياسة التسعير الجبرية وتطبيق مبدأ الحرية، حيث يروى أن أبا عبدالرحمن بن شوبان ناقشه ذات مرة عن ظاهرة ارتفاع الأسعار مقارنة بها في العهود السابقة له، واقترح عليه فرض نظام للتسعير الجبري من أجل إيقاف ذلك الغلو السعري، فرفض عمر، وبرر ارتفاع الأسعار في عهده بأنه نتيجة لتخفيف عبء الالتزامات على أهل الذمة، حيث إن من قبله كانوا يكلفونهم ما يفوق طاقاتهم الفعلية، ثم رفض الاقتراح بفرض التسعير الجبري باعتباره أمراً قدرياً يتحكم الله وحده فيه .
تحديد الأجور
ومن مظاهر العدالة الاجتماعية في النظام الاقتصادي لعمر بن عبدالعزيز (تحديد الحد الأدنى والحد الأعلى للأجور والدخول المعيشية وتحديد معيار التصنيف)، حيث لم ينتظر الخليفة أن تقوم ثورة من أجل التفكير الرشيد الموضوعي في ذلك الأمر . فقرر أن يكون الحد الأعلى لأجر العامل ثلاثمئة دينار . ولم يكتف بمعيار تغطية الحاجات الأساسية المعيشية كسبب لتحديد ذلك الحد، لكنه أخذ في اعتباره ما لا يفطن إليه كثيرون غيره، وهو ضمان ولاء العامل له وللنظام وعدم الانقلاب عليهما . ويتجلى ذلك في رواية عن أبن أبي زكريا أنه قال للخليفة: "قد بلغني أنك ترزق العامل من عمالك ثلاثمئة دينار . قال: نعم، قال: ولِم ذلك؟ قال: أردت أن أغنيهم عن الخيانة" .
أما المدهش العجيب فكان في تقتير عمر على نفسه رغم توسيعه على عماله، حيث لم يضمن لنفسه ذلك القدر من الأجر، وحرم نفسه من أن يأخذ أي نصيب من الفيء .
أما الحد الأدنى فاستنباطه من خلال قصته مع الشيخ الجزري الضرير الذي لا يجد من ينفق عليه، فقرر له الخليفة خمسة وثلاثين ديناراً كنفقة معيشة، موضحا معياره في ذلك التقدير وهو أنه "ثمن قائد لا كبير يقهره، ولا صغير يضعف عنه" . وهو ما يمكن أن يطلق عليه حد "الكفاية والاستغناء عن الآخرين" .
وكان الخليفة يعتبر نفسه مسؤولا عن الإنفاق على من لا مال له، حتى إن تم ذلك من ماله الخاص، كما فعل مع شخص يحتاج إلى نفقة أهله فقال له الخليفة: "خذ هذا الذهب فأنفقه على عيالنا إلى أن يخرج لي عطائي مع المسلمين أو يقضي الله قبل ذلك" .
وضرب عمر بن عبدالعزيز المثل والقدوة في تحريم استخدام العامل أو السلطان للمال العام للمسلمين، وكيفية رد ما تم سلبه من دون وجه حق، حيث يروى أن غلاما كان يقوم على خدمته وكان يأتي له كل يوم بماء (ساخن) لكي يتوضأ به . وذات مرة انتبه الخليفة فسأله عن مصدر ذلك الماء المسخن وعرف أنه يتم تسخينه في (مطبخ العامة) . فتوقف الخليفة فوراً عن استخدامه واتبع منهجا موضوعيا فريدا من أجل رد ما يرى أنه حصل عليه من دون حق من المال العام للمسلمين .