نتوقف اليوم مع رجل تأججت أشواقه إلى لقاء الله، وتركزت في قرب هذا اللقاء كل أمنياته وصار دعاؤه المفضل اللهم اقبضني إليك غير مضيع ولا مفرط ومنذ استخلف صار يتلوى تحت وقع مسؤولياته، ويصرخ من أعماقه: من ينقذني يوم القيامة من حق الفقير الجائع.. والمريض الضائع والمظلوم المقهور. واليتيم.. والأرملة.. والأسير. فهو كما قال واصفوه يرتجف دوما ويبكي، وكأن النار لم تخلق إلا له.. إنه أمير المؤمنين عمر بن عبد العزيز.
وحين نستعرض الساعات الأخيرة التي سبقت وفاته، نجد أنه فقد أحب الناس إليه، وأحناهم عليه، وأوفاهم له، وأبرهم به، أخاه سهل وابنه عبد الملك ومولاه مزاحم الذين رحلوا عنه تباعا.. وراح يحس أن ذهابهم، إرهاص بقرب ذهابه، وأن رحيلهم، إيذان بقرب رحيله.
وجاء في كتاب ابن الجوزي مناقب عمر وفي كتاب الحلية لأبي نعيم الأصبهاني: لما قرب أجل عمر بن عبد العزيز رحمه الله قال: أجلسوني فأجلسوه، فقال: اللهم إنك الذي أمرتني فقصدت، ونهيتني فعصيت، قالها ثلاث مرات، فإن عفوت فقد مننت، وإن عاقبت فما ظلمت، ثم قال: لا إله إلا الله، ثم أحد النظر، فقيل له في ذلك فقال: أرى حضرة ما هم بإنس ولا جن ثم خرج من كان عنده، فلم يلبث إلا قليلا حتى مات.
تبرم بني أمية
وقد سجل بدقة خالد محمد خالد في كتابه معجزة الإسلام: عمر بن عبد العزيز تفاصيل اللحظات الأخيرة في حياة أمير المؤمنين فقال: لقد كانت بنو أمية قد تبرمت بعمر بن عبد العزيز لكونه شدد عليهم وانتزع كثيرا مما كان في أيديهم مما غصبوه من الناس وكان قد أهمل التحرز. فسقوه سما، قال الإمام مجاهد، رحمه الله، قال لي عمر، رحمه الله، ما يقول الناس في؟ قلت يقولون: مسحور، قال عمر ما أنا بمسحور. ثم دعا غلاما له فقال: ويحك ما حملك على أن تسقيني السم؟ قال: ألف دينار أعطيتها على أن أعتق، قال عمر هاتها: فجاء بها فألقاها في بيت المال: وقال له اذهب حيث لا يراك أحد.
وعن آخر ما تكلم به عمر يقول سفيان بن ربيعة، رحمه الله، قلت لعبد العزيز بن عمر: ما آخر ما تكلم به أبوك؟ فقال: كان له من الولد أنا وعبدالله وعاصم وإبراهيم وكنا اغيلمة. فجئنا كالمسلمين عليه والمودعين له. فقيل له: تركت ولدك وليس لهم مال، ولم تؤوهم إلى أحد؟
فقال: ما كنت لأعطيهم ما ليس لهم، وما كنت لآخذ منهم حقا هو لهم. وإن الله فيهم الذي يتولى الصالحين، إنما هو أحد الرجلين: إما صالح فالله يتولى الصالحين وإما غير صالح فما كنت لأعينه على فسقه، أفأدع له ما يستعين به على معصية الله فأكون شريكه فيما يعمل بعد الموت؟ ما كنت لأفعل، ثم استدعى أولاده فودعهم وعزاهم بهذا وأوصاهم ثم قال: انصرفوا عصمكم الله، وأحسن الخلافة إليكم.
ودخل عليه ابن عمه مسلمة بن عبد الملك وقال له يا أمير المؤمنين ألا توصي لأولادك فإنهم كثيرون وقد أفقرتهم ولم تترك لهم شيئا. فأجابه عمر: وهل أملك شيئا أوصي لهم به. أم تأمرني أن أعطيهم من حق مال المسلمين؟ والله لا أعطيهم حق أحد. وهم بين حالين إما أن يكونوا صالحين فالله يتولاهم وإما غير ذلك فلا أدع لهم ما يستعينون به على معصية الله. ثم أمره بأن يدعو أولاده، فجاؤوا مسرعين وكانوا اثني عشر ولداً وبنتا شعثا غبرا قد بليت جسومهم الشاحبة وجلسوا يحيطون به ويتحسس بيمينه ثيابهم البالية ويغالب دموعه وأخذ يقول لهم يا بني إن أباكم خير بين أمرين أن تستغنوا ويدخل النار أو تفتقروا ويدخل الجنة. فاختار الجنة، آثر أن يترككم لله الذي أنزل الكتاب. وهو يتولى الصالحين.
الملائكة المقربون
وتحدثنا فاطمة بنت عبد الملك زوجته أنها كانت تسمع عمر في مرضه الذي توفي فيه يقول: اللهم أخف عليهم أمري ولو ساعة من نهار. ثم برق بصره والتمع محياه وصوب حدقتيه تجاه الباب في اهتمام كأنما أبصر ضيوفاً أعزاء ثم ابتسم لأبنائه ولأمهم العظيمة وزوجته الوفية وأذن لهم بالانصراف وبينما هم منصرفون عنه كان يحرك كفيه ويشير بهما إشارة ويحيي ضيوفا قادمين إنهم الملائكة المقربون جاءت تصحبه إلى جنات الخلد والفردوس الأعلى وسمعه الذين يقفون خارج الباب يقول آخر كلمات نطق بها: تلك الدار الآخرة نجعلها للذين لا يريدون علوا في الأرض ولا فسادا والعاقبة للمتقين (القصص آية 83) وجاء مستشاره العظيم وصديقه الحميم رجاء بن حيوة يسعى وألقى بنفسه إلى جواره وهمس في سمعه: كيف تجدك يا أمير المؤمنين؟ لكن أمير المؤمنين يسترسل في تلاوته الآية الجليلة، وفجأة مال رأسه الذي طالما أثقلته الهموم وأغمض عينيه، وعاد المسافر إلى وطنه وآب إلى داره مع النبيين والصديقين والشهداء والصالحين.. وحسن أولئك رفيقا.
وعن رجاء بن حيوة قال: قال لي عمر بن عبد العزيز: كن فيمن يغسلني، وتدخل قبري، فإذا وضعتموني في لحدي فحل العقد، ثم انظر إلى وجهي فإني قد دفنت ثلاثة من الخلفاء كلهم إذا أنا وضعته في لحده وحللت العقد، فإذا وجهه كالقراطيس في القبلة.