ثمة تغيير نوعي في منهجية مقاربة الظاهرة الفنية مع هيجل؛ فإذا كانت الفلسفة الألمانية، بفعل التأثير الكانطي، تنزع إلى تناول الفن بالتركيز على مفاهيمه وأسسه العقلية المتعالية، من دون الاعتناء بتناول الواقعة الفنية ذاتها، والنظر في تنوع نماذجها وتحولاتها، فإن هيجل سينجز تغييرا جذريا في النظر الفلسفي للفن بإرسائه رؤية فلسفية غير مسبوقة؛ حيث يعتمد التناول الهيجلي على المنظور المنهجي التاريخي، فيتقصد البحث في صيرورة أنماط الوعي والمنجز الفني خلال مراحل التاريخ. وكان هيجل بمنظوره هذا ملتزما بقراءة الواقعة الفنية كما هي مجسدة، مع عدم إغفال البحث في خلفيتها التصورية والمفاهيمية. وهنا تكمن جدة المنهج الهيجلي بالمقارنة مع المنهج الكانطي مثلا. حيث انشغل كانط في تحليله الاستطيقي بتحديد دلالة المفاهيم المؤسسة لحقل الفن، فحدد معنى الجمال بتمييزه عن الممتع والنافع، وبَرًّرَ كونية وذاتية الحكم الفني بمبدأ الحس الجمالي المشترك، بينما هيجل لم يقتصر على هذا المستوى التجريدي في التنظير لماهية الفن وأسس معاييره، بل حرص على تحليل صيرورة أنماط الإنتاج الفني. ولذا يصح القول مع هيجل ستظهر للمرة الأولى في تاريخ الفكر الفلسفي رؤية تاريخية للفن.
صحيح ثمة كتابات سابقة لمحاضرات هيجل اهتمت بتاريخ الفن، وأشهرها كتابات بلين وفاساري. لكن المقاربة التي انتهجها بلين خلصت إلى إنجاز عمل أشبه بموسوعة تتناول الشخصيات الفنية. وهي مقاربة توثيقية تاريخية وليست تحليلا فلسفيا. غير أننا إذا أردنا التدقيق أكثر في منهجية بلين لابد من أن نضيف هنا أن صيرورة الفن عنده محكومة برؤية تاريخية تقرأ مسار الزمن كتأسيس ونمو وانحدار. فالأنساق الثقافية، ومن ضمنها النسق الفني، تشبه الدول والكيانات السياسية، حيث هي في صيرورتها الزمنية محكومة حتميا بقانون الميلاد والأفول. أما فاساري الذي يعد مؤسس تاريخ الفن كحقل معرفي جديد، فقد قارب موضوعه وفق منظور يحضر فيه منهج البيوغرافيا أكثر من أي منظور منهجي آخر. وتأسيسا على ما سبق فإن كتابات بلين و فاساري وما يشبهها يجب تصنيفها في حقل الأدب لا الفلسفة. لذا يجوز عَدُّ القراءة الهيجلية أول قراءة تاريخية فلسفية لعلم الجمال ينظر إلى صيرورة أنماطه وأذواقه. إذ حتى التأملات التي أنتجها الوعي الفلسفي في القديم مثل نظرية المحاكاة الأفلاطونية/ الأرسطية... لم يكن يداخلها الحس التاريخي. فعادة اللوغوس الفلسفي في مقاربته للظاهرة الفنية هو أن يقرأها مفصولة عن أبعاد الزمان والمكان، وصيرورة أنماط الانجاز وتحولات الأذواق.
في خاتمة الفصل الأول من محاضراته عن الفن، ثمة فقرة من أكثر النصوص استشكالا داخل المتن الهيجلي، ولذا تجد بعض الكتّاب الذين تناولوا الاستطيقا الهيجلية يتحاشونها ولا يستحضرونها. إذ فيها يعلن هيجل عن موت الفن! حيث يقول: إن الفن، أو على الأقل، إن غايته المثلى هي بالنسبة لنا شيء من الماضي. ولذا فقد الفن حقيقته وحياته.
على ماذا يدل إعلان الوفاة هذا؟
إن الاستطيقا عند هيجل هي التاريخ الفلسفي للفن. وتاريخ الفن حسب منظوره هو التحقيق الذاتي لفكرة الجميل. لكن هذا التحقيق يتمظهر في شكل محسوس. والوظيفة الأساسية للفن ليست كما ظن أفلاطون ومنظرو الاستطيقا الكلاسيكية من بعده، أي محاكاة للطبيعة، بل وظيفته هي التعبير عن الحقيقة. والفن بذلك أحد ثلاثة أنماط أساسية تعبر عن حياة الوعي وصيرورة ظهوره. ويقصد هيجل بهذه الأنماط: الفن والدين والفلسفة. غير أن التعبير الفني عن الحقيقة والمطلق يتمظهر في تعبير حسي عن الفكرة. وبما أن حياة الوعي هي انتقال ارتقائي نحو المطلق المجرد، وبما أن اللحظة التاريخية السائدة وقت هيجل هي في نظره إيذان بهذا الانتقال، فإنه من الضروري إعلان وفاة الفن؛ لأنه نمط حسي في التعبير عن الفكرة.