عندما تغيب الأسرة عن دورها في تربية الأبناء، فإنها ترتكب جريمة كبيرة بحقهم، لأنها تدفعهم إلى التهور، وارتكاب الجرائم في المدرسة والشارع، وهو تهور بدأ فردياً وسرعان ما تحول إلى تنظيم داخل مجموعات ظهرت أثناء اندفاعها بالاعتداء على تلميذ كان يلعب أمام بيته فمات على الفور، وانتهى مؤخراً بقيام مراهق آخر بقيادة سيارة والده في الشوارع لمدة خمس دقائق، دفع الأب خلالها ما يصل إلى عشرة آلاف درهم ثمن كل دقيقة منها .
هؤلاء الشباب بعد القبض عليهم عبروا عن احتقارهم لأنفسهم ولأسرهم، مؤكدين أنهم كانوا يريدون من وراء تهورهم إظهار قوتهم، ولفت الأنظار إليهم، في حين قالت فئة منهم إنهم ارتكبوا جرائمهم لعشقهم للمغامرة، واعترف آباء بأن ثمن تخليهم عن دورهم كان غالياً .
يقول م .أ مراهق إنه عندما أراد أن يثبت رجولته، قام بمعاكسة طالبة، واستمر في مطاردتها بإرسال الرسائل النصية لها، وفي أحد الأيام تتبعها وراح يمطرها بالكلمات الرومانسية فشاهده شقيقها الذي اندفع في مطاردته حتى وصل إلى منزله وهو خائف يرتجف . وفجأة تجمع الناس، وبرزت الأسلحة البيضاء . ويؤكد أن ذلك أدى إلى قيام والد الفتاة بردة فعل عنيفة لعلمه بالأمر، وانبرى للدفاع عنها وعن سلوكها، وكان بصحبته أشقاؤها مما أدى إلى حدوث معركة كبيرة نتج عنها العديد من الاصابات .
ولفت إلى أن ما حدث كان بسبب تهوره الذي اعتقد بأنه مقبول من الناس ويجلعه ينسى ما كان يحدث له من إهانات في البيت، خاصة عندما بدأت علامات المراهقة تظهر عليه بإصرار الأسرة على أنه ما زال طفلاً، عليه أن ينفذ كل ما يطلب منه، فحاول التمرد والخروج من هذه البوتقة .
ويؤكد أنه طالب في التعليم الثانوي ويفهم طبيعة التغيرات التي تحدث له، ما يتطلب معاملة خاصة، موضحاً أنه نوه لوالده ووالدته مرات بأنه أصبح رجلاً وعليهما أن يوجهاه فقط من دون فرض هذا التوجيه عليه، لكن إصرارهما هو الأساس الذي دفعه لارتكاب الأخطاء، خاصة أنه يلاحظ أن العديد من زملائه يعاملون أفضل منه .
ويعترف ش .ج، طالب في إحدى المدارس الثانوية، بتهوره المتكرر داخل المدرسة، ضد معلميه وزملائه، لأنه يشعر بعد هذا الأمر بتميزه عن الجميع الذين بدأوا يخافونه . ويوضح أن إهمال الإدارة له دفعه لفعل المزيد من الاعتداءات على الطلاب والتطاول على المعلمين .
ولفت إلى أنه قام مؤخراً بالاعتداء لفظياً على معلمه داخل الصف، ما دفعه إلى طلب الإدارة التي تولت التحقيق الذى انتهى بالفصل لحين وصول ولي الأمر، فقرر الاتصال بالمدرس وطلب منه مقابلته خارج المدرسة ليقدم له الاعتذار، كونه مفصولاً من المدرسة وممنوعاً من دخولها، وبمجرد وصوله إليه في الشارع بجانب المدرسة، قام بالاعتداء عليه بالضرب، ثم غافله وسدد له العديد من الطعنات بالسكين الذي كان يحمله بين طيات ملابسه، وفرّ هارباً، لكنه قبض عليه بعد أقل من ساعتين، وقدم للمحاكمة، ومشيراً إلى أنه لم يعرف الآن سبباً لما كان يقوم به، لذلك يشعر بالتفاهة وعدم انتمائه إلى هذا العالم الجميل الذي لا يستحق أن يعيشه ويستمتع باستنشاق هوائه الطيب .
وأضاف: أسرتي كانت تهملني جداً ويكفي أن والدي لم يسأل عني مرة واحدة في المدرسة، أو يكلف نفسه الاتصال لمعرفة أي شيء، واكتفى بأن يسألني وأجيبه بأن كل شيء طيب . ويؤكد أن الزمن لو عاد به من جديد فإنه لن يعرف زملاء السوء الذين كانوا يتعاطون الحبوب المخدرة وساقوه إليها، فبدأ يقدم على سلوكيات لا يشعر بها مطلقاً، لكنه الآن فقط يعترف ويقر بكل ذنوبه بحق نفسه وأسرته والمجتمع .
طالب آخر في التعليم الثانوي يعترف بأنه كان يعتدي بالضرب على كل من يقابله في المدرسة من الطلاب وأحياناً لا يسلم منه المعلمون، لأنه كان يستمتع بضعف كل هؤلاء، ويشعر بقوة غريبة تتملكه لدرجة قيامه في بعض الأحيان بفعل حركات من المصارعة الحرة، خاصة للمصارع الشهير جون سينا الذي يعتبره أهم النجوم في هذا العالم . ويلفت إلى أنه يتذكر الآن كل ما كان والده يقوله أمامه هو وإخوته، هو أنه يريد أن يكونوا رجالاً في هذه الحياة، لأنه لا يحب الضعفاء، لكنه فهم الدعوة خطأ وبدأ ينفذها على طريقته الخاصة .
ويكشف ع .أ عن قيامه بالاعتداء على بعض أفراد أسرته من دون وعي، لدرجة أنه في إحدى الليالي قرر ضرب والده، مرجعاً ذلك إلى تعاطيه للحبوب المخدرة . وكان بعد تعاطيها يشعر أحيانا بالتوتر، وأحياناً بالقوة، وأخيراً يندفع إلى إلى الشغب وارتكاب أعمال عنف من دون سبب، لدرجة أنه لم يعرف عدد المرات التي اعتدى فيها بالضرب على إخوته، وأحياناً الخادمات .
وأضاف أنه عندما بدأ يشعر بتغيرات على وجهه، وتغير في صوته أحس بالارتباك ولم يُفهمه أحد من الأسرة أسباب هذه التغييرات، لكنه عرفها من أصدقائه في المدرسة، الذين وجد لديهم ضالته في معرفة كل شيء في نفسه والدنيا، وجروه بعد ذلك إلى أشياء غريبة أهمها تعاطيه للحبوب التي يرى أنها أسهمت بشكل كبير مع الجهل الذي يطبق على أسرته في تدميره وهو لم يصل بعد إلى العشرين من عمره .
ولفت طالب آخر إلى أنه انتمى إلى مجموعة من التلاميذ في مدرسته لا يتركون بعضهم بعضاً إلا بعد دخول المدرسة أو الذهاب إلى البيت، ما نمى لديهم فكرة الاعتداء على أي طالب لا يعجبهم شكله، أو يتعرض لهم، ويشير إلى أنهم كثيراً ما قاموا بالاعتداء على زملاء لهم خارج المدرسة وأصابوا منهم كثيرين عولجوا في المستشفيات .
ونوه بأن للعديد من معارفه في المدارس الأخرى يشكلون عصابات داخل مدارسهم ولا أحد يهتم بالأمر، لكنهم يقعون تباعاً بيد الشرطة .
أحد أولياء الأمور يشير إلى أنه الآن فقط بدأ بالتقرب من أولاده المراهقين بعد وقوع أحدهم تحت تأثير قلة من المنحرفين معه في المدرس، دفعوه إلى تعاطي الحبوب المخدرة التي أثرت في حالته النفسية ودفعتهم لمشاركتهم في الاعتداء على زملاء لهم في المدرسة، ويوضح أنه كان قبل ذلك يكتفي بسؤال أولاده عن حالهم في المدرسة، وكان لا يسمع منهم إلا كل خير، لذلك كان مطمئناً عليهم لكنه بعد أن دفع ثمناً كبيراً من سمعته وأمواله لإصلاح خطأ ابنه الضال قرر الالتفات إليهم .
ولفت إلى أن ما حدث لابنه مؤخراً من إلقاء الشرطة عليه كان مفاجأة مذهلة لم يتوقعها مطلقاً، وزاد من هذا الذهول، عندما عرف أسباب القبض عليه، لذلك اعتبر أن حياته مرحلتين، الأولى يلغيها والثانية هي المرحلة الحالية التي بدأ فيها الاهتمام بأولاده .
وفي أسى شديد، يقوول أحد الآباء الذين صدموا بسماع حقائق انحراف أولادهم والقبض عليهم، إنه لم يكن يسمح لابنه بأن يتحاور معه، وكان كل كلامه معه أمراً عليه أن ينفذه لأنه لا يعرف أي شيء في الحياة، ويشير إلى أنه بدأ يستمع وينصح ويترك لهم فعل ما يريدون، ودائماً يقول لهم: لكم حقوق وعليكم واجبات، حتى لا أدفع ثمناً آخر لتهورهم .
نائب مدير الإدارة العامة للتحريات والمباحث الجنائية بالقيادة العامة لشرطة دبي المقدم جمال الجلاف، يشير إلى أن أعمار هؤلاء الشباب الذين يُلقى القبض عليهم ما بين 14 و30 سنة، ويعامل كل واحد منهم وفقاً لنوع التهور، وتتخذ ضدهم الإجراءات القانونية التي يراعي فيها العمر، والتمييز بين متهور دفعه آخرون إلى فعل شيء تحت الضغط، ومتهور اعتاد أصلاً على القيام بكل شيء .
ويشير إلى أن هؤلاء الشباب كشفوا عن أنهم كانوا يريدون من وراء ارتكاب جرائمهم إظهار القوة، والقيام بمغامرات لا يصدقها العقل، وهي أشياء غير طبيعية لأنها ضد السلوك العام للمجتمع . وأضاف: هذه الأمور تنتشر بين فئة معينة من الشباب تعاني انحلالاً تربوياً، خاصة في البيوت التي بعدت عن رقابتها الأساسية لأبنائها، بالإضافة إلى وجود فئة عاطلة عن العمل تقود إلى حدوث هذه التهورات وتكون عصابات .
ويوضح أن هذا الإجرام انتقل من مكان إلى آخر على مستوى الدولة وتورط فيه صبية وشباب، إلى حد قيامهم بالقتل وإحداث إصابات جسيمة أدت في النهاية إلى مصرع أصحابها .
ونوه نائب مدير الإدارة العامة للتحريات والمباحث الجنائية في القيادة العامة لشرطة دبي بأن هذه الشلل نشطت داخل بعض الأماكن وكونت مجموعات أخرى متفرعة عنها، لكنه في الوقت نفسه عصابات مصغرة وتتميز بالعنف الشديد لأن أفرادها يتباهون بفعلتهم العدوانية .
وأشار إلى وجود بحوث أمنية لأكثر من جهة تعمل في مجال مكافحة الجريمة تبين أن عشرات المتورطين في جرائمهم المتهورة هم من أصحاب السوابق، وسجلت لهم العديد من القضايا كان دافع ارتكابها التباهي، ويؤكد أن كل هؤلاء ضالون لأن الجهات المختصة التفتت إليهم، ولديها تواصل مع أسرهم لدرجة أن أولياء أمور طلب منهم الاتصال على 999 في حالة عدم قدرتهم على السيطرة على أبنائهم، وهناك العديد من أولياء الأمور بدأوا بالاتصال بالشرطة، وهو أمر لا يقلل من قيمة أحد، لأن الهدف واحد وهو الحرص على شبابنا لأنهم الأمل في تقدم الوطن .
مدير إدارة الرقابة الجنائية في القيادة العامة لشرطة دبي الرائد راشد بن ظبوي يؤكد حرصهم على الالتقاء دائماً بأولياء الأمور، للوقوف معهم على أحدث المستجدات النفسية في التربية، لكنه يعترف بأنه يحزن كثيراً لرؤيته الحزن على وجوه العديد من الآباء الذين سقط أولادهم في أحضان الجريمة . ويشير إلى وجود آباء لا وعي لديهم بأي شيء، بالإضافة إلى آخرين لا يعرفون أي شيء عن أولادهم ولا يحاولون التقرب منهم ولا يتعاملون مع الشرطة، وهي فئة لا تعرف الأساليب الحديثة في التربية التي تمكنهم من السيطرة على أولادهم .
وأضاف: نحاول التعرف إلى المحيط الذي يؤثر في المراهق سواء كان في مدرسته أو في المنطقة التي يعيش فيها، أو في محيط أصدقائه، وأحياناً نجده لدى البعض في محيط القربى، ما يدفعنا للوقوف على الحالة واختيار ما يناسبها من حلول لشغل فراغ بطلها الابن الضال، ونوجهه إلى الطرق الصحيحة لمعالجته من تهوره . ويؤكد أن لديهم العديد من البرامج التي تناسب كل حالة سواء كان تهورها في الإجازة الصيفية أو أثناء الدراسة .
ودعا الآباء إلى متابعة أولادهم لأن الدور الرئيس منوط بهم فقط، عن طريق استخدامهم للأساليب التربوية الحديثة، التي تمكنهم من التقرب منهم والسيطرة عليهم بالحب .
دوافع التمرد
د . هاشم سرحان أستاذ علم الاجتماع بجامعة الشارقة يطالب الآباء بالابتعاد عن أسلوب الضرب والأمر والنهي مع أبنائهم، وألا يستخدموا العنف اللفظي والتحقير في الحديث الذي يدور بينهم، ويرى أن استخدام هذه الأمور يدفع الأبناء إلى التمرد، وتصبح ردة فعلهم عكسية لإثبات قدرتهم على فعل الأشياء التي يفتقدونها مثل الرجولة رغم صغر سنهم، وهو ما حدث مع المراهق الذي قاد سيارة والده لمدة 5 دقائق دفعت الوالد إلى دفع ما يزيد على 40 ألف درهم قيمة مخالفات السيارة، والآخر الذي اعتدى على زميل له فأرداه قتيلاً، وآخرون يندفعون لتحقيق رجولتهم بالسرقات .
ولفت إلى ضرورة أن تفهم الأسر أنها تقوم بأخطر دور، وهو تربية الأبناء، وأن ذلك لا يكون مطلقاً إلا عن طريق نمو صداقة جميلة بين الأبناء وأسرهم، لإشعار المراهق بأنه أخ وصديق لدفعه إلى التعبير عن نفسه، ويوضح أن الدوافع وراء ارتكاب الشباب لجرائمهم متعددة أهمها إشباع الرغبة في السيطرة والتحكم في الآخرين، وهي بداية حقيقية للضلال، الذي لا ينكشف في بداياته، ما يدفع صاحبه إلى المزيد من إثارة الشغب بلا سبب يحس، خاصة لدى الفئة التي تتعاطى المخدرات بأنواعها لأنهم يصابون بضعف الذاكرة، فلا يتذكرون ما فعلوه إلا عندما تحدث لهم صدمة، وهي لحظة القبض عليهم .