* حتى وقت قريب، وربما إلى يومنا هذا، يعتقد الكثيرون في الإمارات أن الخبير القانوني المصري الراحل عبدالرزاق السنهوري، والخبير القانوني (والسياسي) السوداني حسن الترابي، هما اللذان صاغا الدستور المؤقت لاتحاد الإمارات العربية المتحدة، منذ أن كان فكرة وتطور ميثاقاً أو اتفاقية بدءاً من عام ،1968 وحتى استوى دستوراً مؤقتاً لإمارات سبع .

ويبدو أن هذا الاعتقاد مرجعه ثقافة تاريخية رقيقة النسيج، اعتمدت مقولات غبر موثقة، وعزفت - بحسن نية - على وتر علو القيمة الفقهية الدستورية التي تمتع بها السنهوري، وبالتالي، سحبها على الأبعاد القانونية التي صبغت بنود الدستور .

* وباختصار، استطيع أن أقول بكل ثقة، إنه لا علاقة للخبيرين السنهوري والترابي، بهذا الدستور الذي بين أيدينا، ولا حتى بالمشروعات الدستورية التي تردد طرحها خلال الاجتماعات التي عقدها حكام الإمارات الستع ثم فيما بعد، السبع منذ فبراير/1968 وحتى قيام الاتحاد في الثاني من ديسمبر/كانون الأول 1971 .

وتعود القصة، إلى بدايات عام ،1968 حينما أبرمت إمارتا أبوظبي ودبي في 18 فبراير/شباط اتفاقاً لتكوين اتحاد بينهما، وسارعت بعدهما بأيام، بقية الإمارات في الخليج العربي، بما فيها قطر والبحرين، إلى الاجتماع في دبي (25-27 فبراير) واتخاذ قرار بإنشاء اتحاد الإمارات العربية التساعي، بهدف تعميق الصلات، وتنظيم الدفاع الجماعي، وتوحيد السياسات الخارجية .

وقد تجسد هذا الاتحاد، على شكل اتفاقية، شملت مقدمة وثلاثة أبواب قصيرة ومختصرة، تتحدث عن السلطات، فضلاً عن أحكام متفرقة عامة .

وفي تلك الأيام الحاسمة من تاريخ المنطقة تكاثرت الاقتراحات والمشروعات التوحيدية المطروحة، كما تسارعت الأحداث، وبرزت للعيان طموحات ومواقف وتدخلات إقليمية ودولية كثيرة، ومن بين هذه المشروعات، طرحت قطر رسمياً، فكرة إنشاء اتحاد مركزي بين الإمارات الشمالية الخمس فقط، ويسمى إمارة الساحل العربي المتحدة، وتكون فيه كل إمارة بمثابة ولاية، وعلى رأسها والٍ يشرف على شؤونها المحلية . لكن هذا المشروع لم يكتب له النجاح منذ ولادته في فبراير/شباط 1968 .

وفي الشهر نفسه، طرحت قطر مشروعاً ثانياً، لإنشاء اتحاد الإمارات العربية للدفاع المشترك، وتسوية الخلافات، وكان المستشار القانوني لحكومة قطر الدكتور حسن كامل وهو مصري الجنسية، وراء الصياغة القانونية لهذا المشروع، والذي جاء أيضاً على شكل اتفاقية مختصرة في ستة أبواب قصيرة عمومية الطابع .

ومر عام ،1968 والأحاديث واللقاءات الرسمية تتداول في عمومها مسألة وضع ميثاق، ولم تكن ترد عبارة الدستور في ثنايا الخطاب العام والرسمي .

ويبدو من خلال مراجعة أدبيات ووثائق تلك المرحلة، أن مسألة الاتحاد التساعي، كانت مازالت فكرة فضفاصة وأحياناً مشوشة في أذهان الكثيرين، بمن فيهم المستشارون والخبراء القانونيون في عموم إمارات الخليج العربي .

وكانت الحيرة واضحة في التوجهات العامة، بفعل بكارة التجربة، وغياب الخبرة الدولاتية، وضخامة الضغوط وتعقد المصالح الخارجية، وبخاصة سياسات شاه إيران المتغطرسة، وادعاءاتها اللاقانونية واللاتاريخية في البحرين، فضلاً عن طموحات محلية غير واقعية وخلافات حدودية كامنة .

كما يبدو أيضاً، أن فكرة الاتحاد الفيدرالي، في أذهان البعض، كانت تعني شكلاً من أشكال الرابطة التعاهدية، بينما لدى آخرين فإنها تعني إذابة الشخصية الدولية المحلية البحتة، بل أن البعض أعتقد أنه يكفي أن يتم وضع ميثاق تحالف بين كيانات مستقلة بعد الانسحاب البريطاني .

ومما يجدر ذكره، أن رجالاً مميزين وطنيين قد شاركوا بفعالية في لجان واجتماعات هذا المخاض العسير، وعلى مدى نحو عامين .

أما الدستور، والخبراء والصياغات النهائية، ودور السنهوري الفقهي، والترابي، صاحب الأسئلة الحرجة والمسيسة، والظرف في أيامنا المعاصرة، فلحديث آخر في الغد إن شاء الله .