رغم برنامج الأمم المتحدة للمحافظة على البيئة الداعي إلى بذل المزيد من الجهود لإعادة تشجير المناطق الجرداء، يبدي كثير من علماء البيئة قلقهم من توسع رقعة الغابات في القارة الأوروبية.

وعند مقارنة هذا الوضع مع ما يحدث في أمريكا الجنوبية وإفريقيا، نجد أن الأمر يدعو إلى الاستغراب، إذ ان عمليات تقطيع الأشجار في هاتين القارتين تسير بوتيرة مخيفة خاصة إذا ما علمنا أن 13 مليون هكتار من الغابات يختفي منهما سنوياً وهي مساحة تعادل ربع مساحة فرنسا.

أما فيما يتعلق بالقارة الأوروبية بشكل خاص، فنجد ان أهمية الأشجار تزداد بشكل طردي، فخلال الفترة الواقعة بين عامي 2000 و،2005 زادت مساحة الغابات 660 ألف هكتار سنوياً، ففي إسبانيا مثلاً ازدادت رقعة الغابات حوالي 9% خلال السنوات الخمس الماضية، أما في ايطاليا فقد ازدادت بنسبة 5،6%، في حين شهدت فرنسا تزايداً لا سابق له منذ القرون الوسطى، حيث ازدادت رقعة الغابات 15،5 مليون هكتار خلال هذه الفترة.

ولكن هل يجب أن نستبشر خيراً بهذا الأمر أم أنه إذا زاد الشيء على حده انقلب إلى ضده؟

ويشير الباحثون إلى ان الوضع في فرنسا لا يبشر بالخير على الاطلاق لأن زيادة مساحة الغابات غدت خانقة لبعض المناطق السكنية، فمنذ نهاية القرن التاسع عشر بدأت مسألة الزيادة في رقعة الغابات تتسارع بوتيرة بطيئة إلى أن بلغت أوجها بعد الحرب العالمية الثانية.

وفي خلال الفترة الواقعة بين عامي 1946 و1963 بدأت الدولة الفرنسية بتمويل عمليات تشجير الجبال بغرض انتاج الخشب ولذا تم زرع 1،7 مليون هكتار من الأشجار، لكن في المقابل تقلصت مساحة الأراضي الزراعية.

وفي الوقت نفسه طرأ تحسن على آليات الانتاج الزراعي ونتيجة لذلك تركت الأراضي الوعرة وغير المنتجة جانباً وتركت كذلك عمليات البذر دون عناية أو اهتمام. ووفقاً لاحصائيات المعهد الفرنسي للبيئة فإن أكثر من 600 ألف هكتار من المروج الخضراء اختفت كلياً بين عامي 1993 و2003 وحلت محلها الغابات لا سيما أشجار الصنوبر، علاوة على أن خبراء الزراعة يقولون إنه خلال السنوات العشر القادمة ستتحول 4 ملايين هكتار من الأراضي المزروعة إلى أرض بوار ولذا فإن توسع رقعة الغابات التي كانت محصورة في جبال الالب الجنوبية، والهلال المتوسطي، سيمتد إلى مناطق أخرى لا سيما الهضبة المركزية كالفووج والجزء الشمالي الغربي من فرنسا، ويقول ريمي فرانسوا من معهد الفنون للمواقع الطبيعية في البيكاردي ان جل هذه الغابات فقيرة إذ ان 5،2% من الأنواع الشجيرية المعروفة من البلوط والزان واليزية والدردار والكستناء والصنوبر البحري والبري، إلى درجة أن النوع الأخير غدا في هذه الأيام بمثابة العامل العدواني الذي يجتاح الأراضي الزراعية وغيرها بشكل سريع.

ويشير الباحث فرانسوا إلى أن بعض النباتات الحرجية مثل نبتة شقائق النعمان، والبهشية، وزهرة الربيع، غدت لا وجود لها تقريباً لأن الأراضي التي كانت تزرع وتزود بالمواد المخصبة كالسماد أصبحت متخمة بمادة الفوسفور، علاوة على ذلك فإن كثرة الأشجار في الغابة تمنع الضوء عن كثير من النباتات مثل نبتة السحلبية (الأوركيدة) تاركة المجال لنباتات أخرى لا تفضل الضوء.

ويقول جويوم ديكوك الباحث في مجال التنوع الحيوي النباتي في جامعة بيكاردي إن 208 أنواع من النباتات المحلية اختفت من منطقة البيكاردي خلال قرنين من الزمن.

من جهته يرى ريمي فرانسوا ان 17% من هذه الاختفاءات تعود إلى المبالغة في زراعة أشجار الغابات.

وفيما يتعلق بالأنواع الحيوانية فإنها تعرضت لنفس مصير النباتات، إذ ان العديد من الأنواع الحيوانية المنتمية للمناطق الواقعة على المتوسط كغالبية الزواحف، والحشرات والفراشات والجراد والنمل وكل أنواع الطيور بدءاً من طائر أبو بليق وانتهاء بالنسر، لم تعد مهددة من الحرائق اللهم إلا السلاحف، بل غدت مهددة بالاختفاء نظراً لعدم توفر الأوساط المفتوحة لا سيما المروج الخضراء.

ويشير روجيه برودون المسؤول عن فريق البيئة والجغرافية الحيوية للفقاريات في الكلية العملية للدراسات العليا في مونبيليه، إلى ان زراعة شجر الحور أدت إلى التسارع في تراجع الطيور في منطقة البيكاردي مثل طائر الصفرد والفراشات الناردة جداً كالمبرقعة أو النحاسية.

ويضيف برودون أن اتساع رقعة الغابات أصبح يسبب مشاكل كبيرة للسكان العاديين في المناطق الزراعية خاصة من ناحية مصادر المياه فالمعروف ان أشجار الغابات تستهلك كمية كبيرة من الماء، اضافة إلى ذلك يخشى السكان من اندلاع الحرائق في هذه الغابات لسبب أو لآخر الأمر الذي يمكنه من أن يعرض حياتهم للخطر. ولوحظ من خلال الاحصائيات ان بعض المناطق الأوروبية مثل الأوفرتي وجبال الالب الجنوبية مكسوة بمعدلات عالية من الأشجار تصل نسبتها إلى 70% على الأقل.

وعند هذا الحد نجد أن الأشجار تحيط بالبيوت وتمنع أشعة الشمس من الوصول إليها كما تحد بالطبع من مجال الرؤية. ومن النتائج التي ترتبت على هذا الأمر أيضاً ان السياح والصيادين هجروا المناطق المشجرة بالغابات الكثيفة لأن بعض الحيوانات المفضلة لهم كالأرانب والحجل هجرت هذه المناطق لأنها لم تعد تجد ما تقتات عليه، ومن هذا المنطلق اتخذت ادارات المناطق المحلية قراراً بتقطيع الأشجار لانقاذ ديك الخلنج من الانقراض وكذلك الحجل الأحمر. وتدعو الكثير من المؤسسات المهتمة بالبيئة الرعاة إلى قصد الغابة للاستفادة من الكلأ الموجود تحت الأشجار (الأعشاب والدغل والبراعم الجديدة) اضافة إلى دعوة السكان المجاورين للغابات إلى تقطيع ما يمكن أن يفتح لهم نافذة لتجلب لهم الضوء وأشعة الشمس ويساهم في التنوع البيئي في مناطقهم، مع ضرورة استخدام أخشاب هذه الأشجار في التدفئة أو في أمور أخرى يومية.

ويرى باسكال مارتي من المركز البيئي العلمي في مونبيليه ان ممارسة الرعي في مناطق الغابات أسهمت في الابطاء في تقدمها لكنها لم توقفها حتى الآن ولذا يجب العمل على الاكثار من هذه العملية وحث الرعاة ومساعدتهم على الرعي في هذه المناطق ليحدث التوازن المطلوب بين المسطحات الخضراء الفسيحة والغابات.

ويبدو ان ثمة بعض المستفيدين من هذه العودة القوية للغابات مثل آكلات الأعشاب مثل اليحمور والخنزير البري والأيائل أو آكلات اللحوم أيضاً، فبعد 30 سنة على عودة حيوان الأوس (الوشق) إلى الظهور في بعض البلدان الأوروبية مثل فرنسا، لوحظ ان أعداد هذا الحيوان في تكاثر مطرد كما ان حيز انتشاره يكاد يغطي كافة أنحاء البلاد وكذلك الحال بالنسبة للذئب الذي يعاود انتشاره بشكل مطرد في مناطق الجور أو الفوج وجبال الألب التي تكثر فيها الغابات بشكل كثيف.

ويقول الخبراء إن الذئب عبر الأراضي الايطالية يقيم له مستعمرة جديدة في منطقة ميركانتور منذ عام 1992 إلى درجة انه استعمر مجموعة الكتلة الألبية الممتدة إلى ايطاليا لأنها غزيرة بالغابات.

ويشير الباحثون في مجال البيئة إلى أن أعداد الذئاب ترتفع من 15% إلى 25% سنوياً ويضيف الباحث ايريك ماربوتان رئيس مشروع الذئاب والأوس في المكتب الوطني للصيد والحيوانات البرية في فرنسا إلى ان الذئب تمكن بالفعل من عبور فرنسا إلى منطقة جبال البرانس الشرقية التي تشهد كثافة في غاباتها لم تعهده من قبل.