سيطرت السلوكيات الخاطئة والقيم المادية النفعية على سلوك ومشاعر كثير من الناس إلى درجة عبادة البعض مصالحهم ومكاسبهم الشخصية، واهتماماتهم الفردية، وأصبح شعار الكثيرين "أنا ومن بعدي الطوفان"، ضاربين بالقيم الإسلامية في التكافل والتضامن والوحدة والإيثار والوفاء والإخلاص عرض الحائط . وفي ظل سيطرة هذه الخصال السيئة على نفوس كثير من شبابنا تلاشى كثير من القيم والأخلاقيات الإسلامية والعربية التي تميز بها الإنسان العربي المسلم، وشكلت أهم ملامح شخصيته التي كانت محل فخر واعتزاز دائماً .
الأسئلة التي تفرض نفسها هنا: ماذا حدث للشخصية العربية؟ ولماذا تلاشى كثير من القيم النبيلة من حياة الأجيال الجديدة؟ وما تأثير القيم المادية النفعية في المواطن العربي الذي شكلت تعاليم وآداب دينه قيمه وأخلاقياته وحددت خط سير حياته؟ وكيف نغرس في أطفالنا وشبابنا منذ الصغر القيم والأخلاق الإسلامية لنواجه ما نراه في سلوكياتهم من سلبية وتردٍ سلوكي؟
مفتي مصر السابق، عضو هيئة كبار العلماء بالأزهر، د . علي جمعة، يعبر عن حزنه وألمه لاختفاء كثير من القيم السلوكية الراقية من حياة شبابنا، ويؤكد أن ديننا علمنا كل ما هو راقٍ ومتحضر من السلوك، وأهم القيم التي تعلمناها من ديننا هي قيمة "الاحترام" الاحترام للنفس والاحترام للغير، والاحترام للعالم من حولنا . . فضلا عن قيم الإيثار والتعاون والتواضع والمسؤولية والاتحاد والتضامن ونصرة المظلوم وإغاثة الملهوف، وهذه القيم النبيلة وغيرها تعلمناها من آداب وأخلاقيات ديننا، ولذا تميز الإنسان العربي بالرقي السلوكي وعرف بالشجاعة والتضحية والتفاني في مساعدة الآخرين والتعامل معهم بكرم، وتقديم حياته فداء لإنقاذ فتاة تتعرض للامتهان في شرفها .

احترام الآخرين

ويضيف: المؤسف والمحزن أن كثيراً من هذه القيم النبيلة والأخلاقيات الراقية قد تلاشت من حياة الكثيرين وحلت مكانها الأنانية وحب الذات والبحث عن المصالح الشخصية والجبن والتراجع عن مساعدة من يحتاج إلى مساعدة . . وهذا مكمن الخطر على الشخصية العربية التي تتعرض للتشويه والمسخ نتيجة غياب القيم الأخلاقية الإسلامية .
ويتساءل مفتي مصر السابق: أين قيمة "الاحترام" التي هي أساس كل القيم الحضارية في حياة شبابنا الذي أصبح لديه جرأة غريبة على كل شيء؟ ألا يدري هؤلاء الذين يتعاملون مع الآخرين بعدم احترام أن دينهم الإسلامي جعل الاحترام قيمة راسخة لا تستقيم العلاقة بين الناس من دونها؟ وأنه ربط السلوك المحترم مع الآخرين بالتربية وبالخلق القويم الذي إذا تركناه أو نسيناه أو همشناه في حياتنا ذهبت هذه القيمة ومعها قيم كثيرة؟ وهل يدرك شبابنا معنى قول رسول الله صلى الله عليه وسلم: "ليس لأحد فضل إلا بالدين أو العمل الصالح، حسب الرجل أن يكون فاحشاً بذيئاً بخيلاً جباناً" .
وبصوت مملوء بالحزن والأسى يقول عضو هيئة كبار العلماء بالأزهر: هؤلاء الذين يسيئون الأدب في التعامل مع الآخرين ولا يقيمون للأخلاق وزناً ولا يحترمون من هم أكبر منهم سناً وأكثر منهم علماً وأدباً، خارجون عن الإسلام، ويجب على هؤلاء أن يعوا جيداً معنى قول رسول الإنسانية نبينا محمد صلى الله عليه وسلم: "ليس منا من لم يرحم صغيرنا ويعرف شرف كبيرنا" .
وهنا يؤكد د . جمعة أن الإنسان يفرض احترامه على الآخرين بإنسانيته ومدى ما يقدمه من منافع حقيقية للناس، فلا حسب ولا نسب هنا كما علمنا رسول الله، حيث ربط صلى الله عليه وآله وسلم قيمة الاحترام بنفع الناس، فقد روي أن امرأة سوداء كانت تنظف المسجد ففقدها رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم فسأل عنها، فقالوا: ماتت، قال: "أفلا كنتم آذنتموني؟ دلوني على قبرها"، فدلوه فصلى عليها عند قبرها . وهذا تدريب عملي من الرسول صلى الله عليه وآله وسلم لصحابته على احترام الآخرين مهما صغرت مكانتهم، خاصة أنها كانت تقوم بعمل صالح وهو تنظيف بيت الله، ومكان اجتماع المسلمين ولم تذكر لنا الكتب من هي تلك المرأة، وكل ما نعرفه أنها كانت تنظف المسجد فقط، لكننا نعرف أيضا أنها ماتت وأن الله راض عنها ورسوله . وينتهي د .جمعة إلى أن هذا الرقي السلوكي في التعامل مع الناس "صناعة إسلامية"، ويقول: من يقرأ تعاليم الإسلام ويتعرف أخلاقياته وأسلوب تربيته لأتباعه يدرك ذلك جيدا، وواجب المسلمين اليوم أن يعودوا إلى قيم وأخلاقيات دينهم حتى يعود لهم الرقي السلوكي الذي يفتقدونه الآن .

الوفاء والإخلاص

المفكر الإسلامي، د .محمود حمدي زقزوق، ينعى هو الآخر كثيرًا من القيم والأخلاقيات الإسلامية الراقية التي تلاشت أو اختفت من حياتنا والتي كانت تحدد ملامح شخصيتنا العربية الإسلامية . . ويقول: من دون القيم الأخلاقية لن تكون لنا قيمة بين الناس، فالأموال الطائلة لا تصنع حضارات، وإنما الذي يصنع الحضارة هو الإنسان بقيمه وأخلاقياته وسلوكياته الراقية .
ومن أهم القيم الحضارية التي أولاها الإسلام أهمية كبيرة ويراها د .زقزوق تلاشت من حياة الكثيرين في بلادنا العربية قيمة "الوفاء والإخلاص"، حيث لم تعد لهذه القيمة أهمية في حياة الكثيرين ما أدى إلى تقطع علاقات الناس رغم أهميتها القصوى في بناء العلاقات الإنسانية بين الأفراد والجماعات وعلاقات الشعوب بعضها مع بعض . . ويقول: اهتم الإسلام بقيمة "الوفاء" اهتماما لا حدود له . وقد جاء استعمال مفهوم الوفاء في القرآن الكريم على أنحاء مختلفة . فتارة يأتي وفاء بعهد الله، وتارة وفاء بالعهد على نحو مطلق وعام، وتارة يأتي وفاء بالعقود، أو وفاء في الكيل والميزان، أو وفاء بالنذر، كما يأتي في نقد المواثيق .
وهذا يدلنا على اتساع مساحة الوفاء . فليس الأمر خاصاً بعلاقة بين صديقين فحسب، وإنما يشمل جميع العلاقات بين الأفراد والجماعات والشعوب، ويتجاوز الدائرة الضيقة بين فردين إلى دائرة أوسع تشمل الإنسانية كلها .
ويدخل في مفهوم الوفاء أيضا الوفاء لعلماء الأمة ومفكريها وعظمائها ممن قدموا للوطن خدمات جليلة . والوفاء لهم يكون بإحياء ذكراهم والاعتراف بفضلهم، وتعريف الأجيال الجديدة بجهودهم وتضحياتهم وعطائهم . وبذلك نقدم لهذه الأجيال نماذج مشرفة يقتدون بها، ويحذون حذوها في البذل والعطاء ما يعود بالخير على الوطن وكل من يقيم في رحابه .
ويرتبط الوفاء في التصور الإسلامي بالصدق وبالتقوى . ومن هنا جاء حديث القرآن الكريم في وصف الموفين بعهدهم والصابرين بأنهم الذين صدقوا وبأنهم المتقون: "أولئك الذين صدقوا وأولئك هم المتقون" . وإذا كان الوفاء بالحقوق والعهود والمواثيق أمراً يحتمه الإسلام فإنه لا يفرق في هذا الصدد بين المسلمين وغير المسلمين . فالقيم لا تتجزأ ولا يجوز أن تطبق بطريقة انتقائية .

قيمة الإيثار

الشيخ محمود عاشور، وكيل الأزهر الأسبق، عضو مجمع البحوث الإسلامية، ينبهنا إلى خلق كريم وقيمة عظيمة اختفت من حياة الكثيرين وهي قيمة "الإيثار" مؤكدا أن غياب هذه القيمة ألحق خسائر فادحة بالشخصية العربية الإسلامية حيث يقول: شخصية المسلم لا بد أن تتجرد من الأنانية وحب الذات، بل إنه لا بد أن تبدأ بالمحافظة على الحرمات وتتدرج إلى الدفاع عن الشخصية إلى أن يحب المسلم لأخيه ما يحب لنفسه، ثم من هذه المرتبة إلى أن يؤثر أخاه على نفسه، وعندئذ ترتقي شخصيته الإيمانية ويستشعر عظمة الإسلام في كل كيانه، وهي تمده بقوة روحية عالية، فيرى الوجود من حوله وكأنه أسرة واحدة يظلها الدين بسماحته ويسره فلا عسر ولا حرج بعطائه وسخائه فلا تضييق ولا شح بأخوة تشع تضامناً وإخلاصاً وحباً وولاءً ولا فرقة ولا حقد ولا بغضاء .
ومن قاعدة البذل والتضحية ينبثق الإيثار، فيطارد الأثرة والأنانية، ويملأ الحياة بذلا وتعاوناً وإحساناً، ولا يتمثل الإخلاص إلا من كان سخي اليد، جواد النفس محباً مخلصاً ودوداً فهناك إيثار بالمال وإيثار بالنفس وإيثار طاعة الله تعالى على كل ما عداها .
ويشير الشيخ محمود عاشور إلى أن أبرز أسباب مظاهر الأنانية هو تحول الإيمان لدى البعض إلى ترف فكري وجدل عقيم وقواعد تحفظ لا علاقة لها بشؤون الحياة حسبما تقتضيه الاستجابة الإيمانية لتعاليم الإسلام، كما قال تعالى: "استجيبوا لله وللرسول إذا دعاكم لما يحييكم"، فقد عقد الرسول صلى الله عليه وسلم عقدا اجتماعيا وتركه أمانة في أعناقنا وهو مبدأ التعاضد والتعاون والتناصر بين المسلمين على اختلاف لغاتهم ومذاهبهم وألوانهم وأوطانهم حتى أصبح شرطا من شروط الإيمان .
إن الإيثار هو الدرجة التي لا يصل إليها إلا الذين صبروا وهو أرفع منازل الأخوة وأسمى درجات الصداقة التي من النادر أن يعمل بها إنسان في مثل هذا الزمن الذي ندر فيه الإيثار .