متحف غالية للفنون الحديثة أحدث المتاحف في سلطنة عمان، افتتحه شهاب بن طارق مستشار السلطان قابوس بن سعيد سلطان عمان مطلع العام الجاري، وأسسته الدكتورة غالية بنت فهر بن تيمور آل سعيد، ويقع في مدينة مطرح بمحاذاة قلعتها المعروفة، ويضم غرف صبح والمجلس والمعيشة -أو الغرفة الشتوية- إضافة إلى غرف الأطفال والعرض - أو الجلوس- والمطبخ وغرفة العروس وتربط بينها ساحة داخلية تسمى محلياً الحوش .
ويضم المتحف كذلك قسمين، أحدهما للأزياء والمتحف الحديث، والثاني قيد الإنشاء، ويعنى المتحف بإقامة المعارض الفنية والحلقات العلمية إضافة إلى مجموعة أخرى من الأهداف الفنية والثقافية، ويعكس المتحف- من خلال مقتنياته ومعروضاته- قصة الإنسان العماني المرتبط ببيئته ومجتمعه المتذوق للفن والجمال، والذي ترجم هذه المفردات إلى نقوش وزخارف في منزله وأدواته وملابسه ذات الألوان المتعددة، وأعطى للفضة رونقاً وشكلها بغاية الإتقان والإبهار .
حول فكرة إنشاء متحف غالية للفنون الحديثة، يقول مديره مرتضى اللواتي: إن المتحف لم يكن مخططاً له الظهور للعلن، وإن الفكرة الأساسية كانت شخصية حيث اهتمت مؤسسة المتحف الدكتورة غالية بنت فهر بن تيمور آل سعيد بمجموعة البيوت القديمة بما تحويه من معمار قديم وتراث عريق، وهو يرقى لأن يكون متحفاً عاماً وملتقى للمثقفين لما يمثله من أهمية للباحث والمتأمل لتاريخ عمان الحديث الذي يتمحور حول الإنسان العماني وكيفية تعايشه مع مستجدات القرن التاسع عشر وصولا إلى القرن العشرين والحادي والعشرين .
بدأ العمل في المتحف سنة 2005 بترميم السقوف ورصف المنطقة المحيطة والعمل على ربط البيوت ببعضها، ثم تهيئة الغرف لتتناسب مع المنظر العام الذي كان سائداً للبيوت العمانية أثناء الحقبة التاريخية التي تجسدها مقتنياته، وذلك دون المساس بجماليات البيوت، ويتناول الموضوع العام للمتحف حقبة زمنية معينة لا يتعداها هي الفترة ما بين 1950 وما بعد عصر النهضة العمانية الحديثة 1975 .
مدير المتحف مرتضى اللواتي يقول: إن متحف غالية للفنون الحديثة ليس كبقية المتاحف الموجودة في السلطنة، فهو لا يتحدث عما خلفه الإنسان العماني عبر العصور من تراث وأدوات إنما يتناول الإنسان العماني ذاته وكيفية تأقلمه وتعايشه مع العالم الحديث ومستجداته من لباس وابتكار وصناعات، ولذلك فهو متحف يصب جل اهتمامه في الإنسان العماني ليشاهد العالم ابتكاراته وتقبله ابتكارات الآخر ليجعل منها أداة خلاقة . وتصب أهداف المتحف في المجال الثقافي والفني أولاً من خلال تهيئة أرضية لكل متتبع للثقافة العمانية حيث يعد فرصة للدراسات العلمية بما يحويه من مقتنيات لازمت الإنسان العماني وكانت الانعكاس الحقيقي لثقافته وتاريخه وشمولية اندماجه مع العالم .
وحول مقتنيات المتحف يقول مرتضى اللواتي: إن المتحف يضم عدداً من البيوت العمانية ذات الطابع التقليدي الأصيل التي لم تغير الحداثة شيئا في مضمونها، والغرف في البيوت تعد أقساماً بذاتها وكلها تصب في الهدف الأساسي نفسه وهو الإنسان العماني وتعايشه، فالمرتكز الأساسي للغرف يتمثل بتعريف الزائر على نمط البيوت العمانية في الفترة من 1950 إلى ،1975 والتي كانت تتميز بمدينة مطرح ومطيرح ومسقط بطابع فريد تختلف عن غيرها من البيوت العربية الموجودة في منطقة الخليج العربي وهذا ما تشير إليه أقسام المتحف .
أما بالنسبة للمقتنيات، فهو يضم عدداً كبيراً من الأدوات المنزلية التي صنعت في السلطنة، إلى جانب ما تم جلبه من الخارج، وهي تتمثل في الأثاث المنزلي من أبواب وطاولات وكراسي يعود تاريخ بعضها إلى مئة سنة، وكذلك الأدوات المطبخية من النحاس الأحمر والأصفر، ومجموعة مقتنيات نادرة من بسط وملاءات وأسرة، إلى جانب راديوهات وهواتف ومصابيح الإنارة النادرة، وكذلك عدد من الكتب القيمة القديمة، والصور الفوتوغرافية النادرة، ومجموعه فريدة ونادرة من الحلي والفضيات وأدوات الزينة، وكذلك مجموعة من الأسلحة التقليدية، ومجموعة من الأزياء والملبوسات العمانية وغير العمانية .
وللمتحف مجموعة متكاملة لا تنفرد عن بعضها البعض، إلا أن إدارته هيأت عدداً من المرشدين السياحيين ليكونوا عوناً للزوار، كما تم إصدار مطبوعات تتناول موضوع المتحف وأهدافه بعدة لغات، وهو يلعب دوراً سياحياً مهماً يسهم في التعريف بالسلطنة ومقصداً للزوار والسياح، وهو مفتوح للجمهور العماني والسائح الأجنبي .
وحول الفعاليات والأنشطة الثقافية والفنية التي سيقيمها المتحف في الفترة المقبلة يقول مرتضى إنه سيكون الحلقة الوسط بين المتتبع للتراث العماني والباحث عن الثقافة العمانية والإنسان العماني وصولاً إلى تتويج الفكرة بملتقيات فنية وأدبية تثري الساحة الثقافية العمانية .
الدكتور محمد العامري - أستاذ المناهج وطرق تدريس الفنون التشكيلية المساعد في جامعة السلطان قابوس عضو اللجنة الاستشارية الدولية لتعليم الفنون في اليونسكو- يقول: إن افتتاح المتحف يشكل نقلة إبداعية فريدة في نوعها بما يحمله من آفاق جديدة ومدارات ثقافية وفنية تؤصل لخطاب جديد في عالم المتاحف، مشيراً إلى أن لمتاحف الفنون واقعاً في حياة الأمم والشعوب التي تتطلع إلى مستقبل آمن للفن الذي تمتلكه أو تنتجه أو الذي تتطلع إليه، وذلك من خلال المتاحف التي تعكس الذوق الرفيع والقيم الجمالية لأبناء هذه الحضارة والحضارات الأخرى عاكسة بدورها ثقافة المجتمع وتطلعاته، وأن أهمية وجود متاحف للفنون في المجتمعات تتعدى كونها تسجل وتحفظ التراث الفني والثقافي الخاص بها لتشكل أهمية خاصة في دفع عملية التذوق الفني والجمالي لدى الجمهور بشتى صنوفه واتجاهاته، كما أنها تعكس الأبعاد الثقافية والاجتماعية والجمالية في تلك المجتمعات مؤكدة السياق العام للحياة وإنجازات المجتمعات المدنية بشكل خاص، وتتعدى تلك الأهمية في تعليم تاريخ الفنون والإنتاج الفني بشكل عام لتشكل علاقة من نوع جديد بين المتحف ككيان مادي ومتلقي الأعمال الفنية، سواء أكان ذلك من خلال الزيارات المباشرة للمتاحف أو الاتصال غير المباشر بالمتاحف إلكترونياً .
ويقول الدكتور العامري: إن الإنتاج الحضاري للأمم مهما بلغ من قيمة ورقي فلن يكون بأمان إلا من خلال وجود المتاحف المتخصصة التي تحفظ للأمم والشعوب الوجه المشرق للأجيال القادمة لرؤية التاريخ في صورة مقتنيات فريدة يشهد لها الزمن، وإن هذا ما سعت إليه الدكتورة غالية بنت فهر آل سعيد في صون مقتنيات هذه الحضارة حيث هدفت من خلاله إلى زيادة انتعاش فهمنا للأشياء بدرجة أكثر عمقاً من مجرد القيم السطحية التي تتبادر للذهن من الوهلة الأولى، فمقتنيات هذا المتحف تساعد على إدراك تشعبات الموضوعات التي تم تنسيقها لترجمة القيم الوجدانية في صور بصرية يمكن رؤيتها والتفكير من خلالها، فإلى جانب الأهداف الخاصة به، يهدف المتحف إلى زيادة الوعي الفني والثقافي للمجتمع من خلال تحقيق التطور الثقافي والحضاري عامة والارتقاء بالسلوك الاجتماعي خلقاً، وأدباً، وفناً، ورقياً بالذوق العام مشخصاً تاريخ حقبة زمنية للأجيال القادمة، فهو عبارة عن بطاقة بصرية تعرف الأجيال بما كان عليه الآباء والأجداد من معتقدات وثقافات وفنون حتى تتسنى لهم مواصلة التطور الثقافي، والرقي الحضاري برؤى مستحدثة وتفكير إبداعي مرتبط بجذور فنية للإنسان العُماني .
ويعكس المتحف التراث العُماني الأصيل للعالم اليوم من خلال مقتنياته ومعروضاته الفريدة التي تم اقتناؤها بعناية خاصة من قبل السيدة غالية، والتي تعكس فلسفة حياة الإنسان العُماني من خلال استعراض تفاصيل ومكونات حقبة زمنية امتدت من 1950 إلى ما بعد عصر النهضة العُمانية ،1975 وهو يشكل مزاراً مختلفاً انطلاقاً من الموقع الفريد الذي يحتله واستقطابه للفنون الحديثة بين جدرانه البيضاء، كما يمثل أرضية جديدة للحركة الثقافية العمانية بكل أشكالها الأدبية والفنية والاجتماعية مشكلاً رافداً جديداً ليعكس للعالم مدى التطور الحقيقي للمشهد الثقافي والحضاري في عمان .
الدكتورة آسية البوعلي - مستشارة الثقافة والعلوم الإنسانية في مجلس البحث العلمي- تقول: إن المتحف يعد واحداً من المرايا الصادقة والرائعة لما تم إنجازه عبر سنوات النهضة العُمانية الحديثة حيث يعتبر نموذجاً تطبيقياً لنمو وتطور وعي الإنسان العماني من البساطة إلى التركيب الذي يستوعب اليوم قيمة المفردات الحياتية القديمة، ويعكس إدراك العقل العماني للماضي بمفرداته المتعددة، فهو ماض لا يستحق النبذ أو الرفض بل الاحتضان والتقييم، مشيرة إلى أنها تعرفت إلى الدكتورة غالية من خلال كتاباتها الإبداعية التي تتمثل في رواياتها الثلاث أيام في الجنة، وصابرة وأصيلة، وسنين مبعثرة، موضحة أن المتحف لايقف عند مضمونه في العرض الصامت للمقتنيات الحياتية القديمة التي تنتمي إلى حقبة زمنية محددة من تاريخ الإنسان العماني، بل يتجاوز العرض إلى العلاقة الديناميكية التي تعكس تبادل التأثر والتأثير بين هذا الإنسان ومقتنياته .
الحداثة والأصالة
يقول الدكتور جون هاينز أستاذ نظم المعلومات في كلية الاقتصاد ونظم وإدارة المعلومات في جامعة نزوى- إن المتحف فكرة رائعة يتجلى رونقه في الجودة الجمالية المرهفة التي تبوح لناظرها بكل أسرارها من الوهلة الأولى، فالبياض الذي يلف هذا المتحف بجدرانه وممراته يتنفس هواء عمان بكل عبقه، كما أن للمتحف رقة يلمسها الزائر مباشرة وكأنه يعود بالزمن إلى الخمسينيات والسبعينيات ليرى الحياة في عمان متجسدة في تلك التفاصيل الدقيقة في بيت العماني وفنه ومقتنياته وابتكاراته، ورغم أن الزائر لا يرى سوى البيت ومقتنياته إلا أنه يستشف من خلالها حقيقة العماني مشاعر ووجوداً وثقافة، كما أن للمعرض لمسة فنية حديثة تجعله بوتقة تنصهر فيها الحداثة والأصالة لتغمر الزائر بجو ربيعي وإثارة بلا حدود .
ويقول هاينز:عندما تابعت مراحل إنشاء هذا المتحف في بداياته فوجئت بفكرة تظهر من باطن المتحف وهي أنني لا ألتقي شخصاً أو أكثر وإنما ثقافة برمتها، فالمعروضات الحديثة المرتبطة بالحياة في الخمسينيات والستينيات تعطي انطباعاً بأن هوية العماني لا تتغير عبر العصور، وأن هذه الهوية إن اندمجت مع الابتكار فإنها تنتج عصراً جديداً يوظف الحداثة لترسيخ الماضي التليد .