الغربة كلمة دخلت في تفاصيل حياة الكثير من الناس ممن اختاروا مكاناً آخر للعيش لأسباب مختلفة، بعد أن يقرروا العودة إلى بلدهم بعد سنوات يصطدمون بواقع جديد يختلف عن الذي عاشوه في بلدهم قبل السفر فيشعرون بعدم التأقلم بعد عودتهم لبلدهم ليكون القرار إما بالرضوخ لهذا النمط الجديد والصعب من الحياة أو العودة إلى الاغتراب وطي صفحة الأحلام التي كانوا يتمنون تحقيقها في بلدانهم .
وهكذا يجدون أنفسهم في النهاية أمام حالة من الغربة، سواء بالعودة أو البقاء بعيداً .
محمد يوسف 60 سنة لم يكن يعلم أنه سيمر بتجربة طويلة مع الغربة عندما سافر من بلده نتيجة توافر فرصة عمل .
ويقول: كنت قررت السفر لسنة أو سنتين في أقصى احتمال، ولكن سني الغربة حفرت في ذاكرتي الكثير وأجد نفسي الآن محاطاً بمسؤوليات لا تنتهي، وتأثرت علاقتي بأهلي وأصدقائي نتيجة انقطاعي الطويل عنهم، وبعد أن عدت إلى وطني اكتشفت أنني غريب هناك أيضاً .
ويضيف: بعد عودتي من الغربة قررت الاستقرار، ولكني لم أتمكن من ذلك وعدت أدراجي إلى الغربة من جديد ولكني للأسف فقدت البريق الذي كنت أحلم به بالعودة إلى حياتي التي قضيتها أيام الطفولة والشباب، والصورة التي وجدتها بعد الغربة كانت مخالفة تماماً لذلك .
وتتشابه حالته مع حالة منصور حمدي موظف متقاعد في الشارقة الذي يقول: أكلت مني سنوات الغربة أجمل أيام العمر وصرت أبحث عن فرصة للتأقلم مع بلدي، ولكن لم أتمكن من ذلك لذا أزور الإمارات سنوياً مرة على أقل تقدير لاستعادة الذكريات هنا .
وعن عودته إلى مكان غربته التي اختارها منذ سنوات يقول: لم أكن أتخيل يوماً ما أنني سأعود إلى بلدي وأجد نفسي غريباً وسط التغيرات التي اجتاحت المكان والوجوه التي تغيرت بعد أن غدا الأطفال الذين ودعتهم في ذلك الوقت آباءً، وما كان يسري في ذلك الوقت أصبح شيئاً من الذكريات، خاصة بالنسبة للعلاقات الاجتماعية التي كانت تربطنا بجيراننا إذ إننا لم نكن نشعر بوجود حواجز بيننا، ولم نكن بحاجة إلى وسائل التواصل التي أصبح الجيل الجديد يعتمد عليها في تواصله مع الآخرين حتى داخل البيت بفضل التقنيات الجديدة منها الهاتف المحمول بمزاياه التواصلية العديدة عبر خدمة الإنترنت .
وتقول د . دلال الهلالات أستاذة الاتصال الإنساني في الجامعة الكندية في دبي: رغم أنني أعيش بعيداً عن بلدي ولكن أحس أنني مع أهلي وأصبحت تربطني ببلدي الزيارات التي أقوم بها بين الفترة والأخرى، بلدي الذي لم يتبق منه سوى ذكريات في الطفولة وزيارات الجيران، ورغم ذلك لا أفكر وأسرتي بالعودة لأنني لو عدت سأعيش غريبة لأنني لم أعد أعرف أحداً هناك .
وتشير الهلالات إلى أن سماع الأخبار عن الأهل في الوطن يجعلها وأفراد أسرتها يشعرون بالرغبة في العودة ولكن سرعان ما يزول ذلك الشعور .
وتقول صالحة بشير ربة منزل منذ أن بدأت بمرحلة الشباب وجدت نفسي في الغربة بعد أن تزوجت من شاب يعمل معلماً في المدرسة في الغربة منذ نحو 30 سنة، وبعد أن تعودت على مكان سكني يطلب مني زوجي أن ننتقل إلى بلدنا بعد أن تقاعد من عمله، ولا أستطيع أن أنفذ طلبه بسهولة، لأنني كونت وأبنائي وبناتي علاقات صداقة هنا ومن الصعب أن ننتقل إلى أي مكان آخر .
وتتذكر بشير أيامها التي قضتها في بلدها وتؤكد أنها ورغم تعلقها بتلك الأيام لكنها مجرد ذكرى ولا يربطها بها أي واقع، وتقول: لنفترض أننا انتقلنا من هنا فإنني متأكدة أننا لا نستطيع تكوين علاقات صداقة ناجحة لأبنائنا وبناتنا في أقل من سنة على أقل تقدير، وهو ما سينعكس سلباً عليهم، خاصة أن فكرة السفر مرفوضة تماماً من قبلهم .
وتدليلاً على أن الإنسان يتأقلم مع الواقع الذي يعيشه لا الذكريات تقول ايناس صبيان مديرة تسويق في دبي: بعد العيش فترة طويلة في الغربة لم أعد أشعر بالرغبة إلى العودة لوطني الذي ولدت فيه لأنني كوّنت مجتمعي هنا، لذا أعد الإمارات موطني الذي عشت فيه أغلبية سني حياتي، وعندما أزور بلدي أعد نفسي سائحة ولا أفكر بالإقامة فيه لأنني لا تربطني به علاقات وأحداث .
وعن العلاقة التي تربطها بأهلها تضيف: مع تزايد وسائل التواصل أصبحت تربطني بهم شبكة التواصل الاجتماعي التي أتاحت فرصاً أكبر لمتابعة أخبار بعضنا بعضاً .
ويوضح ريمون سعادة مسؤول تسويق في دبي أنه لم يفكر بالابتعاد عن بلده إلا لغرض الدراسة ثم العمل، ويعد أن أول فترة من السفر خارج البلد صعبة ثم سرعان ما يتأقلم المسافر مع المكان الذي يسافر إليه . ويقول: هذا ما حدث معي، وحالياً لا أريد العودة إلى بلدي واكتفي فقط بالزيارات لأنني اعتدت هنا على نمط معين من المعيشة ولا أريد أن أغيره، وبما أنني أعيش في بلد عربي لا أعتبر نفسي في الغربة، لذا بعد استقرار أوضاعي هنا جلبت والديّ ليعيشا معي .
ويقول خالد أحمد محاسب في دبي الذي قضى أكثر من خمس سنوات في الغربة ويستعد حالياً للاستقرار في بلده للزواج والبدء بحياة جديدة: خلال إقامتي لم أفكر أنني سأستقر هنا، ولكن بعد القرار الذي اتخذته مؤخراً أشعر الآن أنني أودع بلدي الأصلي، لذا صرت ضائعاً بين المكانين، لأن فكرة الاستقرار في بلدي لن تتم بالسرعة التي كنت أتوقعها بعد قضاء فترة طويلة من الاغتراب عنه .
وعن الأسباب التي تدفع الشباب للاغتراب قال أحمد: للأسف الكثير من الشباب يدفعه روح المغامرة وخوض التجارب في مقتبل العمر لبناء مستقبل عملي ويغفلون عن الجانب النفسي على المدى البعيد لنتائج تفكيرهم، إذ إنهم سيجدون أنفسهم في نهاية المطاف أمام معادلة صعبة جداً وهي البقاء في الغربة على حساب العيش بين الأهل والمعارف على أرض الوطن وبين العيش لسنوات في الغربة والعودة غريباً إلى الوطن والوقوع في مطب الحيرة في اختيار المكان المناسب للاستقرار .
وتروي نسرين بدران ربة منزل تجربة أحد أقربائها المريرة مع الغربة بعد 13 سنة من الابتعاد عن بلده والعيش في بلد آخر نتيجة ظروف خاصة به، وبعد قرار العودة اكتشف أن العالم الذي كان يتصوره في خياله عن بلده بعيد كلياً عن تلك الصورة، وبالمقابل فإن الآخرين يشعرون أنه قد تغير . وتقول: بعد أن عاد إلى بلده بدأ الكل يشعره أنه تغير ولم يعد يحبهم كما في السابق لذا فإنه عندما كان يجلس معهم يحس أنه غريب لعدم انسجامه مع المواضيع التي يتكلمون فيها، وذلك بعد أن كان يفكر بهم لحظة بلحظة . وتضيف: هناك من كان يتعامل معهم ببساطة وعفوية يجدهم الآن تغيروا في تعاملهم نتيجة تحسن أوضاعهم المادية وبالتالي لم يجدوا ما يربطهم به أن كان على ثقة في السابق أنهم لن يتغيروا أبداً، إضافة إلى الفراغ الذي أحس به نتيجة غياب أناس لسفرهم إلى بلدان أخرى ولم تبق منهم سوى الذكريات التي كانت تربطه بهم .
وتؤكد بدران أن قريبها ما زال يعيش حالة من الصراع مع نفسه للتأقلم بصورة إجبارية مع واقعه الجديد وحياته التي عاد إليها بعد سنين من الغربة والانقطاع ليربط أيامه القادمة بالذكريات التي يحملها عن السابق .
ويشير مؤيد أمين مهندس كهرباء في دبي إلى أنه كانت تربطه علاقة قوية جداً بأحد أقربائه منذ الطفولة، إذ إنهما كانا يقضيان أوقاتهما كلها معاً وبعد أن أصبحا شابين قرر قريبه أن يسافر لغرض الدراسة في الخارج، في البداية كان الأمر صعباً عليه ولكنه تأقلم شيئاً فشياً وطوى صفحة صداقتهما إلى أن تخرج قريبه وعاد بشخصية مغايرة تماماً لما عهده عليها في السابق، لذا انتابه شعور غريب عن الغربة وعن كل شخص يغترب عن أهله وأصدقائه لأنه لا يعود كما كان عليه في السابق .
وعن مصير علاقتهما حالياً يوضح أنها أصابتها الفتور إلى أن وصلا لدرجة يلتقيان في المناسبات فقط وكأنه لم تربطهما علاقة قوية سابقاً .
وبدوره أشارت شيماء مصطفى اختصاصية اجتماعية أن الغربة هي تغيير المحيط الاجتماعي من المكان الذي نشأ فيه الفرد إلى آخر بعد أن تأقلم مع ظروفه، ما يؤدي إلى تغيير نمط حياته واكتساب مهارات جديدة، وهناك من يتأقلم بعد الغربة وآخر لا، والذين يتأقلمون يتعايشون مع وضعهم الجديد حتى لو كان تفكيرهم غير مستقر، وهذا ما يجعل حالتهم الصحية والنفسية والتعامل والتفكير يتم بشكل إيجابي، أما الذين لا يتأقلمون فإن صحتهم ونفسيتهم تكون مهددة ويتوصلون لنتائج سلبية .
وبالتركيز على العائدين من الغربة وطريقة تأقلمهم مع واقعهم الجديد قالت مصطفى: كما أنه أثناء الغربة هناك من يتأقلمون وآخرون لا، فإن العودة من الغربة تضع أصحابها أمام بابين، الأول التأقلم مع وطنهم، حيث يقومون بصنع أجواء مطابقة للتي عاشوها قبل الغربة وينعمون براحة بال وطمأنينة ولا يوجد ما يعيق راحتهم، أما الصنف الآخر فإنه من الممكن أن تسوء حالتهم ويتحولوا إلى أفراد عدائيين وتنقلب حياتهم رأساً على عقب، لذا فإنهم يفكرون ومنهم من يعود بالفعل إلى غربتهم ويتخبطون في التناقض بين أنفسهم ورغبتهم في العودة إلى وطنهم وتركه مجدداً ما يسبب قلقاً لهم في غربتهم الجديدة .
وأكدت مصطفى في نهاية حديثها أنه للتأقلم مع أي مكان نعيش فيه، سواء أكان في الوطن أو الغربة، علينا أن ننظر لمزاياه الإيجابية لا السلبية كي نتأقلم مع واقعنا من دون عناء .