في شهر رمضان من السنة الثانية للهجرة، سمع النبي صلى الله عليه وسلم، أن هناك قافلة لقريش بقيادة أبي سفيان قادمة من رحلة الشام، فقال الرسول صلى الله عليه وسلم لأصحابه: هذه عير قريش فيها أموالهم، فاخرجوا إليها لعل الله ينفلكموها أي لعل الله يعوضكم عن أموالكم ودياركم التي استولى عليها الكفار في مكة.

ولما بلغ أبا سفيان خروج النبي صلى الله عليه وسلم، أرسل إلى قريش ضمضم الغفاري يستصرخهم لنجدة أموالهم، فأسرع أشراف قريش وتجهزوا للحرب وحشدوا قبائل العرب ولم يتخلف سوى بني عدي.

واتخذ أبو سفيان طريق ساحل البحر- بعيدا عن طريق القوافل- واستطاع بدهائه أن ينجو بالقافلة من أيدي المسلمين، ثم أرسل إلى قريش أن يرجعوا فقد نجا، وارتاح الكثير من زعماء قريش لنجاة القافلة لأنهم لا يريدون الدخول في حرب مع إخوانهم وأبناء عمومتهم، ولكن أبا جهل رفض وأراد أن يخرج ليرهب المسلمين.

علم الرسول صلى الله عليه وسلم أن القافلة نجت، وعلم أيضا بخروج قريش، ورأى بعض المسلمين أن يرجعوا إلى المدينة لأنهم لم يخرجوا لحرب قريش، بل خرجوا للقافلة ولكن الرسول صلى الله عليه وسلم، أصر على الحرب لأن قريشاً خرجت، ولو عاد المسلمون إلى المدينة فسيُفَسَر الأمر على أنه ضعف وعجز منهم، وتضيع هيبتهم بين العرب.

إيمان راسخ

وأخذ النبي صلى الله عليه وسلم، يفكر في مواجهة هذا الأمر العصيب -فبحكم البشر- كانت المقارنة محسومة لصالح قريش فعدد قواتها أضعاف جيش المسلمين، وكثير من المسلمين غير مهيئين للقتال، كما أن معاهدة بيعة العقبة الثانية مع الأنصار تنص على الدفاع عن النبي صلى الله عليه وسلم داخل المدينة وليس خارجها، فاستشار أصحابه في أمر الخروج للحرب، حتى يعرف بوضوح موقف كل من المهاجرين والأنصار.

تكلم أبو بكر وعمر- رضي الله عنهما- فأحسنا الكلام، ثم قام المقداد بن عمرو فقال: يا رسول الله امض لما أمرك الله فنحن معك، والله لا نقول لك كما قالت بنو اسرائيل لموسى اذهب أنت وربك فقاتلا إنا ها هنا قاعدون، ولكن نقول: إذهب أنت وربك فقاتلا إنا معكما مقاتلون، فقال له الرسول صلى الله عليه وسلم. خيرا، ودعا له.

عرف رسول الله صلى الله عليه وسلم، رأي المهاجرين ولكنه أراد أن يعرف رأي الأنصار أيضا، فقال أشيروا علي أيها الناس، فقام سعد بن معاذ وقال: والله لكأنك تريدنا يارسول الله، قال: أجل، قال: امض يارسول الله لما أردت فنحن معك، فوالذي بعثك بالحق لو استعرضت بنا هذا البحر، فخضته لخضناه معك ما تخلف منا رجل واحد، فسر بنا على بركة الله.

سُرَ رسول الله صلى الله عليه وسلم بقول زعيم الأنصار، وقال: سيروا وأبشروا فإن الله تعالى قد وعدني إحدى الطائفتين، والله لكأني الآن أنظر إلى مصارع القوم.

وبُني لرسول الله صلى الله عليه وسلم عريش يكون فيه على تل يشرف على المعركة ومشى في موضع المعركة وجعل يشير بيده: هنا مصرع فلان، وهنا مصرع فلان، وهنا مصرع فلان إن شاء الله فما تعدى أحد منهم موضع إشارته.

يا رسول الله أبشر

التقى الجمعان وكان عدد جيش قريش حوالي تسعمائة وخمسين، وجيش المسلمين يزيد على الثلاثمائة قليلا، قال تعالى: يا أيها النبي حرض المؤمنين على القتال إن يكن منكم عشرون صابرون يغلبوا مائتين وإن يكن منكم مائة يغلبوا ألفا من الذين كفروا بأنهم قوم لا يفقهون (الأنفال 65)، واستهانت قريش عندما علمت أن جيشها أكثر من ثلاثة أضعاف جيش المسلمين، فلما طلع المشركون وتراءى الجمعان قال رسول الله صلى الله عليه وسلم اللهم هذه قريش جاءت بخيلائها وفخرها، جاءت تحادك وتكذب رسولك، وقام ورفع يديه واستنصر ربه وقال اللهم أنجز لي ما وعدتني، اللهم إني أنشدك عهدك ووعدك، فقال الصديق من ورائه يا رسول الله أبشر فوالذي نفسي بيده لينجزن الله لك ما وعدك، فأجاب الله تعالى: إذ تستغيثون ربكم فاستجاب لكم أني ممدكم بألف من الملائكة مردفين* وما جعله الله إلا بشرى ولتطمئن به قلوبكم وما النصر إلا من عند الله (الأنفال 9 10).

وطمأن الله نبيه أن النصر قريب، وأن الله سيلقي الرعب في قلوب الكافرين إذ يوحي ربك إلى الملائكة أني معكم فثبتوا الذين ءامنوا سألقي في قلوب الذين كفروا الرعب فاضربوا فوق الأعناق واضربوا منهم كل بنان (الأنفال: 12).

وبدأت المعركة حين أمر أبو جهل أخا عمرو بن الحضرمي (قتيل سرية نخلة) أن يطلب دم أخيه عمرو، فصرخ: واعمراه، فحمي القوم ونشبت الحرب وخرج عتبة وشيبة ابنا ربيعة، والوليد بن عتبة، يطلبون المبارزة فخرج إليهم ثلاثة من الأنصار عبد الله بن رواحة، وعوف ومعوذ ابنا عفراء، فقالوا لهم من أنتم؟ فقالوا: من الأنصار. قالوا: أكفاء كرام وإنما نريد بني عمنا، فبرز إليهم علي وعبيدة بن الحارث وحمزة، فقتل علي الوليد وقتل حمزة عتبة واقتتل عبيدة وشيبة فكر عليّ وحمزة على شيبة فقتلاه واحتملا عبيدة وقد قطعت رجله.

ثم حمي الوطيس واشتد القتال وأخذ رسول الله صلى الله عليه وسلم في الدعاء والابتهال ومناشدة ربه عز وجل، وقام في الناس فوعظهم وذكرهم بثواب الله الآجل وأخبرهم أن الله قد أوجب الجنة لمن استشهد في سبيله فقام عمير بن الحمام، فقال يا رسول الله جنة عرضها السماوات والأرض؟ قال:نعم. قال بخ بخ يا رسول الله، قال ما يحملك على قولك بخ بخ؟ قال لا والله يا رسول الله إلا رجاء أن أكون من أهلها، قال: فإنك من أهلها فأخرج عمير تمرات فجعل يأكل منهن ثم قال لئن حييت حتى آكل تمراتي هذه إنها لحياة طويلة فرمى بما كان معه من التمر ثم قاتل حتى قتل، فكان أول شهيد.

نصر إلهي

وملأ رسول الله صلى الله عليه وسلم كفه من الحصباء فرمى بها وجوه العدو فلم تترك رجلا منهم إلا ملأت عينيه وشغلوا بالتراب في أعينهم وشغل المسلمون بقتلهم فأنزل الله في شأن هذه الرمية على رسوله وما رميت إذ رميت ولكن الله رمى (الأنفال 17).

ولما انقضت الحرب وقف رسول الله صلى الله عليه وسلم على القتلى فقال بئس عشيرة النبي كنتم لنبيكم، كذبتموني وصدقني الناس وخذلتموني ونصرني الناس وأخرجتموني وآواني الناس ثم أمر بهم فسحبوا إلى قليب من قلب بدر، فطرحوا فيه ثم وقف عليهم فقال يا عتبة بن ربيعة ويا شيبة بن ربيعة، ويا فلان ويا فلان هل وجدتم ما وعدكم ربكم حقاً؟ فإني وجدت ما وعدني ربي حقاً، فقال عمر بن الخطاب: يا رسول الله ما تخاطب من أقوام قد جيفوا؟ فقال والذي نفسي بيده ما أنتم بأسمع لما أقول منهم ولكنهم لا يستطيعون الجواب.

واستشهد من المسلمين يومئذ أربعة عشر رجلا: ستة من المهاجرين وثمانية من الأنصار وتحقق وعد الله للنبي صلى الله عليه وسلم والمسلمين، ونصرهم الله وجعل كلمة المسلمين هي العليا، ورجع من بقي من جيش قريش إلى مكة يجر أذيال الخيبة والهزيمة، وقد قُتل من قُتل وأُسر من أُسر، وأعز الله المسلمين بعد ذلة، ودخل النبي صلى الله عليه وسلم المدينة ظافرا منصورا، فأسلم بشر كثير من أهل المدينة، ودخل حينئذ عبد الله بن أُبي المنافق وأصحابه في الإسلام ظاهرا.

الكلمة الأخيرة:

قال تعالى: ولقد نصركم الله ببدر وأنتم أذلة فاتقوا الله لعلكم تشكرون (آل عمران 123).