عندما كانت تحدث بعض الغيرة بين أمهات المؤمنين كان رسول الله صلى الله عليه وسلم يتدخل بشيء من المزاح والدعابة حتى يذهب من نفوسهن الغيرة التي تنشأ طبيعياً بين الضرائر. يذكر مجدي محمد الشهاوي في كتابه «مواقف فرح فيها الرسول صلى الله عليه وسلم» في حديث أنس بن مالك: كان النبي صلى الله عليه وسلم عند بعض نسائه، فأرسلت إحدى أمهات المؤمنين بصحفة فيها طعام. فضربت التي النبي صلى الله عليه وسلم في بيتها يد الخادم فسقطت الصحفة فانفلقت. فجمع النبي صلى الله عليه وسلم فلق الصحفة، ثم جعل يجمع فيها الطعام الذي كان في الصحفة ويقول «غارت أمكم». ثم حبس الخادم حتى أتى بصحفة من عند التي هو في بيتها، فدفع الصحفة الصحيحة إلى التي كسرت صحفتها، وأمسك المكسورة في بيت التي كسرت فيه». (البخاري وأبو داود والنسائي وابن ماجة)

وقد استدل الحافظ بن حجر أن التي كسرت الإناء هي عائشة رضي الله عنها، وأن التي أرسلت الطعام هي زينب بنت جحش.
وقد وقع قريب من هذا لعائشة مع أم سلمة.. فقد أرسلت إلى النبي صلى الله عليه وسلم بطعام في صحفة، فجاءت عائشة متزرة بكساء ومعها فهر( أي حجر)، ففلقت به الصحفة، وحدث نحو هذا مع حفصة أيضاً.
«مهلاً يا أبا بكر»
عن أم المؤمنين عائشة رضى الله عنها قالت: كان متاعي فيه خف، وكان على جمل ناج، وكان متاع صفية فيه ثقل. وكان على جمل ثقال بطئ يبطئ بالركب. فقال رسول الله صلى الله عليه وسلم: «حولوا متاع عائشة على جمل صفية، وحولوا متاع صفية على جمل عائشة، حتى يمضي الركب». قالت عائشة: فلما رأيت ذلك، قلت: يا لعباد الله غلبتنا هذه اليهودية على رسول الله صلى الله عليه وسلم. فقال صلى الله عليه وسلم: «يا أم عبد الله، إن متاعك كان فيه خف، وكان متاع صفية فيه ثقل فأبطأ بالركب، فحولنا متاعها على بعيرك، وحولنا متاعك على بعيرها». قالت: ألست تزعم أنك رسول الله ؟! فهلا عدلت؟! قالت: وسمعني أبو بكر، وكان فيه حدة، فأقبل علي ولطم وجهي. فقال رسول الله صلى الله عليه وسلم: «مهلاً يا أبا بكر». فقال: يا رسول الله أما سمعت ما قالت؟ فقال صلى الله عليه وسلم: «إن الغيرى لا تبصر أسفل الوادي من أعلاه».
ومن كلمات الدعابة للنبي صلى الله عليه وسلم، صح عن أنس بن مالك رضي الله عنه أن النبي صلى الله عليه وسلم كان في مسير له، وكان حاد يحدو بنسائه أو سائق، وهو غلام أسود يقال له «أنجشة»، وكان حسن الصوت، فاشتد في السياقة. فقال له رسول الله صلى الله عليه وسلم: «يا أنجشة رويداً سوقك بالقوارير». وفى رواية: «ارفق يا أنجشة ويحك بالقوارير». يعني بالقوارير ضعفة النساء. (والقوارير جمع قارورة، وهي الزجاجة، كنّى عن النساء القوارير لرقتهن وضعفهن عن الحركة، والنساء يشبهن بالقوارير في الرقة واللطافة وضعف البنية).
زينب وجمل صفية
ويذكر الشيخ أبو إسلام أحمد بن علي في كتابه «40 موقفاً غضب فيها النبي صلى الله عليه وسلم»: «عن صفية بنت حيي أن النبي صلى الله عليه وسلم حج بنسائه فلما كان في بعض الطريق نزل رجل فساق بهن فأسرع فقال النبي صلى الله عليه وسلم «كذاك سوقك بالقوارير» فبينا هم يسيرون برك بصفية بنت حيي جملها وكانت من أحسنهم ظهراً، فبكت وجاء رسول الله صلى الله عليه وسلم حين أخبر بذلك فجعل يمسح دموعها بيده وجعلت تزداد بكاء وهو ينهاها فلما أكثرت زبرها وانتهرها وأمر الناس بالنزول فنزلوا ولم يكن يريد أن ينزل قالت فنزلوا وكان يومي فلما نزلوا ضرب خباء النبي صلى الله عليه وسلم ودخل فيه قالت فلم أدر علام أهجم من رسول الله صلى الله عليه وسلم وخشيت أن يكون في نفسه شيء مني فانطلقت إلى عائشة فقلت لها تعلمين أني لم أكن أبيع يومي من رسول الله صلى الله عليه وسلم بشيء أبداً وإني قد وهبت يومي لك على أن ترضي رسول الله صلى الله عليه وسلم عني قالت: نعم فأخذت عائشة خماراً لها قد ثردته بزعفران فرشته بالماء ليذكى ريحه ثم لبست ثيابها ثم انطلقت إلى رسول الله صلى الله عليه وسلم فرفعت طرف الخباء فقال لها مالك يا عائشة إن هذا ليس بيومك قالت: ذلك فضل الله يؤتيه من يشاء فقال: مع أهله، فلما كان عند الرواح قال لزينب بنت جحش: يا زينب أفقري أختك صفية جملاً وكانت أكثرهن ظهراً فقالت أن أفقر يهوديتك؟ فغضب النبي صلى الله عليه وسلم حين سمع ذلك منها فهجرها فلم يكلمها حتى قدم مكة وأيام منى في سفره حتى رجع إلى المدينة المحرم وصفر فلم يأتها ولم يقسم لها ويئست منه فلما كان شهر ربيع الأول دخل عليها فرأت ظله فقالت إن هذا لظل رجل وما يدخل علي النبي صلى الله عليه وسلم فمن هذا ؟ فدخل النبي صلى الله عليه وسلم فلما رأته قالت يا رسول الله ما أدري ما أصنع حين دخلت علي قالت: وكانت لها جارية وكانت تخبئها من النبي صلى الله عليه وسلم فقالت: فلانة لك فمشى النبي صلى الله عليه وسلم إلى سرير زينب وكان قد رفع فوضعه بيده ثم أصاب أهله ورضي عنهم. ( مسند أحمد بن حنبل)
سيد الشهداء
يذكر مجدى محمد الشهاوى في كتابه «مواقف حزن فيها الرسول صلى الله عليه وسلم». عن جابر بن عبد الله رضي الله تعالى عنه قال: فقد رسول الله صلى الله عليه وسلم يوم أحد حمزة حين فاء الناس من القتال، فقال رجل: رأيته عند تلك الشجرات وهو يقول: أنا أسد الله وأسد رسوله، اللهم أبرأ إليك مما جاء به هؤلاء (أبو سفيان وأصحابه) وأعتذر إليك مما صنع هؤلاء بانهزامهم، فحنا رسول الله صلى الله عليه وسلم نحوه فلما رأى جنبه بكى، ولما رأى ما مثل به شهق، ثم قال: «ألا كفن؟». فقام رجل من الأنصار فرمى بثوب عليه، ثم قام آخر فرمى بثوب عليه، فقال: «يا جابر هذا الثوب لأبيك، وهذا لعمي حمزة». ثم جيء بحمزة فصلى عليه، ثم يجاء بالشهداء فتوضع إلى جانب حمزة فيصلي، ثم ترفع، ويترك حمزة حتى صلى على الشهداء كلهم».
قال جابر: «فرجعت وأنا مثقل قد ترك أبي علي ديناً وعيالاً، فلما كان عند الليل أرسل إلي رسول الله صلى الله عليه وسلم فقال: «يا جابر إن الله تبارك وتعالى أحيا أباك وكلمه كلاماً». قلت: وكلمه كلاماً؟! قال: «قال له: تمنّ، فقال: أتمنى أن ترد روحي وتنشئ خلقي كما كان، وترجعني إلى نبيك فأقاتل في سبيل الله فأقتل مرة أخرى، قال إني قضيت أنهم لا يرجعون». قال: وقال صلى الله عليه وسلم: «سيد الشهداء عند الله يوم القيامة حمزة».
أخرج البخاري في تاريخه عن أبى أسيد قال: كنا عند دفن حمزة فكانت بردة أو نمرة، فإذا غطينا وجهه انكشفت رجلاه، وإذا غطينا رجليه انكشف رأسه، فجعلنا في رأسه وعلى رجليه شيئاً، فبكوا فقال النبي صلى الله عليه وسلم: «ما يبكيكم ؟». قالوا: لا يجد عمك ما يكفن في ثوب. قال: «يأتي على الناس زمن يخرجون إلى الآفاق فيصيبون فيها مطعماً ومكسباً ومركباً، فيكتبون إلى أهليهم والمدينة خير لهم لو كانوا يعلمون، ولا يصبر على لأوائها وشدتها أحد إلا كنت له شهيداً أو شفيعاً يوم القيامة».
وأخرج ابن أبى شيبة والحاكم وصححه عن أنس قال: كفن حمزة في نمرة، كانوا إذا مدوها على رأسه خرجت رجلاه، فأمرهم النبي صلى الله عليه وسلم أن يمدوها على رأسه، ويجعلوا على رجليه من الأذخر وقال: «لولا أن تجزع صفية لتركنا حمزة فلم ندفنه حتى يحشر من بطون الطير والسباع».