فاقت شهرة مدينة فاس الآفاق، واشتهرت علة وجه الخصوص بجامعتها العريقة، جامعة القرويين، التي تعتبر من أقدم الجامعات في العالم، بالنظر إلى الأسلوب العلمي المتقدم في ذلك الوقت.

وفاس، ليست مدينة عادية شيدت في الأمس القريب، بل إن رمزيتها تمتد إلى هوية الدولة المغربية، كما أنها على مدار التاريخ، قدمت نخبة مميزة، هي التي تولت أمور الإدارة في المغرب، بسبب أهلية قاطني المدينة، وشيوع نسبة التعليم فيهم، لوجود جامعة القرويين العريقة.

وتعرف فاس أيضا بأبوابها، فهناك باب دكالة وباب بوجلود والصباغين والعطارين، وغيرها من الأبواب التي كانت هي المداخل الوحيدة إلى المدينة القديمة المسورة. وهي بذلك صمدت طويلا أمام الهجمات التي كانت تشنها القبائل المجاورة للمدينة، وبالأخص قبيلة الحيايينة الشرسة التي دخلت غير ما مرة في القرون السابقة إلى المدينة مستولية على مالها وحريمها، فالجمال الفاسي أمر مشهود به ولا يحتاج إلى برهان.

يرجع تاريخ تأسيس مدينة فاس إلى نهاية القرن الثامن الميلادي إبان مجيء إدريس الأول إلى المغرب سنة 789م، حيث بنيت النواة الأولى للمدينة على الضفة اليمنى لوادي فاس في حي الأندلسيين. وفي سنة 808م أسس إدريس الثاني مدينة جديدة على الضفة اليسرى لوادي فاس بحي القيروانيين نسبة إلى أصل سكانه المنحدرين من مدينة القيروان في إفريقيا.

وكانت عدوة الأندلسيين محاطة بالأسوار، تخترقها ستة أبواب ولها مسجد جامع. وفي المدينة القديمة المقابلة قام إدريس الثاني كذلك ببناء سور ومسجد بالإضافة إلى قصر وسوق.

وعرفت فاس في ذلك العهد انتعاشا اقتصاديا وعمرانيا منقطع النظير، لموقعها في منطقة سهل سايس الخصبة، ولتوفر موارد متعددة ومتنوعة ضرورية للبناء فيها كمادتي الخشب والأحجار المتوفرة في غابات ومقالع الأطلس المتوسط القريب، بالإضافة إلى وفرة الملح والطين المستعمل في صناعة الخزف.

موقع استراتيجي

تحظى فاس بموقع استراتيجي مهم باعتبارها ملتقى للطرق التجارية بين الشرق والغرب خاصة تلك التي كانت تربط سجلماسة بشمال المغرب. كما شكل سكان المدينة خليطا من أمازيغ الأطلس المتوسط والقيروانيين والأندلسيين واليهود الذين ساهموا في تطورها العمراني والاقتصادي والثقافي.

في سنة 857 م قامت فاطمة الفهرية بتشييد جامع القرويين بالضفة اليسرى لوادي فاس الذي تم توسيعه في ما بعد من طرف يوسف بن تاشفين المرابطي (1061-1060م)، بعد استيلائه على المدينة سنة 1069م، كما عمل على توحيد الضفتين داخل سور واحد وساهم في إنعاش الحياة الاقتصادية ببناء الفنادق والحمامات والمطاحن.

وبعد حصار دام تسعة أشهر، استولى الموحدون على المدينة سنة 1143م. تحت حكم الدولة المرينية، عرفت مدينة فاس عصرها الذهبي إذ قام أبو يوسف يعقوب (1286-1258م) ببناء فاس الجديد في سنة 1276م حيث حصنها بسور وخصها بمسجد كبير وبأحياء سكنية وقصور وحدائق.

وخلال القرن السابع عشر عرفت فاس بناء حي خاص باليهود يعتبر أول ملاح في المغرب.

وبعد فترة طويلة من التدهور والتراجع بسبب القلاقل التي عرفتها البلاد، احتل السعديون المدينة سنة 1554م. وبالرغم من انتقال عاصمة الحكم إلى مراكش خص السعديون مدينة فاس ببعض المنجزات الضخمة كتشييدهم لأروقة جامع القرويين وعدد من القصور وترميم أسوار المدينة وبناء برجين كبيرين في الجهتين الشمالية والجنوبية لمدينة فاس.

ونتيجة للاضطرابات التي عرفتها الدولة السعدية انقسمت فاس إلى مدينتين: فاس الجديد وفاس البالي. وفي سنة 1667م، تمكن العلويون من الاستيلاء عليها. وبصفة عامة عرفت هذه الحاضرة تحت حكم العلويين إنجاز عدة معالم نذكر منها على الخصوص فندق النجارين ومدرسة الشراطين وقصبة الشراردة الواقعة خارج فاس الجديد وقصر البطحاء.

توسعة وإضافات

يعتبر جامع القرويين من أشهر المساجد بالمغرب، بني سنة 857م من طرف فاطمة الفهرية، وقد أضيفت إليه الصومعة من طرف الأمراء الزناتيين سنة 956م. يعود معظم تصميم المسجد إلى الفترة المرابطية (القرن 12م) التي شهدت أيضا بناء القباب الجبسية المنتشرة بالبلاط المحوري لقاعة الصلاة (وضع المنبر). في حين شهد المسجد عدة إضافات في الفترات الموالية خاصة خزانة الجامع وبيت الوضوء.

ويوجد في فاس أيضا مسجد تاريخي هو مسجد الأندلسيين، وقد بني هذا المسجد سنة 859-860م من طرف مريم أخت فاطمة الفهرية لكن تصميمه الحالي يعود في مجمله إلى فترة حكم الناصر الموحدي. وقد عرف إضافة نافورة ماء وخزانة في العهد المريني. خلال الفترة العلوية قام السلطان المولى إسماعيل بعدة إصلاحات.

وبالنسبة لجامع القرويين فقد قام أهل المدينة وحكامها بتوسعة المسجد وترميمه والقيام بشؤونه. وأضاف الأمراء الزناتيون بمساعدة من أمويي الأندلس حوالي 3 آلاف متر مربع إلى المسجد وقام بعدهم المرابطون بإجراء توسعة أخرى.

ولا تزال الصومعة المربعة الواسعة في المسجد قائمة إلى الآن من يوم توسعة الأمراء الزناتيين، وتعد هذه الصومعة أقدم منارة مربعة في بلاد المغرب العربي.

قام المرابطون بإجراء إضافات على المسجد فغيروا من شكل المسجد الذي كان يتسم بالبساطة في عمارته وزخرفته وبنائه إلا أنهم حافظوا على ملامحه العامة. كان هناك تفنن من قبل المعماريين في صنع القباب ووضع الأقواس ونقش آيات القرآن والأدعية. أبرز ما تركه المرابطون في المسجد هو المنبر الذي لا يزال قائما إلى اليوم. بعد المرابطين، قام الموحدون بوضع الثريا الكبرى والتي تزين المسجد الفاسي إلى اليوم. لمسجد القرويين سبعة عشر بابا وجناحان يلتقيان في طرفي الصحن الذي يتوسط المسجد. كل جناح يحتوي على مكان للوضوء من المرمر، وهو تصميم مشابه لتصميم صحن الأسود في قصر الحمراء في الأندلس.

عرف الجامع المزيد من الاهتمام في مجال المرافق الضرورية فزين بالعديد من الثريات والساعات الشمسية والرملية وأضيفت للمسجد مقصورة القاضي والمحراب الواسع وخزانة الكتب والمصاحف. طراز الجامع المعماري بشكل عام هو الطراز المعماري الأندلسي.

حلقات العلم

بعد بناء الجامع قام العلماء بإنشاء حلقات لهم فيه، كان يجتمع حولها العديد من طلاب العلم، وبفضل الاهتمام الفائق بالجامع من قبل حكام المدينة المختلفين تحولت فاس إلى مركز علمي ينافس مراكز علمية ذائعة الصيت كقرطبة وبغداد.

يعتقد أن القرويين قد انتقل من مرحلة الجامع إلى مرحلة البداية الجامعية في العهد المرابطي، حيث قام العديد من العلماء باتخاذ المسجد مقرا لدروسهم. حسب النصوص المتوفرة فإن القرويين دخل مرحلة الجامعة الحقيقية في العصر المريني حيث بنيت العديد من المدارس حوله وعزز الجامع بالكراسي العلمية والخزانات، وخزانة القرويين هي مكتبة جامع القرويين في مدينة فاس، ويرجع تاريخ إنشائها إلى منتصف القرن الثامن الهجري.

وكانت في البداية مكتبة صغيرة أنشئت إلى جانب جامع القرويين لمساندة مهمته في التدريس، إلى أن قام السلطان المريني أبو عنان بالاعتناء بها رسميا عام 750 ه/1349 م، ووضع لها قانونا للقراءة والمطالعة والنسخ وزودها بكتب نفيسة في مختلف العلوم والفنون.

ومن معالم فاس، هناك المدرسة البوعنانية وتعد هذه المدرسة التي أسسها السلطان أبو عنان المريني ما بين 1350-،1355 من أشهر مدارس فاس والمغرب فبالإضافة إلى دورها كمؤسسة لتعليم وإقامة الطلبة، كانت تقام فيها صلاة الجمعة. فيها صومعة جميلة البناء والزخرفة إضافة إلى ساعة مائية تقنية تشغيلها مجهولة.

وفي مدينة فاس وحدها يمكن أن تتيه في أزقتها الضيقة، وأن تقبض عليك المدينة بجمالها الأندلسي الخاص، وبعمارة بيوتها، وبأسواقها الشعبية في منطقة البطحاء، حيث يوجد بها، أهم ما جادت به يد الصانع التقليدي من إبداع.