داخل بيت أسس على التعاون والإخلاص والاهتمام بالأبناء ولدت وترعرعت فاطمة إبراهيم القلاف مديرة مركز التنمية الاجتماعية بكلباء، وداخله صنعت من نفسها طرازاً فريداً للمرأة الطموحة، ولم تعقها وفاة والدها من التميز وعوضت غيابه بمساندة والدتها لها باستمرار، التي أصبحت مثلها الأعلى الذي يقتدى به .

اصطحبها قطار التعليم بعد المرحلة الثانوية إلى الولايات المتحدة الأمريكية وتعلمت من غربتها معنى التحدي والإصرار . ترى فاطمة القلاف أن استقرارها الأسري هو أكبر نجاح ومن أعظم النعم التي أعطاها الله إياها وسره هو الإخلاص والمحبة والتفاهم والرعاية الأسرية بكافة نواحيها .

فاطمة القلاف لم تعرف للطموح نهاية، وتتطلع لتحقيق رغبات أسرتها وخدمة وطنها الحبيب وتحلم برد جزء من الجميل الذي قدمه لها . وكان معها هذا الحوار:

حدثينا عن نشأتك وأبرز ما يعلق في ذهنك منها حتى اليوم؟

ولدت في مدينة الشارقة وعشت طفولة بسيطة غير معقدة وكانت أياماً رائعة، حيث كنت مع صديقاتي نتشارك الألعاب وخصوصاً الشعبية الجماعية التي تعزز روح التعاون وحب الآخرين، بالطبع تطور المجتمع الإماراتي في عقدين ما تطورته مجتمعات أخرى في قرنين، ومر بتغيرات في سائر المجالات انعكست على العديد من مظاهر الحياة، وعملت القفزة الاقتصادية على نقل المجتمع من حالة النمط التقليدي إلى حالة المعاصرة، وبالطبع هذه التحولات أثرت في الإبداع وفي انتشار التعليم وازدهار الحياة، وأحببت أن أكون من المتميزات في صفوف الدراسة ونيل المراتب الأولى، واجتهدت من دون اللجوء للدروس الخصوصية، بل المكافحة والجد والمثابرة، حيث نشأت بين عشرة أخوة وقد توفى والدي وأنا في سن صغيرة، حيث كنت في الصف الأول الابتدائي، وقامت أمي، رحمها الله، بتربيتي وأحسنت ذلك، حيث كانت المربية المثالية التي اقتبست منها المثل العليا أنا وإخوتي .

هل لك أن تسردي لنا رحلتك في التعليم؟

درست في مدارسي الشارقة ابتداءً من مدرسة الأمل والشبيلية المرحلة الابتدائية ومدرسة ميسلون والغبيبة المرحلة الإعدادية ومدرسة فاطمة الزهراء المرحلة الثانوية، ثم التحقت بالجامعة في الولايات المتحدة الأمريكية، حيث توجهت لدراسة الطب من خلال بعثة وزارة التربية والتعليم العالي، ولكنني لم أتابع دراسة الطب على الرغم من حصولي على الامتياز بدرجة الشرف في التقدير العام للعلوم الطبيبة بسبب زواجي في آخر سنة دراسية وقدوم التوأم أحمد ومحمد وبذلك اكتفيت بشهادة البكالوريوس في الأحياء كعلوم طبية .

كيف كانت حياتك في الغربة؟

بالطبع الحياة في الخارج مختلفة حيث تعلمت الاعتماد على النفس بالدرجة الأولى والتحمل والكفاح من أجل الهدف الذي توجهت له وهو رفع اسم بلدي والحصول على مستوى متقدم من العلم . صحيح أن أصعب شيء في حياة الطالب المغترب هو الوحدة وتحمل الآلام والمشاق حتى يستطيع تحقيق النجاح ويثبت نفسه، لكن هذا كله يصقل شخصية المرء ويجعل منه قوة فاعلة في المستقبل، كما أن الطالب المغترب لا بد أن يمر بفترة من الصعوبات في حياته، ولكي يخفف الآلام عن نفسه ويستمر في دراسة حتى النجاح يجب عليه أن يقوي علاقته بالله سبحانه وتعالى ويحافظ على عبادته .

هل كانت الغربة مختبراً بلور شخصيتك؟

بالطبع وأحمد الله أني كنت محاطة بمجموعة من الصديقات المتميزات خلال فترة الدراسة وهو الشيء الذي خفف عني بعض آلام الوحدة وبشكل كبير، على الرغم من فراق الوالدة الحبيبة، رحمها الله، كما تعلمت من الغربة تقدير ظروف الآخرين وعدم إصدار قرارات وأحكام سريعة عليهم .

ما دور أسرتك في مشوارك الدراسي؟

نشأت في أسرة محافظة وملتزمة بتعاليم الدين بالدرجة الأولى، وبالعادات والتقاليد واحترام الذات وكان أخي الأكبر له الفضل والدور الكبير في الوقوف وراء النجاح الذي أحققه دراسياً، حيث كان دائماً يحرص على متابعة شؤون حياتنا وتوجيهنا للارتقاء للأفضل بمستوى التعليم بالقراءة والتعلم والتثقيف وبناء الشخصية السليمة، وكان يحرص على متابعة تعليمي من قرب وتوجيه النقد البناء لي حتى يشجعني لأصل لأفضل المراتب .

إلى أي مدى أسهم الاستقرار الأسري في نجاحك؟

الزواج من أكبر نعم الله سبحانه وتعالى على الإنسان، فقد جعله وسيلة للتواد والتراحم والألفة والوفاق، ومنه تسكن الأنفس، وتستريح وتأنس من مشاق الحياة ومتاعبها وعنائها والحمد لله على هذه النعمة، فقد تزوجت من الفجيرة وأعيش بها ورزقت بأربعة أبناء جميعهم ذكور ولا شك في أن البيت المنظم الذي يضم قلبين أخلص كل منهما للآخر ووثق به ونذر له الحب والعاطفة والمودة بعد روضة الجنة سبقت إلى الأرض ينعم بها أولئك المحظوظون الذين كتبت لهم السعادة في هذه الدنيا . وإذا كانت العلاقة بين الزوجين على هذا النحو من التعاطف فإنها لا محالة تنعكس على الأطفال حناناً وتعاطفاً وحباً وتماسكاً .

ما القيم التي تسعين دوماً لغرسها في أبنائك؟

المحافظة على الصلاة في وقتها، والحرص على صلاة الجماعة، والابتعاد عن رفقاء السوء، والبحث عن أهل الصلاح والفلاح، إضافة إلى ذكر الله تعالى وقراءة القرآن الكريم وحسن الاستماع إليه والعمل به والإحسان إلى من أساء إليهم والرفق بالضعفاء وزيارة الأرحام ووصلهم .

ما أصعب الأوقات التي مرت عليك؟

ومن لم يذق مر التعلم ساعة تجرع ذل الجهل طوال حياته، وإن من يتجرع الآلام في بداية مشوار حياته ويتحمل ويصبر يلقى النجاح بعون الله تعالى لاحقاً في بقية أيام حياته، لقد تحملت الغربة والبعد، وكانت آخر ساعات دراستي الجامعية لأجل الحصول على شهادة التخرج في ظل وجود التوأم الذي لم يتجاوز الثلاثة أشهر بالنسبة إلي من أشد أنواع المستحيل، حيث لم يكن هناك أحد من أفراد أسرتي معي يساعدني غير وجود زوجي الذي وقف بجواري للحصول على الشهادة، وبالإصرار والعزيمة والسهر، حيث إنني أخذت في آخر سيمستر 21 ساعة مع متطلب بحث التخرج وواجهت صعوبة في إقناع إدارة الجامعة على الحصول على استثناء للموافقة على أخذ هذا الكم من الساعات في فصل دراسي واحد ولكوني أحمل مجموعاً تراكمياً عالياً فقد ساعدني ذلك، ووافقت إدارة الجامعة على المجازفة والتسجيل لهذا العدد من الساعات، وبالفعل اجتهدت مضاعفاً وكنت أتواجد داخل المختبر حتى العاشرة مساء أحياناً وواظبت على ذلك حتى نلت التخرج بدرجة امتياز .

ما مراحل تدرجك الوظيفي؟

عملت في مركز المعاقين بالفجيرة معلمة علوم ورياضيات لمراحل مختلفة لقسم الصم ومنها أتقنت لغة الإشارة وعملت عضواً في لجنة إنشاء المناهج للصم وإعادة توزيع المقرر الدراسي لهم إضافة للأعمال الإدارية الموكلة إليّ من قبل الإدارة، ثم أصبحت نائبة للمدير، إضافة لتدريس، ثم مديرة للمركز، وبعدها كان قرار نقلي لمركز التنمية الاجتماعية بكلباء إثر حركة التدوير الوظيفية التي قامت بها وزارة الشؤون الاجتماعية التي تهدف إلى إثراء الموظف في المجالات المختلفة من العمل .

ما الإضافات الشخصية التي اكتسبتيها من هذه الوظائف؟

العمل في مركز التنمية الاجتماعية له الدور الكبير في تطور شخصيتي من حيث بناء العلاقات الاجتماعية والعمل على تنمية الأفراد من النواحي المختلفة والمساهمة في حل الظواهر السلبية إن وجدت والارتقاء بمستوى المجتمع بكل فئاته، أما العمل مع المعاقين فله تأثير كبير في حياتي حيث أكسبني صفات كثيرة من أهمها القدرة على الإبداع والقيام بالأنشطة التعليمية المختلفة، بجانب فهم الذات والتحمل والقدرة على تطوير مهارات الاتصال مع الآخرين والتفاعل الإيجابي .

بعيداً عن العمل والدراسة والأسرة ما هواياتك؟

أحب كتابة الخواطر والقراءة .

ما تطلعاتك المستقبلية؟

توفير متطلبات الحياة السعيدة الآمنة لي ولأسرتي ورد الجميل لهذا الوطن العزيز الغالي في خدمته بما يليق ويرفع من شأنه عالياً في جميع المجالات، ويكون لي الدور الإيجابي في تقديم كل ما هو مفيد بالحرص على تربية الأبناء على ذلك وفي مجال العمل التسابق لنيل أفضل المستويات .