عاد الفانوس التقليدي ليتصدر واجهات المحال التجارية في مصر، واستعادت منطقتا النحاسين وتحت الربع في القاهرة العتيقة روحيهما، على إيقاعات ورش تلك الصناعة المنسية، التي عادت لتفتح أبوابها من جديد، بعد سنوات هجرها خلالها الصناع وذائقة الجمهور، بعدما وقع تحت غواية المستورد.
وبذلك، استعاد الفانوس الفاطمي مجده القديم، وعاد بقوة إلى صدارة المشهد الاجتماعي في مصر، بعد أكثر من عقدين، توارى فيها خجلاً، بعدما داهمته الفوانيس البلاستيكية القادمة من الصين، التي أغرق بها المستوردون الأسواق المصرية، طمعاً في ربح سريع ومريح، قبل أن تقرر الحكومة مؤخراً، حظر استيراد السلع ذات الطابع التراثي، حماية للفلكلور الشعبي.
على مدار قرون، ظل الفانوس يمثل أحد أبرز مظاهر الاحتفال برمضان في مصر، التي عرفته بشكله التقليدي مع بدايات العصر الفاطمي، فبرع الصناع في تزيينه بمختلف الأشكال والألوان والأحجام، وتخصصت مناطق بكاملها في صناعته، لم يتبق منها اليوم سوى شارع النحاسين في مصر القديمة.
خلال عقود من الزمان، استخدم المصريون الفوانيس في إضاءة الشوارع وتزيين المساجد، قبل أن تتحول مع مرور الأيام إلى ملمح مهم ورئيسي من ملامح شهر رمضان، في تقليد يرجع إلى عصر دخول الفاطميين إلى البلاد، وما صاحب ذلك من مظاهر خاصة في استقبال شهر الصوم، إذ كانت الاحتفالات بقدومه تبدأ منذ الليلة التي كان الخليفة الفاطمي يخرج فيها لاستطلاع رؤية الهلال، محفوفاً بالعربات المضاءة بالشموع، بينما يحمل الناس الفوانيس من حوله، حتى إذا تأكدت الرؤية عُلقت الفوانيس فوق أبواب البيوت وأضيئت بالشموع حتى موعد أذان الفجر، بينما المنادي يدور في شوارع القاهرة معلناً: «صيام.. صيام كما حكم قاضي الإسلام». حتى وقت قريب كانت مصر هي المصدر الرئيسي للفانوس الفاطمي قبل أن تفتح أبوابها للفوانيس الصينية، التي ملأت الأسواق، وأقبل عليها المصريون نظراً لانخفاض أسعارها، وتعلق الأطفال بها بعدما اتخذت أشكالاً أقرب إلى الدمى منها إلى الفانوس التقليدي، ما تسبب مع مرور الوقت في انهيار كبير لتلك الصناعة، وإغلاق مئات الورش المتخصصة.
ويعد شارع النحاسين أحد أكبر مراكز صناعة الفانوس في مصر، وهو يضم إلى جانب الورش الخاصة بتلك الصناعة، العديد من الورش الأخرى التي تخصصت في الصناعات التكميلية للفانوس، مثل ورش «الغزالين»، و«الشماعين»، و«النحاسين». ومن هذه الورش ظهرت براعة الصانع المصري الذي تفنن في تصميم الفانوس، وجعل منه أشكالاً عدة من أشهرها «شق البطيخ» و«تاج الملك»، وفانوس «أبو ولاد» وهو فانوس ضخم، تتعلق في جوانبه مجموعة من الفوانيس الصغيرة وكأنها أولاده.
وتمر صناعة الفانوس بعدة مراحل بداية من تشكيل الجسد الخارجي الذي يصنع غالباً من الصاج، مروراً بتشكيله والحفر عليه، ثم لحامه وتزيينه بالزجاج الملون.