كانت مكة معقل الوثنية في الجزيرة العربية وكانت الأصنام التي تعبدها قريش تنتشر حول الكعبة وظلت عبادة الأصنام في مكة سداً حائلاً دون أن يسود الإسلام في الجزيرة العربية، وأصبحت قريش عقبة في طريق الإسلام بحكم زعامتها الدينية لأنها حارسة الكعبة وهي التي تتولى سدانة البيت وسقاية الحج .

ويذكر الدكتور أمين دويدار في كتاب صور من حياة الرسول أن رسول الله صلى الله عليه وسلم أراد أن يفتح مكة وأن يتم ذلك من دون إراقة الدماء، وقد كان صلح الحديبية بين رسول الله صلى الله عليه وسلم وقريش بداية لهذا الفتح المبين، ولكن قريش نقضت عهدها مع الرسول صلى الله عليه وسلم ولم تلتزم بما جاء في صلح الحديبية وقامت بمحاربة حلفاء الرسول .

وتمثل نقض العهد مع الرسول في قيام قريش وحلفائها من بني بكر بمحاربة قبيلة خزاعة وكانت مع المسلمين في حلف واحد وقاتلوهم فأصابوا منهم رجالاً وإنحازت خزاعة إلى الحرم ولم تكن قبيلة خزاعة متأهبة للحرب فتبعهم بنو بكر يقتلونهم وقريش تمدهم بالسلاح وتعاونهم على قتال قبيلة خزاعة، وأخبرت خزاعة ما حل بها للرسول صلى الله عليه وسلم وما قامت به قريش من نقض العهد وتحالفها مع بني بكر، فأمرالرسول بالاستعداد للجهاد لأن قريش نقضت العهد الذي نص على أن تكون الهدنة بين المسلمين وقريش عشر سنوات وأن تكون هناك حرية لمن يريد أن يتحالف مع المسلمين أو يتحالف مع قريش من دون المساس به وطالما تم الاعتداء على حلفاء المسلمين فلابد من أن تتحمل قريش عاقبة ذلك .

مهمة فاشلة

عندما أدركت قريش سوء ما صنعت أرسلت أبا سفيان بن حرب إلى الرسول صلى الله عليه وسلم لعله يستطيع أن يتلافى نتائج هذه السقطة، وحاول أبو سفيان أن يشفع لقريش عند الرسول ولم يستطع فطلب من الصحابة أن يتحدثوا مع الرسول وأن يغفر لقريش ما صنعت ولكن أحداً لم يرد عليه، فرجع إلى مكة وهو يدرك أن الرسول سيعاقب قريش على ما فعلت .

وجهز الرسول صلى الله عليه وسلم جيش المسلمين الذي ضم عشرة آلاف مقاتل وتحرك نحو مكة، وعندما وصل إلى مداخل مكة قسم الجيش فأمر الزبير بن العوام بأن يدخل بقواته من ناحية، وأمر سعد بن عبادة بأن يدخل بقواته من ناحية ثانية، وكذلك أمر خالد بن الوليد بأن يدخل بقواته من ناحية ثالثة، وكان صلى الله عليه وسلم حريصاً على ألا يريق دماً بمكة، فنهى عن القتال، وبلغ من حرصه على صون الدماء أن خلع سعد بن عبادة من الإمارة حين بلغه أن سعداً يتوعد قريش ويقول: اليوم يوم الملحمة، وسلم الرسول صلى الله عليه وسلم الإمارة لابنه قيس بن سعد بن عبادة .

ودخل المسلمون مكة من دون مقاومة من أهلها، وطاف الرسول صلى الله عليه وسلم حول الكعبة والتف الناس حوله وقرأ الرسول سورة الفتح، ثم صلى ركعتين وشرب من ماء زمزم، وفتح له عثمان بن طلحة الكعبة فدخلها وصلى ركعتين، ثم وقف على باب الكعبة وخطب في هذه الجموع الغفيرة قائلا: يا معشر قريش إن الله قد أذهب عنكم نخوة الجاهلية وتفاخرها بالآباء والأنساب فالناس جميعاً لآدم وآدم من تراب، ثم تلا صلى الله عليه وسلم قول الله عز وجل، يا أيها الناس إنا خلقناكم من ذكر وأنثى وجعلناكم شعوباً وقبائل لتعارفوا إن أكرمكم عند الله أتقاكم ، ثم قال يا معشر قريش ما ترون أني فاعل بكم قالوا: خيراً أخ كريم وابن أخ كريم قال: اذهبوا فأنتم الطلقاء .

رسول الرحمة

ولقد كان الرسول صلى الله عليه وسلم رحيماً في تعامله معهم وما عرف الانتقام سبيلاً إلى فؤاده وما جازى مسيئاً بإساءته، فقد كان حريصاً كل الحرص على أن يخرج قومه من الظلمات إلى النور وصدق الله العظيم إذ يقول لقد جاءكم رسول من أنفسكم عزيز عليه ما عنتم حريص عليكم بالمؤمنين رؤوف رحيم، وكان ذلك اليوم من أعظم الأيام في حياة الرسول لأنه تذكر خروجه من مكة يوم قال مقولته الشهيرة والله إنك لأحب بلاد الله إلى الله وأحب بلاد الله إلى قلبي ولولا أن أهلك أخرجوني منك ما خرجت تلك المقولة التي أصبحت عنواناً لحب الأوطان والحنين إليها .

وكان يوم فتح مكة في العشرين من رمضان من السنة الثامنة للهجرة . وبعد فتح مكة ظل الرسول صلى الله عليه وسلم بها قرابة عشرين يوماً يرتب شؤونها ويصلح أحوالها، فأخرجها من جو الشرك والوثنية إلى جو الإسلام والتوحيد بعد أن حطم الأصنام، وأمر بلال بن رباح بأن يؤذن فوق الكعبة .

وقد كان ذلك اليوم قمة الانتصار لدعوة الحق، ففيه زالت دولة الشرك والطغيان وتم تطهير البيت الحرام من الأوثان والأصنام التي كان يعبدها كفار قريش ودخل الناس في دين الله أفواجاً، فانهدم بذلك حصن الشرك ومنذ ذلك اليوم صارت مكة كعبة الإسلام وقبلة المسلمين في مشارق الأرض ومغاربها .