كان دخول رسول الله صلى الله عليه وسلم الكعبة يوم فتح مكة في رمضان سنة ثمان فطاف سبعاً على راحلته، ثم وقف قائماً على باب الكعبة، وألقى خطبة اليوم الخالد: يوم الفتح فقال: لا إله إلا الله وحده لا شريك له؛ صدق وعده، ونصر عبده، وهزم الأحزاب وحده . ألا كل مأثرة أو دم أو مال يدعى فهو تحت قدمي هاتين؛ إلا سدانة البيت، وسقاية الحاج . ألا وقتيل الخطأ شبه العمد بالسوط والعصا فيه الدية مغلظة، منها أربعون خلفة، في بطونها أولادها .
يا معشر قريش: إن الله قد أذهب عنكم نخوة الجاهلية وتعظمها بالآباء؛ الناس من آدم، وآدم خلق من تراب ثم تلا قوله تعالى: يا أيها الناس إنا خلقناكم من ذكر وأنثى وجعلناكم شعوباً وقبائل لتعارفوا إن أكرمكم عند الله أتقاكم إن الله عليم خبير . يا معشر قريش أو يا أهل مكة . ما ترون أني فاعل بكم؟ قالوا: خيراً؛ أخ كريم، وابن أخ كريم . ثم قال: اذهبوا فأنتم الطلقاء .
كمال التوحيد
يقول الدكتور مصطفى الشكعة في كتابه البيان المحمدي: إنها خطبة كمال التوحيد ونهاية الشرك، أعلن ذلك رسول الله من على باب الكعبة التي خلصت لدين الله، وتحررت من الأصنام التي حطمها رسول الله ساعة دخوله، وفي خطبة الفتح إعلان بأن الله صدق وعده بنصر المؤمنين وهزيمة الكافرين، مع معان أخرى صدرت عن رسول الله في هذا الموقف العظيم مثل تثبيت سدانة البيت وسقاية الحاج، وتشريع حكم الدية في قتل الخطأ شبه العمد، وإعلان المساواة الكاملة بين الناس جميعاً، حيث لا يكون التفاضل بينهم إلا بتقوى الله، ثم أخيراً العفو العام .
وقد أثر عن رسول الله صلى الله عليه وسلم أنه استجاب للعباس حين طلب إليه تكريم أبي سفيان لمقامه بين قومه بقوله الشريف: من دخل دار أبي سفيان فهو آمن، ومن دخل المسجد فهو آمن، ومن أغلق بابه فهو آمن .
وقد كانت الفعال في فتح مكة لا تقل إفصاحاً عن الأقوال فقد عم كرمه صلى الله عليه وسلم كل أهل مكة، باستثناء أشخاص بأعينهم يقل عددهم عن أصابع اليد الواحدة، وفاضت سماحته بحيث شملت جميع الناس وبينهم من كان قد ذهب في إيقاع الأذى به مذهباً لا حدود له، وأوغل في تعذيبه إيغالاً يصعب معه التسامح، ولكنها أخلاق محمد وشمائله التي تسمو على الخلائق، وتتضاءل أمامها كل شمائل أهل الأرض، وفي كلمات ثلاث يبدل خوفهم أمناً، ويحول أسراهم إلى حرية: اذهبوا فأنتم الطلقاء .
بشائر النصر
ويؤكد أبو جعفر محمد بن جرير الطبري في كتابه تاريخ الرسل والملوك أن فتح رسول الله صلى الله عليه وسلم مكة هو النصر الأعظم الذي بشر الله به محمدا في أكثر من آية، بل أكثر من سورة: إنا فتحنا لك فتحاً مبيناً . ليغفر لك الله ما تقدم من ذنبك وما تأخر ويتم نعمته عليك ويهديك صراطاً مستقيماً . وينصرك الله نصراً عزيزاً .
هكذا بشر الله بالفتح بعد الحديبية، وهكذا صوره القرآن الكريم غفراناً ونعمة، وهداية ونصراً .
وفي الفتح أيضاً نزلت سورة النصر، وتسمى أيضاً سورة التوديع؛ لأنها آخر ما نزل من القرآن بالمدينة: إذا جاء نصر الله والفتح . ورأيت الناس يدخلون في دين الله أفواجا . فسبح بحمد ربك واستغفره إنه كان توابا وبنزولها أيقن رسول الله بنهاية أجله، وأنها بمثابة نعي نفسه إليه .
كانت سورة الفتح تثبيتاً له صلى الله عليه وسلم ولأصحابه في الحديبية حين قبل شروط قريش التي رأى فيها بعض الصحابة إجحافاً بالمسلمين، وكانت سورة النصر تخليدا لانتصار دين الله، وعودة البيت الحرام إلى أيدي المسلمين حتى أبد الآبدين .
ومن الحقائق الكبرى أن صلح الحديبية الذي كان من شأنه ما ذكرناه هو نفسه السبب في فتح مكة، وعودة الكعبة إلى الله ورسوله والمؤمنين، بعد أن كانت قد دنست بالأصنام منصوبة فيها، وأوذيت بالأوثان منتشرة حولها، وقد قيل: إن عدد أصنامها تجاوز الثلاثمئة حطمها رسول الله صلى الله عليه وسلم يوم الفتح .
وأشار الإمام الذهبي في كتابه تاريخ الإسلام إلى أن رسول الله صلى الله عليه وسلم أمر بالجهاد والاستعداد للزحف إلى مكة لفتحها، وأعلم الناس بذلك وقال: اللهم خذ العيون والأخبار عن قريش حتى نبغتهم في بلادهم .
غير أنه من الضرورة بمكان أن نقرر أن رسول الله لم يتخذ قرار الحرب والاستعداد للغزو إلا بعد أن نقضت قريش صلح الحديبية ورفضت الانصياع لشروطه التي كان بعث بها إليهم مع ضمرة بن سعد الضمري، وخيرهم فيها بين إحدى ثلاث: أن يدفعوا دية قتلى خزاعة، أو أن يبرأوا من حلف نفاثة، أو ينبذ إليهم على سواء، فلما أبوا جد رسول الله صلى الله عليه وسلم في الجهاز للحرب، حتى أن أبا بكر نفسه وهو صديق رسول الله قد فوجئ بذلك حين دخل على ابنته عائشة ورأى شيئا من جهاز رسول الله، فقال لها: أين يريد رسول الله صلى الله عليه وسلم؟ فقالت عائشة: تجهز فإن رسول الله صلى الله عليه وسلم غاز قومك، فدخل رسول الله فمكث ساعة يتحدث مع أبي بكر ثم قال: هل تجهزت يا أبا بكر؟ قال: لماذا يا رسول الله؟ قال: لغزو قريش، فإنهم قد غدروا ونقضوا العهد، وإنا غازون إن شاء الله . وأذن في الناس بالغزو .