في الآونة الأخيرة ازداد افتتان الآباء بعادة جديدة تتمثل في رغبتهم الجامحة في معرفة القدرات العقلية لأبنائهم وبالتالي الإقبال على اختبار معدل الذكاء المعروف اختصاراً بال(ةر). وظهرت لذلك كتب عدة منها ما يناصر هذه العادة ومنها ما ينادي بوقفها لأنها تتعدى على خصوصية الأطفال وربما تحملهم ما لا طاقة لهم به.

من الكتب التي أثارت غضب بعض الباحثين النفسانيين كتاب عنوانه طفلك، هل اختبرت ذكاءه؟. حيث أثار هذا العنوان حفيظة باسكال بلونش استاذة علم نفس النمو في جامعة برست، التي ترى أن المطالبة باجراء اختبارات لمعدل الذكاء للمصادقة على النضج الذهني المبكر للأطفال، غدا شيئاً سخيفاً. وأشارت إلى أن كثيراً من الآباء أصبحوا مقتنعين بأن السبب وراء الملل الذي يكابده أطفالهم في المدرسة يعود إلى النضج المبكر لعقولهم وتفوقهم الذهني على أقرانهم على مقاعد الدراسة، وبالتالي يطالبون بإجراء مثل هذه الاختبارات ليقنعوا المدرسة برفعهم من صفوفهم الدراسية إلى صفوف أعلى.

المثير في الأمر أن هذا التكالب على اجراء مثل هذه الاختبارات المبكرة لذكاء الأطفال، أصبح بالنسبة لبعض الأطباء النفسانيين المتخصصين في هذا الأمر نعمة ومصدراً للربح الكبير، فتكلفة الاختبار تصل أحياناً إلى 400 يورو.

ولوحظ من خلال هذه الاختبارات أن طفلين إلى ثلاثة أطفال من كل 100 طفل يمتلكون معدل ذكاء أعلى من 130. والمعروف ان اختبارات الذكاء ال(ةر) تمكننا من تقدير كفاءة الطفل في المجالات المختلفة ومقارنتها وفقاً لمعايير قياسية مع أطفال آخرين من نفس العمر. وتؤكد الباحثة باسكال بلونش أن الباحث لا يقيس مدى عمل الدماغ، بل يقدر هذا العمل مع وجود احتمالات للوقوع في الخطأ، فالهدف من هذه الاختبارات لا يتمثل في معرفة ما إذا كان الطفل سيحل هذه المسألة أو تلك، بل يكمن في معرفة طريقته في فهم أو استيعاب المسألة المطلوب حلها. وترى باسكال بلونش أن مجرد وضع الاختبار يعني ضمنياً وجود نوع من الطبقية يكون فيها الطفل صاحب معدل الذكاء (ةر) المرتفع أذكى من غيره. ومن هنا يجب أن نتوقف عن النظر إلى معدل الذكاء الأعلى من 130 باعتباره نوعاً من التفوق أو التميز، حسب تعبير نيلي وهي أم لطفل ظهرت عليه علامات الذكاء الفائق في سن مبكرة.

والواقع أن العلم عكف على دراسة هذه الاختلافات في معدلات الذكاء عن طريق دراسة فسيولوجية الأعصاب المرتبطة بالخصائص السلوكية للأشخاص المتميزين من ناحية الذكاء. وكان اللجوء إلى تقنية تخطيط الدماغ كهربياً (إ) واستخدام الصور المغناطيسية الوظيفية للدماغ، ذا أثر كبير في التوصل إلى فرضية (الفعالية العصبية) التي تقول إن الكفاءة العالية للدماغ ترتبط بأقل مستوى لعمليات الأيض السكري والنشاط الدماغي، ويعني ذلك أن الأشخاص ذوي الكفاءة الدماغية العالية يصلون إلى نتائج أفضل بأقل جهد ممكن لأنهم يعملون على تنشيط المساحات الدماغية برمتها لحل مسألة ما، الأمر الذي يترجم على هيئة نشاط دماغي مركز جداً.

علاوة على ذلك، فإن سرعة توصيل المعلومة لدى هؤلاء تكون أسرع لا سيما في لحظة تنفيذ المهمة المطلوبة، ففي هذه اللحظة يقوم دماغ الأذكياء بانتخاب المعلومات الأفضل وطرح ما عداها جانباً. وتشير الباحثة بلونش إلى ان الأطفال المتميزين من ناحية الذكاء تكون فترات نومهم المتناقض متعددة وطويلة، والنوم المتناقض هو الفترة التي تحدث فيها الأحلام، وهو ما لا يجده لدى الأطفال الذين يعانون من تخلف ذهني. ومن هذا المنطلق ترى بلونش ان معدل النوم المتناقض اعتبر بمثابة المؤشر الدقيق على مرونة الدماغ أي قدرته على إعادة تنظيم الروابط بين الخلايا العصبية وفق المعلومات الصادرة عن البيئة المحيطة، ومراحل النوم المتناقض تعبر عن قدرات الدماغ على إعادة تنظيم المعلومات التي استقبلها الليلة الماضية وبالتالي فإن طول هذه المراحل وتكرارها عند الأطفال ذوي القدرات الفائقة يسهم في تفسير كفاءاتهم المهمة على التعلم والحفظ.

وتشير باسكال بلونش إلى ان الباحثين يهتمون كثيراً بطريقة معالجة المعلومات في دماغ ذي القدرات الذهنية العالية من ناحية ما إذا كانت متتابعة أم متزامنة، فالطفل الذي يدخل إلى غرفة ما على سبيل المثال ويلتقط بسرعة التفاصيل الدقيقة فيها يستخدم طريقة المعالجة المتسلسلة للمعلومات لكن الطفل الذي يلفت نظره الجو العام للغرفة، يستخدم على الأغلب طريقة المعالجة المتزامنة للمعلومات وهذا ما يفضله عادة الأطفال ذوو القدرات الفائقة، فهم يتوصلون إلى نتيجة ما بطريقة حدسية من دون أن تكون لديهم القدرة على تعليل المراحل التي استخدموها في منطقهم وكأنهم يستخدمون عملية القياس من خلال إيجاد روابط بين المواقف المختلفة بطريقة سهلة.

وتعتقد بلونش ان هؤلاء الأطفال ليس لديهم نفس العلاقة مع الكلمات فهم ينظرون إلى كل كلمة على أنها ذات مغزى خاص، ولذا فإن استيعابهم للأمر الضمني يكون متميزاً وهو ما يقودهم إلى اصدار إجابات مدهشة ومضحكة. وتطرح الباحثة جين سيود فاشان مثالاً على ذلك ما حصل معها عندما طرحت سؤالاً على فتاة عما تود فعله بالإجازة، فأجابت بكل بساطة: سأعتني بها.

مشكلة

وتنوه باسكال بلونش بمسألة حرق أو قفز المراحل بالنسبة للأطفال المتميزين بقدرات ذهنية فائقة، فتقول هؤلاء يتميزون بتقدم على المستوى المعرفي أو الذهني، ويدركون أنهم ناضجون على الصعيد العاطفي والانفعالي حسب عمرهم، فعلى سبيل المثال يمكننا أن نجد طفلاً في سن الخامسة يطرح عليك تساؤلات تتعلق بالموت أو تجده مهووساً بالفراعنة وبمصر القديمة أو بالفلك، لكنك لن تجده منفصلاً عن لعبته، ومن هنا يرفض الكثير من المعلمين مسألة قفز الفصول الدراسية والصعود إلى مستوى دراسي أعلى مستندين إلى نقص النضج لدى الطفل حتى ولو كان متميزاً من الناحية الذهنية.

وتدلل بلونش على ذلك بحالة الطفل فلورين الذي قفز المراحل الدراسية الابتدائية واستقر به الحال في المراحل الاعدادية العليا. في هذه المراحل كانت المعلمة أقل تفهماً لحالته من المعلمة السابقة ولذا كانت تعاقبه لأنه كان يجيب عن الاسئلة من دون رفع اصبعه، ولكي يترك المجال لأقرانه ليجيبوا كما أن المعلمة لم تتعب نفسها لتشرح له ضرورة القيام بهذا السلوك وترك المجال للآخرين ليشاركوا.

من ناحية ثانية، فإن قفز المراحل الدراسية بشكل متكرر يمكن ألا تظهر أهميته في البداية لكنه سيحدث لدى الطفل مشكلة حقيقية فيما بعد، حيث سيشعر هذا الطفل وأمثاله بعدم وجود أمور مشتركة مع زملائه في الفصل الجديد، فهم يكبرونه في السن، وهو يتجاوزهم بالناحية الذهنية.

وتضيف الباحثة بأن الكثير من هؤلاء الأطفال يعانون من مشكلة تتمثل في أن الآخرين ينظرون إليهم على أنهم صغار أو كعباقرة. وفي هذا الصدد يقول الطفل بيير (9 سنوات): مللت من نظر أصحابي إليّ على أنني نجم الصف، فكل واحد من زملائي سألني مرة على الأقل كم صفاً قفزت حتى الآن. وترى الباحثة بلونش ان قفز المراحل يولد مشكلة أخرى تتمثل في أن تطور الأطفال ذوي القدرات الفائقة ليس منتظماً بل يمكن ان يتباطأ ثم يتسارع من جديد. وتضيف الباحثة انه إذا حدث إثراء ثقافي لمعلومات الطفل بشكل مستمر فإنه سيصل إلى مرحلة يمكن معها أن يصاب بالاختناق والاكتفاء والتشبع، ولذا أثبت الباحثون ان ثمة أعماراً معينة لا يمكن بعدها لبعض القدرات الادراكية أن تظهر لسبب بسيط يتمثل في نقص الخبرة في الحياة.

ويقول اخصائيو التعليم إنه ما دام الفصل الدراسي مكتظاً بالطلاب (30 طالباً) فلن نتمكن من حل مشكلة الطلاب المعاقين أو المتميزين بقدرات ذهنية لأن هؤلاء وغيرهم ليسوا على نفس المستوى الذهني، ولذا لا بد من إيجاد فصول خاصة لهذه النوعية ليأخذوا حقهم في التعليم إلا أن البعض ينظر إلى هذا الأمر بشيء من الريبة لأننا بذلك نسهم في ظهور نوع من الفصول النخبوية، ويشير هؤلاء إلى انه من الضروري أن يبني الأطفال المتميزون بقدرات ذهنية فائقة أنفسهم ضمن المجموعات الطلابية العادية حتى لا يتم رفضهم في وقت ما باعتبارهم أشخاصاً غير عاديين. ولذا تنهي الباحثة بلونش القصة مع الأطفال المتميزين ذهنياً بالقول أن تكون عبقرياً صغيراً شيء جيد، لكن أن تكون عبقرياً صغيراً وسعيداً فذلك أفضل.

الاضطرابات ترافق الأذكياء

يقول الباحثون النفسانيون إن الأطفال ذوي القدرات الذهنية الفائقة، يعانون غالباً من اضطرابات خاصة، كصعوبة القيام بالحركات الإرادية والتعثر في الكتابة وفرط النشاط ويعتقد هؤلاء أن الاضطرابات يمكن أن تكون ناتجة أصلاً عن وجود نضج ذهني مبكر لدى الطفل لكنها لا ترتبط بالضرورة بها ارتباطاً مباشراً.

ويرى الباحثون ان ذكاء هذه النوعية من الأطفال يكون مختلفاً عن المعهود لدينا، منهم أذكياء بطريقة مختلفة، ولذلك يقال إنهم موهوبون أو يتمتعون بقدرات ذهنية فائقة، لكن يعتقد هؤلاء أن مجرد وصف هذه النوعية من الأطفال بالذكاء الفائق يعني ضمنياً أنهم متفوقون على غيرهم، ولذا فهم يفضلون وصمهم بالأشخاص ذوي القدرات العالية. ويقول الدكتور جاي سابرييل المتخصص في التحليل النفسي للطفل: لسنا بحاجة لإجراء اختبارات الذكاء لمعرفة ما إذا كان الطفل موهوباً ويتمتع بقدرات ذهنية فائقة لأن خصائص هؤلاء غدت معروفة للباحثين بشكل مفصل، إلا أنه يبقى لدينا سؤال يطرحه الآباء في كثير من الأحيان يقول متى يجب أن نلجأ إلى اجراء اختبار الذكاء؟.

في هذا الصدد تعتقد الباحثة بلونش ان أطفال الطبقة المتعلمة والموظفين والمدرسين يتمتعون بمقدار ذكاء يتراوح بين (115 120) لأنهم يعيشون عادة ضمن جو منشط للتفكير، خاصة أن الآباء يسهرون على إيقاظ الملكات الفكرية لأطفالهم.

وذلك لا يعني، حسب الباحثة، ان هؤلاء الأطفال متفوقون فكرياً أو لديهم قدرات ذهنية خارقة. وتتساءل: هل يعني ذلك ان نذهب بهؤلاء الأطفال إلى المحلل النفساني ليجري لهم اختبارات للذكاء، بذريعة ان أحد اخوته لديه قدرات ذهنية فائقة أو انه بدا هكذا للأهل؟

في هذا الأمر تقول الباحثة بلونش: بالطبع لا لأنه لو تبين بعد إجراء الاختبار ان معدل الذكاء لم يتجاوز ال110 فمن المحتمل أن يصاب الأهل لخيبة أمل وينظروا إلى طفلهم على أنه ليس بالطفل المثالي الذي كانوا يحلمون به مع العلم بأن هذا الطفل يمكن ان يكون طبيعياً جداً، علاوة على ذلك، من الممكن ان يؤدي هذا الأمر إلى جعل الطفل يشعر بعدم الأمان بعد أن كان عادياً.

وتضيف الباحثة، أنه من الممكن أن يجد الطفل الذي ظهرت نسبة ذكائه عند معدل ،130 نفسه في موقف التميز الفائق بمعنى أن مسألة الاخفاق أو الرسوب في اختبار ما غدت بالنسبة إليه أمراً مستحيلاً، أو بمعنى آخر لم يعد يمتلك الحق بالرسوب أو الإخفاق وهو ما سيحمله طاقة لا قبل له بها.

ورطة

التساؤل المهم الذي يبقى مطروحاً بالنسبة للوالدين هو: هل نجري الاختبار أم لا؟ ولذا فإن الذي يجب ان يحسم الأمر معرفة مصلحة الطفل بشكل خاص عن طريق إفهامه المقصود بطفل يتميز بقدرات ذهنية فائقة، لأن ذلك يساعده بالتأكيد على معرفة قدراته والشعور بالراحة النفسية لا سيما إذا كان يعاني من بعض الاضطرابات. مثلاً، عاينت الباحثة بلونش الطفل فلورين الذي كان يتبول أثناء النوم، الأمر الذي جعله يشعر بالاضطراب والقلق الدائم، وبما أن فلورين كان طفلاً يتميز بقدراته الذهنية المتطورة وكان يشعر بالملل والضجر في المدرسة مع زملائه، فإن الباحثة قابلته وبينت له بأنه يتفوق ذهنياً على أقرانه ونتيجة لذلك لم يعد يتبول.

وهكذا وجدت الأم المسكينة حلاً سريعاً لمشكلة ولدها الذي عانى كثيراً قبل تدخل المحللة النفسية.

وتقول الباحثة إن الأطفال الذين يضجرون كثيراً على مقاعد الدراسة كثر ويجب علينا عدم تركهم يشعرون بذلك لفترة طويلة لأننا يمكن أن نولد لديهم إحباطاً نفسياً كبيراً. ولتجنب هذه الحالة من الأفضل أن تلجأ الأسرة إلى تنظيم نشاطات خارج إطار المدرسة لأن الحياة ليست محصورة فيها فقط، ولذا يقترح الباحث الدكتور سابرييل على الأسر الاستفادة من المجالات الأخرى التي لا تمت بصلة للمجال الادراكي أو المعرفي.