في هذه الآية الكريمة من سورة (الكوثر) يتجلى الإيجاز بأسمى معانيه، ويتمثل فيما يأتي:
أولاً: فاء التعقيب هاهنا مستعارة من معنى التسبب لمعنيين:
أحدهما: جعل الإنعام الكثير سبباً للقيام بشكر المنعم وعبادته .
وثانيهما: جعله سبباً لترك المبالاة بقول العدو، فإن سبب نزول هذه السورة أن العاص بن وائل قال: إن محمداً صنبور (يعني لا عقب له) فشق ذلك على النبي صلى الله عليه وسلم فأنزل الله تعالى هذه السورة .
ثانياً: قصده بالأمر التعريض بدين العاص بن وائل وأشباهه، مما كانت عبادتهم ونحرهم لغير الله، وتثبيت قدمي رسول الله صلى الله عليه وسلم على الصراط المستقيم، وإخلاصه العبادة لوجهه الكريم .
ثالثاً: أشار بهاتين العبادتين إلى نوعي العبادات، أعني بهما: الأعمال البدنية التي الصلاة قوامها، والمالية التي نحو الإبل سنامها .
رابعاً: التنبيه على ما لرسول الله صلى الله عليه وسلم من الاختصاص بالصلاة حيث جعلت لعينيه قرة، وبنحر البدن التي كانت همة فيه قوية، روي عنه صلى الله عليه وسلم أنه أهدى مئة بدنة فيها جمل في أنفه برة من ذهب .
خامساً: حذف اللام الأخرى، لدلالة الأولى عليها، فلم يقل: وانحر أو لربك .
سادساً: مراعاة حق السجع الذي هو من جملة صنعة البديع، إذا ساقه قائله مساقاً مطبوعاً، ولم يكن متكلفاً ولا مصنوعاً .
سابعاً: قوله: لربك فيه لطيفتان:
- وروده على طريق الالتفات الذي هو أم من الأمهات في علم البلاغة .
- وصرف الكلام عن لفظ المضمر إلى لفظ المظهر، وفيه إظهار لكبرياء شأنه، وإبانة لعزة سلطانه سبحانه وتعالى .