سرحان الشاب الفلسطيني الأصل الذي اغتال روبرت كنيدي عام ،1968 وكان كنيدي أقوى مرشحي الرئاسة الأمريكية وأكثر المرشحين تحمساً وتأييداً ل إسرائيل . ويروى عن كنيدي أنه صرح في أحد المحافل اليهودية وقد حضر توّاً من لقاء ببعض الدبلوماسيين العرب في أمريكا وقد شرب القهوة العربية صرح لليهود قائلاً: دعوني قبل أن أحدثكم أغسل فمي، لأنني شربت قهوة عربية قبل قليل . وعندما أطلق سرحان النار عليه صرخ سرحان قائلاً: فعلت هذا من أجل بلدي . معرفة هذه المعلومات تفيد في فهم أبعاد قصيدة محمود درويش سرحان يشرب القهوة في الكافتيريا الواردة في مجموعته أحبك أو لا أحبك الصادرة عام 1972 . انتقل درويش في قصائد هذا الديوان من مرحلة الستينات التي شهدت أشعاره الوطنية والثورية (المباشرة نسبياً) إلى مرحلة جديدة (في السبعينات) التي شهدت تجربة شعرية غنية استثمرت فيها طاقات اللغة التعبيرية الكبيرة ودلالاتها وترميزاتها وانزياحاتها المختلفة .
تقف قصيدة سرحان بين مرحلتين وتجمع بين تجربتين، تحاول من خلالهما التخلص من بساطة النص الشعري السابق ثم الدخول في تجربة النص الشعري الحداثي الأعمق رؤية والأكثر تركيزاً على تقنيات اللغة الشعرية المحملة بالإشارات والدلالات والرموز والبنيات والإيقاعات والأساليب الجديدة . فجاءت قصيدة سرحان تحمل بعضاً من لغة درويش السابقة وأسلوبه ورؤيته، ولكنها تمهد للغة شعرية حداثية متطورة، تبلورت تبلوراً كبيراً وواضحاً في قصائده اللاحقة التي شكلت مرحلة جديدة في لغة الشعر العربي الحديث بشكل عام، وفي لغة درويش بشكل خاص . حيث وظف درويش أدوات الخطاب الشعري المعاصر في لغته وأسلوبه وبنائه وصوره وإيقاعاته ومرجعياته وإحالاته في نص شعري حداثي مبدع مؤثّر لم يفقد غنائيته وشعريته وموسيقيته، كما حدث لدى كثيرين غيره .
وسوف ندرس في هذا المجال قصيدة سرحان من حيث دلالات اللغة الشعرية وإيحاءاتها ورموزها التي تكشف عن كثير من القضايا والإحالات والرؤى التي تتضمنها هذه القصيدة، وفي الوقت ذاته، توضح هذه الدراسة تحول درويش إلى التكثيف والترميز وشعرية القصيدة الحديثة التي آلت إليها قصائده الأخيرة .
يجيئون،
أبوابنا البحر، فاجأنا مطر، لا إله سوى الله
هكذا تبدأ القصيدة، جمل قصيرة متقطعة، وصور مختلفة مكثفة، يتبادر إلى الذهن سؤال عن الذين يجيئون بشكل مفاجئ عبر البحر ثم دلالات المطر وكلمة الله . يجيئون بداية القصيدة وهي بداية القصة أو المأساة في وطن الشاعر فلسطين . وهي أيضا بدايات جذور سرحان حيث يجيء اليهود من أبواب البحر الواسعة المكشوفة . يأتون بالنار والسلاح المطر ويقابلهم الشعب المسكين الأعزل والمحتل بالدعوات والتضرع ويغدو الوطن مثل سجادة يسهل أن تسحب من تحت أقدام أصحابها الذين يحملون حقائبهم ويرحلون إلى أوطان أخرى غريبة، وإلى منافٍ بعيدة، إلى منفى الكافتيريا . . . تلك كانت البداية .
سرحان يشرب قهوته في المنفى لا في الوطن، يشربها في أي مقهى، في كل أصقاع الأرض ما عدا أرضه . سرحان يشرب القهوة في الكافتيريا، إذاً العنوان المناسب الذي يرسم درويش من خلاله ملامح الإنسان الفلسطيني التائه الغريب المنفي في العصر الحاضر .
يجيئون،
فلتترجل كواكب تأتي بلا موعد . والظهور التي
استندت للخناجر مضطرة للسقوط
يتابع اليهود المجيء والهجرة ويشب الصراع ويتفاقم ويصطدم أصحاب الأرض بالمحتلين فنترجل ونخسر ونسقط من دون سند، كان لابد أن نسقط .
وماذا حدث؟
أنت لا تعرف اليوم، لا لون، لا صوت، لا طعم .
لا شكل . . . يولد سرحان، يكبر سرحان، يشرب
خمراً ويسكر . يرسم قاتله ويمزق صورته . ثم يقتله
حين يأخذ شكلاً أخيراً
ما حدث بعد السقوط، ما حدث بعد ضياع الوطن . . مأساة رهيبة . . ذعر وتشرد وضياع، كان نتاج هذا سرحان اليوم، فلسطيني اليوم بلا لون ولا صوت، بلا هوية أو أمن أو استقرار، بلا شكل محدد معروف . في هذا الضياع يولد سرحان بلا طفولة وبلا فرح، يكبر سرحان ويتشرد لا يشرب حليبا بل خمرة مسكرة قاتلة . يحدد ملامح قاتله، يعرفه تماما، ثم يمزق هذه الملامح ويتنفس الصعداء . . ويرتاح سرحان .
سرحان هل أنت قاتل؟
ويكتب سرحان شيئا على كم معطفه، ثم تهرب
ذاكرة من ملف الجريمة . . . تهرب . . . . تأخذ منقار طائر
وتأكل حبة قمح بمرج بن عامر .
وسرحان متهم بالسكوت، وسرحان قاتل
في اللحظة التي حدد عندها سرحان صورة عدوه وقاتله ثم مزقها بغضب وحنق وشعر بالارتياح، أتاه سؤال المحقق: سرحان، هل أنت قاتل؟ سرحان لا يرد في التحقيق، سرحان مثقل بالألم والمرارة وهو في هذه اللحظات يرجع إلى الماضي السحيق . . إلى الجريمة الحقيقية في وطنه ثم يكشف مرارة الضياع ويستجمع ملامح القتلة ويشكلها صورة بين يديه ويمزقها . يعود إلى الحاضر في غرفة التحقيق ويقطع مونولوجه الداخلي، ويستمع إلى سؤال المحقق، من دون أن يرد بكلمة، يشير الى المحقق ويدله على القاتل الحقيقي الجاثم هناك على أرض سرحان . . في وطنه في مرج ابن عامر . ولكن السائل يتجاهل الإشارة إلى القاتل ويقرر أن سرحان قاتل .
الجزء السابق من القصيدة استرجاع سريع للماضي في ذهن سرحان في لحظة جلوسه على كرسي التحقيق . ينساب شريط الذكريات في ذهن سرحان عن طريق تيار الوعي والارتداد . يرسم بداية الجريمة، وآثارها في ضياعه وتشريده، ثم خطوته الحاضرة في القتل، هذا تمهيد لتفاصيل المأساة التي سيُوضحها ويسترجعها في بقية أجزاء القصيدة ليعطي الصورة الكاملة لملامح الفلسطيني التائه المنفي . يعود بالذاكرة إلى الماضي . . إلى تاريخ الصراع والعذاب ويصبح سرحان رمزاً لشعب كامل يعاني ويتوجع ويقتل بشكل مستمر، يقول:
وما كان حبا
يدان تقولان شيئا، وتنطفئان .
قيود تلد
مناف تلد،
وتلتف باسمك
وما كان حبا، صرخة الاحتجاج والسخرية والاكتئاب، فمن أين لسرحان أن يعرف الحب في عالم أو وطن يغص بالسجون والمنافي والقيود والدخان والموت والتشرد . من أين يأتيه الحب، وصور الرعب والقتل والصلب تحدث أمام عينيه . هل ترك الشقاء والعذاب مكانا في قلبه للحب، حب أي شيء، يدان تقولان شيئا وتنطفئان صورة شعب يصلب بصمت . . . وفي كل لحظة، ولا يرى إلا احتجاج اليدين من موتى مقهورين . ويتحرك سرحان مبتعداً عن هذا الجو الدموي عن الصلب والقهر، ليحتج ويدين ويتحسّر فيقول:
ونعرف كنا شعوباً وصرنا حجارة
ونعرف كنت بلادا وصرت دخان
ونعرف أشياء أكثر
يعرف درويش ويعرف سرحان انطلاقاً من مشهد الصلب والقتل أن أمته التي كانت يوماً قوية قد انهارت، وأصبحت جماداً . . خراباً دخاناً . . وساحات حرب وموت وأسى . ويعرف أشياء أفظع وأوجع لكنه، وهنا صحوة الأمل التي لا تفارق درويش عادة، الأمل بالمستقبل والإيمان بالتاريخ لاستعادة هويته مهما قست الظروف ومهما طال الألم، يقول:
نعرف، لكن كل القيود القديمة
تصير أساور ورد
تصير بكارة
في المنافي الجديدة
ونلتف باسمك
في قصيدة سرحان وفي معظم قصائد درويش تتكرر صورة اليقظة أو الصحوة والانتقال من الواقع المرير إلى المستقبل/ الحلم، إيمانا منه بدور النضال وبدور الإنسان في تحقيق الحلم وإحقاق الحق وإسقاط الظلم البشري . ثم يتحرك درويش في أزمنة مختلفة وأمكنة متعددة ليرسم صورة سرحان أو صورة الألم والمنفى والضياع ويكشف عن هذا التاريخ المرير الدفين في أعماقه، المضغوط المكبوت في عالمه الداخلي، يقول:
وسرحان يكذب حين يقول رضعت حليبك،
سرحان من نسل تذكرة، وتربى بمطبخ باخرة لم تلامس
مياهك، ما اسمك؟
نسيت
وما اسم أبيك؟
نسيت
وأمك؟
نسيت
وهل نمت ليلة أمس؟
لقد نمت دهراً
حلمت؟
كثيرا بماذا؟ بأشياء لم أرها في حياتي
سرحان الرمز في هذه الفقرة صورة الفلسطيني التائه الرحالة المبحر في المحيطات المولود المسافر على البواخر، يتحرك نحو المنفى . . نحو البحر . . . نحو المقهى بلا وطن أو أهل . مرة أخرى تهرب الذاكرة إلى الماضي من غرفة التحقيق لتزداد تعرفاً وإلماماً بحياة سرحان ومعاناته ورحلاته، ويرتد سرحان لا يذكر شيئاً، إنه خاو مشرد بلا ذاكرة بلا أب أو أم، وسرحان الذي يحمل أعباء تثقل كاهله فُرض عليه أن ينسى حتى اسمه ولكن الحلم حاضر في عالم سرحان، الحلم الأمل والاحتجاج والتمرد والاتهام:
وصاح بهم فجأة:
لماذا أكلتم خضارا مهربة من حقول أريحا؟
وسرحان متهم بالشذوذ عن القاعدة
سرحان الذي ولد من نسل تذكرة وعاش بمطبخ باخرة ونسي اسمه واسم والديه . . . وعاش كل هذا الخواء والتشرد، يجيب المحقق ويصرخ به، متهما إياه والعالم الذي اشترك معه في تنفيذ الجريمة وتثبيتها، والمتاجرة بوطنه وتراثه وتاريخه . لكن اللغة السرحانية هذه ليست مفهومة في عرف المحقق وعرف العالم، ولذا فإن سرحان شاذ عن القاعدة مجنون مختل .
الجزء الثاني السابق من القصيدة، رصد تفصيلي لأزمة سرحان التي أشرنا إليها في الجزء الأول في هذا الجزء يترك الشاعر سرحان يتذكر ويحتج ويشرح قضيته ومأساته، يستخدم تيار الوعي والمونولوج ليتحرك بحرية عبر الزمان والمكان وفقاً للحظة الشعورية التي تجتاحه وتداهمه في غرفة المحاكمة وينتقل سرحان إلى الماضي والحاضر والمستقبل ويستحضر أزمته وهذيانه وقهره وصبره، منفاه في لحظة مكثفة غاضبة رصدتها الفقرات السابقة .
ينتقل درويش إلى ذكرى جديدة دفينة في أعماق سرحان، إلى موقع آخر من مواقع الاتهام، إلى آخرين أسهموا في مأساة سرحان، في تشريده وتعذيبه وقتله، يقول: رأينا أصابعه تستغيث وكان يقيس السماء بأغلاله .
زرقة البحر يزجرها الشرَطي، يعاونه خادم آسيوي .
بلاد تغير سكانها، والنجوم حصى .
وكان يغني: مضى جيلنا وانقضى
مضى جيلنا وانقضى
وتناسل فينا الغزاة . تكاثر فينا الطغاة . دم كالمياه
الموقع الآخر في ذاكرة سرحان عبر رحلة المعاناة والضياع في وطنه وبين يدي أمته العريضة . ثانية يتوجع ويتقيد ويستغيث، من العدو مرة ومن الصديق مرات، من المحتل ومن الذي يساعده . سرحان مقهور أمام القوة التي تشوه وجه الأرض والبحر . . . ويشعر باليأس والانهيار، ثم يغني موالا حزينا يبعث على الأسى والقنوط مضى جيلنا وانقضى . فعدوه يتنكر بأشكال مختلفة قريبة وبعيدة، يحاصره من كل الجهات، الغزاة من هنا والطغاة من هناك وكلاهما يتناسل ويتكاثر ويتزايد أمام عينيه ومن حوله وليس له إلا أن ينكمش وييأس أمام شلالات الدماء التي تتدفق من الشهداء والمظلومين والمقهورين بسبب الغزاة من جهة، والطغاة من جهة أخرى . ويتابع درويش رسم صورة الأمة التي ينتمي إليها سرحان بعد الإشارة إلى الخادم الآسيوي، الأمة التي تتخاذل كثيرا أمام المأساة . كثيرون من أبناء هذه الأمة أداروا ظهرهم للعدو الحقيقي، مثل المحقق المستعمر، شددوا قبضتهم على شعوبهم وأبناء وطنهم، واستخدموا القوة الحرس لإخماد أصوات التحرر والمجابهة . فالذي يتحدث عن القمع والعدل ويافا يلجم ويخمد ويسجن، يقول:
سألناه: سرحان عم تساءلت
قال: اذهبوا . فذهبنا
إلى الأمهات اللواتي تزوجن أعداءنا .
وكن ينادين شيئا شبيها بأسمائنا
فيأتي الصدى حرسا .
ينادين قمعا .
فيأتي الصدى حرسا . . .
ولهذا فسرحان، يائسا ساخرا مكتئبا تائها، كان: . . . يضحك في مطبخ الباخرة .
يعانق سائحة، والطريق بعيد عن القدس والناصرة
وسرحان متهم بالضياع والعدمية
هذا الواقع المؤلم في أرض سرحان والأشد إيلاماً عند أمته الكبيرة، يدفعه إلى اليأس والاستهتار والارتحال إلى المنفى بعيدا عن القدس وعن وطنه . فهو في غربته يضحك ويعبث ويعانق سائحة ويبتعد كثيرا يحمل حزنا وكآبة ومرارة، ويتهم بالضياع واللامبالاة والعدمية .
سذاجة
سرحان تائه جوّال في كل بلاد الدنيا، يسمع أن المحتل يطمس معالم وطنه، يغير شوارعه ويهدم تراثه وحضارته وتاريخه . سرحان يشرب قهوته في كل بقاع الأرض إلا في أرضه، ورائحة قهوته العربية تلاحقه أنى يرحل في العالم العريض . ثم يرتد درويش إلى الماضي ويذكر سرحان بسذاجة أجداده وحسن نيتهم حينما التزموا بالمواثيق والعهود والأخلاق والاتفاقيات مع اللصوص والمستعمرين، ثم كانت المأساة والتشرد وضياع الأرض . وكانت أمّك أو (وطنك) تغزل الأماني والأحلام، تتشبث بالحقيقة والتاريخ والأرض، ولكنها انهارت أمام القوة والزيف والقهر . . أمام التاريخ الجديد والمنفى الجديد والموت الذي كلفها قوافل من الشهداء