هي أطول سور القرآن على الإِطلاق، وهي مِنْ أعظم سور الْقُرْآنِ، قيل: فِيهَا أَلْفُ أَمْرٍ، وَأَلْفُ نَهْيٍ، وَأَلْفُ حُكْمٍ، وَأَلْفُ خَبَرٍ، وَلِعَظِيمِ فِقْهِهَا أَقَامَ عبد الله بن عمر ثَمَانِي سِنِينَ فِي تَعَلُّمِهَا، عدد آياتها 286 آية، استغرقت جزأين وزيادة في المصحف، وزادت على أربعة أحزاب بثلاثة أرباع الحزب الخامس إضافة إلى أربع آيات، وطالت إلى تسعة عشر ربعاً وأربع آيات، وهي السورة الثانية من حيث الترتيب في المصحف، وهي أول سورة نزلت بالمدينة، تبدأ بحروف مقطعة الم، وذكر فيها لفظ الجلالة أكثر من مئة مرة، وبها أطول آية في القرآن، وهي آية الدين رقم (282)، وقد عُدت سورة البقرة السابعة والثمانين في ترتيب نزول السور وقد نزلت بعد سورة المطففين، وقبل آل عمران .
سنام القرآن
ورد في فضل سورة البقرة الكثير من الأحاديث الصحيحة التي جمعت بينها وبين سورة آل عمران، فعنه صلى الله عليه وسلم أنه قال: لا تجعلوا بيوتكم مقابر، إِن الشيطان ينفر من البيت الذي تقرأ فيه سورة البقرة أخرجه مسلم والترمذي، وقال: اقرؤوا سورة البقرة، فإِن أخذها بركة، وتركها حسرة، ولا يستطيعها البَطَلَة يعني السَّحَرَة . (أخرجه مسلم) .
وأخرج مسلم عن أبي أمامة الباهلي قال: سمعتُ رسولَ الله يقول: اقرؤوا القرآن، فإنه يأتي يوم القيامة شفيعاً لأصحابه، اقرؤوا الزَّهْرَاوَيْن: البقرة، وآل عمران، فإنهما تأتيان يوم القيامة كأنهما غَمامتان -أو غَيَايَتَان- أو كأنهما فِرْقَانِ من طيرٍ صَوَافّ، تُحاجَّانِ عن صاحبهما، اقرؤوا سورة البقرة، فإن أخْذَها بَرَكةٌ، وتَرْكَها حَسْرَةٌ، ولا تستطيعها البَطَلَةُ، قال معاوية بن سلاَّم: بلغني أن البطلةَ: السَّحَرَةُ . وزاد في رواية مَا مِنْ عبدٍ يقرأُ بها في ركعة قبل أن يسجدَ، ثم سأل الله شيئاً إلا أعطاه، إِنْ كادتْ لَتَسْتحصي الدِّين كلَّه .
وأخرج مسلم والترمذي عن أبي هريرة أن رسولَ الله قال: لا تجعلوا بيوتكم مقابرَ، إن الشيطان يفِرُّ من البيت الذي تُقرأ فيه سورة البقرة، وزاد مسلم قال: قال رسولُ الله: إذا قضى أحدُكم الصلاة في مسجده، فَلْيَجْعَلْ لبيته نصيباً من صلاته، فإن الله جاعلٌ في بيته من صلاته خيراً .
وأخرج الترمذي عن النعمان بن بشير قال: إن الله كتب كتاباً قبل أنْ يَخلُقَ السمواتِ والأرضَ بأَلْفَيْ عام، أنزل منه آيتين خَتَم بهما سورة البقرة، ولا تُقرآن في دارٍ ثلاث مرات فيقربها شيطانٌ، وعن أبي هريرة أن رسولَ الله قال: لكل شيء سَنامٌ، وإنَّ سنام القرآن سورةُ البقرة، وفيها آية هي سيدةُ آي القرآن: آيةُ الكرسي أخرجه الترمذي .
وعن أُبيُّ بن كعب قال: قال رسولُ الله: يا أبا المنذر، أتدري أَيّ آية من كتاب الله معك أعظم؟ قلت: الله لا إله إلا هو الحي القيوم (البقرة:255) فضرب في صدري وقال: لِيَهْنِكَ العِلْمُ أبا المنذر، (أخرجه مسلم) . وفي رواية أبي داود قال: قال رسولُ الله: يا أبا المنذر، أيُّ آية معك من كتاب الله أعظم؟ قال: الله ورسولُه أعلم، قال: أبا المنذر أيُّ آية من كتاب الله معك أعظم؟ قلت: الله لا إله إلاّ هو الحي القيوم . . الحديث .
وأخرج البخاري عن أسيد بن حضير قال: بينما هو يقرأ من الليل سورة البقرة، وفرسُه مربوطةٌ عنده، إذْ جالَت الفرسُ، فسكتَ، فَسكنَت الفرس، فقرأ، فجالت، فسكت، فسكنت الفرس، ثم قرأ فجالت الفرس، فانصرف، وكان ابنه يحيى قريباً منها، فأشفق أن تُصيبه ولما أخَّره رفع رأسه إلى السماء، فإذا مِثلُ الظُّلَّة، فيها أمثالُ المصابيح، فلما أصبح حدَّث النبيَّ، فقال: اقرأ يا ابنَ حُضَير، قال: أشْفَقْتُ يا رسولَ الله أن تطأَ يحيى، وكان منها قريباً، فانصرفتُ إليه، ورفعتُ رأسي إلى السماء، فإذا مِثْلُ الظُّلَّة فيها أمثالُ المصابيح، فخرجت حتى لا أراها، قال: وتدري ما ذاك؟ قال: لا، قال: تلك الملائكةُ دَنَتْ لصوتك، ولو قرأتَ لأصبحتْ ينظر الناسُ إليها، لا تتوارى منهم .
سبب التسمية
سميت هذه السورة سورة البقرة في المروي عن النبي صلى الله عليه وسلم وما جرى في كلام السلف، فقد ورد في الصحيح أن النبي صلى الله عليه وسلم قال: من قرأ الآيتين من آخر سورة البقرة كفتاه .
وسُميت السورة الكريمة سورة البقرة إِحياءً لذكرى تلك المعجزة الباهرة، التي ظهرت في زمن موسى الكليم عليه السلام، حيث قُتل شخص من بني إِسرائيل ولم يُعرَف قاتله، فعُرِضَ الأمر على موسى لعله يعرف القاتل، فأوحى الله تعالى إِليه أن يأمرهم بذبح بقرة، وأن يضربوا الميت بجزءٍ منها فيحيا بإِذن الله ويخبرهم عن القاتل، وتكون برهاناً على قدرة الله، جل وعلا، في إِحياء الخلق بعد الموت، وهذه القصة من قصص بني إسرائيل ظهر فيها قلة التوقير لنبيهم والتعنت في المسألة والإلحاح فيها إما للهرب من الامتثال وإما لبعد أفهامهم عن مقصد الشارع ورومهم التوقيف على ما لا قصد إليه .
ويشير صاحب التحرير والتنوير إلى أن الآيات تحكي قصتين أشارت الأولى إلى أمر موسى بني إسرائيل بذبح بقرة، وهذه هي القصة التي أشارت إليها التوراة في السفر الرابع وهو سفر التشريع الثاني أنه إذا وجد قتيل لا يعلم قاتله فإن أقرب القرى إلى موقع القتيل يخرج شيوخها ويخرجون عجلة من البقر لم يحرث عليها، ولم تنجر بالنير، فيأتون بها إلى واد دائم السيلان لم يحرث ولم يزرع، ويقطعون عنقها هنالك، ويتقدم الكهنة من بني لاوي فيغسل شيوخ تلك القرية أيديهم على العجلة في الوادي، ويقولون لم تسفك أيدينا هذا الدم، ولم تبصر أعيننا سافكه، فيغفر لهم الدم .
هكذا ذكرت التوراة القصة بإجمال أضاع المقصود وأبهم الغرض من هذا الذبح، أهو إضاعة ذلك الدم باطلا أم هو عند تعذر معرفة المتهم بالقتل؟ وكيفما كان فهذه بقرة مشروعة عند كل قتل نفس جهل قاتلها وهي المشار إليها هنا، ثم كان ما حدث من قتل القتيل الذي قتله أبناء عمه وجاؤوا مظهرين المطالبة بدمه وكانت تلك النازلة نزلت في يوم ذبح البقرة، فأمرهم الله بأن يضربوا القتيل ببعض تلك البقرة التي شأنها أن تذبح عند جهل قاتل نفس، وبذلك يظهر وجه ذكرهما قصتين وقد أجمل القرآن ذكر القصتين لأن موضع التذكير والعبرة منهما هو ما حدث في خلالهما، لا تفصيل الوقائع، فكانت القصة الأولى تشريعاً سبق ذكره وكانت القصة الثانية منّة عليهم بآية من آيات الله ومعجزة من معجزات رسولهم بينها الله لهم ليزدادوا إيمانا ولذلك ختمت بقوله: فَقُلْنَا اضْرِبُوهُ بِبَعْضِهَا كَذَلِكَ يُحْيِي اللَّهُ الْمَوْتَى وَيُرِيكُمْ آيَاتِهِ لَعَلَّكُمْ تَعْقِلُونَ، (سورة البقرة: 73) .