‮مكة المكرمة من أطيب البقاع، وأحبها إلى الله تعالى وإلى رسوله‮ صلى الله عليه وسلم، ‬فهي أم القرى، وحرم الله تعالى، والبلد الأمين، والمكان المصطفى‮.‬
‮يقول‮: ‬د‮. ‬أحمد عوض في كتابه‮ (‬موسوعة بلاغة الرسول‮)‬: «‬إِنَّ‮ ‬أَوَّلَ‮ ‬بَيْتٍ‮ ‬وُضِعَ‮ ‬لِلنَّاسِ‮ ‬لَلَّذِي‮ ‬بِبَكَّةَ‮ ‬مُبَارَكًا وَهُدًى لِلْعَالَمِينَ‮ ‬، فِيهِ‮ ‬آيَات بَيِّنَاتٌ‮ ‬مَقَامُ‮ ‬إِبْرَاهِيم وَمَنْ‮ ‬دَخَلَهُ‮ ‬كَانَ‮ ‬آمِنًا وَلِلَّهِ‮ ‬عَلَى النَّاسِ‮ ‬حِجُّ‮ ‬الْبَيْتِ‮ ‬مَنِ‮ ‬اسْتَطَاعَ‮ ‬إِلَيْهِ‮ ‬سَبِيلًا وَمَنْ‮ ‬كَفَرَ‮ ‬فَإِنَّ‮ ‬اللَّهَ‮ ‬غَنِيٌّ‮ ‬عَنِ‮ ‬الْعَالَمِينَ‮». (‬آل عمران‮: 69-79‮)‬.
‮سميت بمكة، لأنها تمك الجبارين وتهلكهم كما حدث مع إبراهيم عليه السلام، ويذهب أهل اللغة إلى أنها سميت مكة لأنها تجذب‮ ‬الناس إليها من جميع الأطراف‮: «‬فَاجْعَلْ‮ ‬أَفْئِدَةً‮ ‬مِنَ‮ ‬النَّاسِ‮ ‬تَهْوِي‮ ‬إِلَيْهِمْ‮». (‬إبراهيم‮: ‬73)‬.
‮وورد اسم مكة في موضع واحد في قولة تعالى‮: «‬بِبَطْنِ‮ ‬مَكَّةَ‮» (‬الفتح‮: ‬42‮)، ‮وورد اسم بكة في موضع واحد كذلك‮ «‬لَلَّذِي‮ ‬بِبَكَّةَ‮» ‬والفرق بينهما‮: «‬أن بكة هي موضع البيت، أما مكة فهي كل الحرم الشريف»‮.‬

أم القرى

‮وصف الحق سبحانه مكة المكرمة بأنها أم القرى في موضعين من القرآن العظيم، يقول تعالى‮: «‬وَهَذَا كِتَابٌ‮ ‬أَنْزَلْنَاهُ‮ ‬مُبَارَكٌ‮ ‬مُصَدِّقُ‮ ‬الَّذِي‮ ‬بَيْنَ‮ ‬يَدَيْهِ‮ ‬وَلِتُنْذِرَ‮ ‬أُمَّ‮ ‬الْقُرَى وَمَنْ‮ ‬حَوْلَهَا وَالَّذِينَ‮ ‬يُؤْمِنُونَ‮ ‬بِالْآخِرَةِ‮ ‬يُؤْمِنُونَ‮ ‬بِهِ‮ ‬ وَهُمْ‮ ‬عَلَى صَلَاتِهِمْ‮ ‬يُحَافِظُونَ‮». (‬الأنعام‮: ‬29‮)، «‬وَكَذَلِكَ‮ ‬أَوْحَيْنَا إِلَيْكَ‮ ‬قُرْآنًا عَرَبِيًّا لِتُنْذِرَ‮ ‬أُمَّ‮ ‬الْقُرَى وَمَنْ‮ ‬حَوْلَهَا‮»، (‬الشورى: 7).
وسميت مكة أم القرى، لأنها أشرف من سائر البلاد لأدلة كثيرة، منها قوله‮ صلى الله عليه وسلم: (‬والله إنك لخير أرض الله، وأحب أرض الله إلي، ولولا أني أُخرجت منك ما خرجت‮).‬
‮وقد سميت الحاطمة، لأنها تحطم من استخف بها وسميت البلد الأمين لقوله تعالى‮: «‬لَا أُقْسِمُ‮ ‬بِهَذَا الْبَلَدِ‮ ‬وَأَنْتَ‮ ‬حِلٌّ‮ ‬بِهَذَا الْبَلَدِ‮ ‬وَوَالِدٍ‮ ‬وَمَا وَلَدَ‮» (‬البلد‮: ‬1‮-‬3‮) ‬.
وعن أنس بن مالك رضي الله عنه أن النبي صلى الله عليه وسلم قال:‮ ‬«من صبر على حر مكة ساعة من نهار تباعدت عنه جهنم مسيرة مئة عام‮».
‮وفي فضل مكة تقول السيدة عائشة رضي الله عنها‮ (‬لولا الهجرة لسكنت مكة، فإني لم أرَ السماء بمكان‮ ‬أقرب إلى الأرض منها بمكة، ولم‮ ‬يطمئن قلبي ببلد قط ما اطمأن بمكة، ولم أرَ القمر بمكان أحسن منه بمكة‮).‬

شريعة إبراهيم

‮ومما زاد من فضلها وفضل أهلها قبل الإسلام التزامهم بكثير من شريعة إبراهيم عليه السلام، فقد كانوا ‬يختنون أولادهم، ويحجون البيت، ويقيمون المناسك، ويكفنون موتاهم، ويغتسلون من الجنابة، ويتولون عمارة المسجد الحرام، وسقاية الحجيج‮ ‬، وقد قال النبي صلى الله عليه وسلم: «من مات بأحد الحرمين بُعث‮ ‬يوم القيامة من الآمنين». ‮وقال صلى الله عليه وسلم: «ينزل على هذا البيت كل‮ ‬يوم مئة وعشرون رحمة، ستون للطائفين، وأربعون للمصلين وعشرون للناظرين‮».‬
‮وقال أيضا‮: «‬إن الله تعالى‮ ‬ينظر في كل ليلة إلى أهل الأرض، فينظر إلى أهل الحرم أولا، فمن رآه طائفا‮ ‬غفر له، ومن رآه مُصليا‮ ‬غفر له، ومن رآه مستقبل الكعبة‮ ‬غفر له‮».‬
‮وعن الحسن البصري أنه قال‮: (‬الصلاة بمكة بمئة ألف صلاة وصوم‮ ‬يوم بها بمئة ألف‮ ‬يوم، وصدقة درهم بمئة ألف درهم، وكذلك كل حسنة بمئة ألف‮).‬
‮وهكذا تضاعف الحسنات كما تضاعف السيئات‮ «‬وَمَنْ‮ ‬يُرِدْ‮ ‬فِيهِ‮ ‬بِإِلْحَادٍ‮ ‬بِظُلْمٍ‮ ‬نُذِقْهُ‮ ‬مِنْ‮ ‬عَذَابٍ‮ ‬أَلِيمٍ‮»، (الحج: 52).

وقال صلى الله عليه وسلم: ‬«إبراهيم حرّم مكة ودعا لها ولأهلها» فقد استجاب الله لدعاء خليله عليه السلام المتكرر في القرآن العظيم‮: ‬«‬وَإِذْ‮ ‬قَالَ‮ ‬إِبْرَاهِيمُ‮ ‬رَبِّ‮ ‬اجْعَلْ‮ ‬هَذَا بَلَدًا آمِنًا وَارْزُقْ‮ ‬أَهْلَهُ‮ ‬مِنَ‮ ‬الثَّمَرَاتِ‮»، (‬البقرة: ‮).‬126 ‬
‮عَن‮ ‬ابْنِ‮ ‬عَبَّاسٍ‮ ‬رَضِيَ‮ ‬اللَّهُ‮ ‬عَنْهُ‮ما ‬قَالَ‮: ‬قَالَ‮ ‬رَسُولُ‮ ‬اللَّهِ‮ ‬صَلَّى اللَّهُ‮ ‬عَلَيْهِ‮ ‬وَسَلَّمَ‮ - ‬يَوْمَ‮ ‬فَتْحِ‮ ‬مَكَّةَ‮ -: ‬«إنَّ‮ ‬هَذَا الْبَلَدَ‮ ‬حَرَّمَهُ‮ ‬اللَّهُ‮ ‬يَوْمَ‮ ‬خَلَقَ‮ ‬اللَّهُ‮ ‬السَّمَوَاتِ‮ ‬وَالْأَرْضَ‮. ‬فَهُوَ‮ ‬حَرَامٌ‮ ‬بِحُرْمَةِ‮ ‬اللَّهِ‮ ‬إلَى‮ ‬يَوْمِ‮ ‬الْقِيَامَةِ‮. ‬وَإِنَّهُ‮ ‬لَمْ‮ ‬يَحِلَّ‮ ‬الْقِتَالُ‮ ‬فِيهِ‮ ‬لِأَحَدٍ‮ ‬قَبْلِي، وَلَمْ‮ ‬يَحِلَّ‮ ‬لِي‮ ‬إلَّا سَاعَةً‮ ‬مِنْ‮ ‬نَهَارٍ‮ ‬فَهُوَ‮ ‬حَرَامٌ‮ ‬بِحُرْمَةِ‮ ‬اللَّهِ‮ ‬إلَى‮ ‬يَوْمِ‮ ‬الْقِيَامَةِ‮. ‬لَا‮ ‬يُعْضَدُ‮ ‬شَوْكُهُ، وَلَا‮ ‬يُنَفَّرُ‮ ‬صَيْدُهُ، وَلَا‮ ‬يَلْتَقِطُ‮ ‬لُقْطَتَهُ‮ ‬إلَّا مَنْ‮ ‬عَرَّفَهَا‮. ‬وَلَا‮ ‬يُخْتَلَى خَلَاهُ»‮.‬ ‮ويضيف د‮. ‬عوض: «‬من سمات‮ ‬الحديث البلاغية أنه‮ ‬يضيف أبعاداً‮ ‬دلالية لحرمة مكة، فقد قضى الله بحرمتها، فهي من محرمات الله، لا‮ ‬يحل القتال بها، ولا تقطع أشجارها‮ ‬ولا‮ ‬يُصاد طيرها، كما لا‮ ‬يجوز‮ ‬أخذ اللقطة في مكة إلا لتعريفها وتبليغها، وقد جمع الحديث الشريف بين التحريم العام بمكة‮ ‬لكونها حرماً‮ ‬ثم التحريم الخاص لبعض الأشياء التي حرمت في مكة دون‮ ‬غيرها خاصة، لذا كان المسلم محرما‮».‬
‮وقد دعمت مادة الحديث بالعديد من أساليب التوكيد التي استلزمها السياق حيث أعلى رسول الله‮ صلى الله عليه وسلم ‬من شأن مكة‮ ‬يوم فتحها، وكان الفاتحون في معظمهم حديثي العهد بالإسلام، فأكد لهم الحبيب حرمة مكة، توضيحا لجوانب تشريعية اختصت بها مكة، فاستخدم التوكيد بإن واسم الإشارة‮ ‬، وأكد‮ «بالفاء‮» ‬عدة مرات، وأردف عدة صفات متتابعة تؤكد بعضها بعضاً‮ ‬توكيداً‮ ‬معنوياً، وأكد حرمة مكة ثلاث‮اً (‬حرمه الله‮) (‬فهو حرام بحرمة الله‮) (‬ولم يحل لي‮).‬
‮وتحقيقاً‮ ‬لذلك أورد الحبيب عدة محسنات لفظية زادت المعنى توكيداً‮ ‬واتضاحاً، ومن ذلك الجناس الناقص في قوله‮ (‬فهو حرام بحرمة الله‮) ‬مرتين‮.‬
‮والجناس التام في‮: (‬لم‮ ‬يحل‮) ‬مرتين‮ ‬وهذا الجناس تضافر على تأكيد حرمة مكة‮.‬
‮ونرى السجع اللطيف في جمال الأداء والتقفية‮ ‬في قوله‮ صلى الله عليه وسلم ‬عن الحرم‮ (‬لا‮ ‬يعضد شوكه، ولا‮ ‬ينفر صيده‮).‬

«ساعة من النهار»

‮ومن بلاغة النبي في الحديث الشريف اعتذاره‮ صلى الله عليه وسلم ‬عن دخول مكة‮ ‬غير محرم مقاتلاً‮ ‬يوم الفتح في قوله‮: (‬لم‮ ‬يحل‮ ‬لي إلا ساعة من نهار)، فقد كان أهل مكة مستحقين لذلك القتال لصدهم عن المسجد الحرام وإخراج أهله منه، وقوله‮: ‬ساعة لا‮ ‬يراد بها ساعة الزمن وإنما هو كناية عن‮ ‬يوم فتح مكة ما بين طلوع الشمس وصلاة العصر‮.‬
‮وتميزت مادة الحديث بعدد من الكنايات العظيمة في الدلالة والتي أضافت أبعاداً‮ ‬جديدة في حرمة مكة وفضلها ومن ذلك قوله‮ (‬لا‮ ‬يعضد شوكه‮) ‬كناية عن تحريم قطع الشجر‮ ‬في الحرم حتى لو كان المقطوع شوكاً‮.‬ ‮وقوله‮: (‬لا‮ ‬ينفر صيده) ‬كناية عن تحريم الاصطياد والتنفير هو الإزعاج‮ ‬. ‮وقوله‮: (‬لا‮ ‬يلتقط إلا من عرفها‮) كناية عن تحريم أخذ اللقطة في مكة إلا للتعريف بها‮.‬
‮وقوله‮ (‬لا‮ ‬يختلى خلاه‮) ‬كناية عن تحريم الرعي داخل الحرم، واقتصر التحريم على الرطب دون اليابس من الحشائش‮.‬
‮وقد دعمت الكناية السابقة بهذا الجناس اللطيف الذي أسهم في تقوية البناء الدلالي والصوتي في هذا الحديث الشريف‮. ‬