‮يوم عرفات هو أصل الحج وأساسه‮ «‬فالحج عرفة‮» ‬وهو عظيم في كل الأمور لمن حج ولمن لم‮ ‬يحج،‮ ‬وقدره لا‮ ‬يفوقه قدر،‮ ‬فهو للحجيج‮ ‬يوم تساقط الذنوب بما‮ ‬يتنزل عليهم من رحمات ربهم‮.‬
‮كما قال صلى الله عليه وسلم‮: «‬يعد‮ ‬يوم عرفة‮ ‬يوم اللقاء الأكبر،‮ ‬بين العبد المنيب المشتاق،‮ ‬وبين ربه التواب الرحيم،‮ ‬فيوم عرفة‮ ‬يوم المعرفة،‮ ‬ويوم عرفة‮ ‬يوم المغفرة،‮ ‬ويوم عرفة‮ ‬يوم تتنزل فيه الرحمات على العباد من خالق الأرض والسماوات‮». ‬

يوم العتق من النار

‮عن جابر رضى الله عنه قال‮: «‬ما من‮ ‬يوم أفضل‮ ‬عند الله تعالى من‮ ‬يوم عرفة،‮ ‬ينزل الله تبارك وتعالى إلى السماء الدنيا،‮ ‬فيباهى بأهل الأرض أهل السماء فيقول‮: ‬انظروا إلى عبادي جاؤوني شُعثًا‮ ‬غُبرًا ضاجين،‮ ‬جاؤوا من كل فج عميق‮ ‬يرجون رحمتي ولم‮ ‬يروا عقابي،‮ ‬ما من‮ ‬يوم أكثر عتقاً من النار من‮ ‬يوم عرفة‮».‬
‮وعن أبي الدرداء رضي الله عنه، أن رسول الله‮ صلى الله عليه وسلم قال: «‬ما رئي الشيطان‮ ‬يوماً فيه أصغر ولا أدحر ولا أحقر ولا أغيظ منه في‮ ‬يوم عرفة‮» ‬وما ذلك إلا لما رأى من تنزّل الرحمة،‮ ‬وتجاوز الله عن الذنوب،‮ ‬فهو‮ ‬يوم العتق من النار، ويوم قبول الدعاء،‮ ‬وصيامه‮ ‬يكفر سنة مضت وسنة قادمة‮، ‬ومعنى‮ ‬يكفر‮: ‬أن الله تعالى ‬يمحو الذنوب والخطايا‮ ويغفر الزلات، ولذا كان من دُعاء‮ الرسول صلى الله عليه وسلم ‬في عرفات‮: ‬‮ «‬لا إله إلا الله وحده لا شريك له،‮ ‬له الملك وله الحمد،‮ ‬وهو على كل شيء قدير،‮ ‬اللهم اجعل في بصري نوراً وفي سمعي‮ ‬نوراً، وفي قلبي نوراً اللهم اشرح لي صدري ويسرلي أمري، اللهم إني أعوذ بك من وسواس الصدر، وشتات الأمر،‮ ‬وشر فتنة القبر، وشر ما‮ ‬يلج في الليل،‮ ‬وشر ما‮ ‬يلج في النهار وشرما تهب به الرياح،‮ ‬وشر بوائق الدهر‮».‬
‮وتجاوز الله عن أهل الموقف وإعتاق رقابهم من النار،‮ له شروط إيمانية‮ ‬قال النبي‮ صلى الله عليه وسلم: «‬من حفظ لسانه وسمعه وبصره‮ ‬يوم عرفة،‮ ‬غفر له من عرفة إلى عرفة‮»‬.

حقوق العباد

‮ «‬عن جابر رضى الله عنه قال‮: ‬سمعت رسول الله صلى الله عليه وسلم‮ ‬يقول‮: ‬«إن الله تطوَّل (أي امتن) على أهل عرفات‮ ‬يباهي‮ ‬بهم الملائكة،‮ ‬يقول‮: ‬يا ملائكتي،‮ ‬انظروا إلى عبادي‮ ‬شُعثًا‮ ‬غُبرًا،‮ ‬أقبلوا‮ ‬يضربون إلي‮ّ ‬من كل فج عميق،‮ ‬فأشهدكم أني‮ ‬قد أجبت دُعاءهم،‮ ‬وشفعت رغبتهم،‮ ‬ووهبت مسيئهم لمحسنهم،‮ ‬وأعطيت لمحسنيهم جميع ما سألوني‮ ‬غير التبعات( أي: حقوق العباد )التي بينهم». ‬ولا بد أن ننتبه هنا إلى أن الله‮ ‬يتجاوز في هذا اليوم عن الذنوب، ‬ولكن حقوق العباد ‬لا تغفر في عرفات ولا تسقط بالحج إلا أن يحصل العبد على حقوق لم يكن عالماً بها، ‬أو‮ ‬يكون عاجزاً عن أدائها‮، وعلينا أن نعي المعنى الصحيح لقوله تعالى: (‬إن الله لا‮ ‬يغفر أن‮ ‬يشرك به ويغفر ما دون ذلك لمن‮ ‬يشاء‮)‬ فكلمتا «لمن‮ ‬يشاء» تعنيان أن الله تعالى إن شاء عذب العبد، وإن شاء‮ ‬غفر له، أي أن العبد (‬تحت المشيئة، وشتان بين من‮ ‬يقع تحت المشيئة، وبين تكفير الذنوب من دون سابقة عذاب‮).

البناء التصويري

ويوضح الدكتور ‬أحمد عبده عوض في‮ ‬كتابه‮ (‬موسوعة بلاغة الرسول‮) السمات البلاغية والأسلوبية لهذا الحديث ‬فيقول‮: ‬«الجمل الفعلية المتتابعة معظمها مضارعة توحي لنا بحركة الحجيج وانتقالهم‮ ‬،‮ ‬وبحالتهم التي هم عليها وكثرة الفضل النازل على الحجيج، ‬والمتابعة من الله عز وجل،‮ ‬ثم قبول الدعاء منهم،‮ ‬بل‮ ‬إنه سبحانه يتقبل منهم جميع ما سألوه.‬
‮ ‬والكنايات المتعددة أعطت لنا جانبا‮ً ‬تصويرياً عظيماً‮: ‬
‮ * «إن الله عز وجل تطول‮..» ‬كناية عن الطول،‮ ‬وهو العفو والمغفرة والقبول‮.‬
‮* «‬انظروا إلى عبادي شُعثًا‮ ‬غُبراً‮» كناية عن جهاد الحاج،‮ ‬وما‮ ‬يلحق به من مشقة،‮ ‬وتبدل في المظهر،‮ ‬ابتغاء وجهه تعالى‮.‬
‮* «‬شفعت رغبتهم‮» كناية عن تحقيق الأماني،‮ ‬والرغبات في عرفات الله‮.‬
* «ووهبت مسيئهم لمحسنهم‮» كناية‮ ‬عن العفو العام الشامل لجميع الحجيج‮.‬
‮‬البناء التصويري تكامل جماله من خلال الأداء الصوتي المتميز،‮ ‬والسجع المؤثر في‮: «‬قد‮ ‬غفرت لهم‮‬،‮ ‬وأجبت دعاءهم‮ ‬وشفعت رغبتهم‮». ‬والتضاد هنا‮ ‬يوضح المعنى،‮ ‬ويبرز أنواع الناس في قوله‮: «‬ووهبت مسيئهم لمحسنهم‮»‬،‮ ‬حيث‮ ‬يبرز لك تحقق شفاعة الصالحين في المسيئين ثم‮ ‬يتفاضل المحسنون،‮ «‬وأعطيت لمحسنيهم جميع ما سألوني‮» ‬.
‮‬وأسلوب الاستثناء‮ ‬يعكس لنا أن هناك ذنوباً لا تغفر إلا بإرجاع الحقوق إلى أصحابها وذلك في قوله‮: «‬غير التبعات التي بينهم‮» ‬فرغم أن الحج‮ يكفر الذنوب إلا أنه لا يكفر التبعات،‮ ‬وفى هذا حث على عدم التفريط في حقوق الآخرين‮.‬
‮‬ونرى‮ ‬الترابط بين الحديث وبين اللغة القرآنية في قوله: «أقبلوا‮ ‬يضربون إلى من كل فج عميق‮» ‬حيث نستحضر قول الله تعالى‮: ‬«وَأَذِّنْ‮ ‬فِي‮ ‬النَّاسِ‮ ‬بِالْحَجِّ‮ ‬يَأْتُوكَ‮ ‬رِجَالًا وَعَلَى كُلِّ‮ ‬ضَامِرٍ‮ ‬يَأْتِينَ‮ ‬مِنْ‮ ‬كُلِّ‮ ‬فَجٍّ‮ ‬عَمِيقٍ‮ »، (‬الحج: 27).