أصبح مهرجان الفنون الإسلامية بعد مضي اثنتي عشرة دورة على إقامته إحدى العلامات الفنية الفارقة التي أسست لها الشارقة بوصفها إحدى أهم العواصم الثقافية العربية، ومع اقتراب ختام فعاليات فلك الفسيفساء وهو الشعار الذي اتخذته الدورة المنصرمة منذ أيام، يمكن القول إن الفعاليات التي احتضنتها هذه الدورة، والتي بلغت ما يقارب 135 نشاطا، قد استكملت صيرورة الأهداف التي تأسس المهرجان وفقا لها، وهي تعزيز مكانة الفنون الإسلامية، بوصفها جزءا من مكونات الهوية العربية الإسلامية، كما أنها واحدة من العلامات المميزة لقدرة هذه الحضارة على إرساء فنون وجماليات خاصة بها، لكنها جماليات غير منغلقة على ذاتها، وهذا ما تثبته الدورات المتعاقبة، من خلال الآثار والفنون الحاضرة لشعوب كثيرة تفاعلت بالتأثر والتأثير في تلك الفنون، وأهمها الخط العربي، والزخرفة، والمنمنمات، والعمارة الإسلامية، وكلها فنون تداخلت مع الكثير من الأفكار والخصائص الفلسفية والاجتماعية والاقتصادية للعصور المختلفة.

من أهم الفعاليات التي احتضنها فلك الفسيفساء في دورته المنصرمة، المعارض الخمسة الكبرى التي افتتحها سمو الشيخ الدكتور سلطان بن محمد القاسمي عضو المجلس الأعلى حاكم الشارقة في متحف الشارقة للفنون، وهي متون وفنون من شنقيط، والمرئي والمسموع وطاقة الأبعاد ونظرات ونزهة العيون.

جاء معرض متون وفنون الذي أقيم بالتعاون مع مكتبة هارون ولد الشيخ سيديّ الموريتانية ليضيء على كم هائل من المخطوطات القيمة، حيث ضم أكثر من 100 مخطوط نادر من مكتبة هارون التي تحتوي على نفائس من المخطوطات تربو على 1000 مخطوط، وهي جزء من مكتبات آل الشيخ سيدي العريقة التي كان أسس نواتها العالم الصالح الشيخ سيدي 1826 الذي كان له تأثير روحي وعلمي كبير تعدى موريتانيا إلى شمال وغرب إفريقيا، وقد ترك مكتبة من أغنى المكتبات التراثية في شمال إفريقيا، وحافظ أبناؤه عليها من بعده وعززوها بنوادر أخرى.

احتل معرض متون وفنون من شنقيط جناحا كاملا من المعرض بلغ 15 قاعة وحوى مخطوطات نادرة كتبت بالحبر التقليدي وبخط مغربي جميل زينته الألوان المختلفة التي يتخذها المصنفون للتفريق بين المتن والحاشية والطرة، فكانت تحفة فنية رائعة قبل أن تكون تحفة علمية ثمينة، ومن نوادر المخطوطات في المعرض النسخة الوحيدة الموجودة من كتاب الضروري في صناعة النحو لفيلسوف الأندلس وعلامتها ابن رشد ت 1198 ومنها ربيع الأبرار للزمخشري وضياء التأويل في معاني التنزيل لعبدالله بن محمد بن عثمان الفودي، إلى جانب كتب أخرى كثيرة، منها نوادر من مؤلفات الشيخ سيدي وحفيده العلامة بابهْ ولد سيدي محمد.

وقد ضم المعرض إلى جانب المخطوطات مجموعة من الأدوات التقليدية التي كانت تستخدم في الكتابة كحافظات الأقلام وأنواع الجفير الذي يصنع من جلد وتحفظ فيه الكتب فيصونها من الشمس والرطوبة ويبقي كتابتها نضرة، وأواني الشاي التي كانت من لوازم الشيوخ وهم يعكفون على تصنيف كتبهم.

أما معرض المرئي والمسموع هو أهم المعارض التي ينظمها المهرجان، ذلك لأنه كان هو البداية التي بدأ بها المهرجان قبل أن يتوسع إلى معارض وورشات أخرى، وقد احتضن هذا المعرض على مدى الاثنتي عشرة سنة الماضية من عمر المهرجان خيرة الخطاطين العرب، وفي ظله تطورت ممارسة الخط، وأصبحت الحروفية العربية فناً مستقلاً يضارع فنون التشكيل وينحو إلى العالمية ويرتاد عوالم التجريب تماما كما يرتادها التشكيليون، وهو هذا العام يضم 39 فناناً بمجموع 112 عملاً فنياً بين لوحات الخط العربي الأصيل ومشاغل النقش على الخزف والأعمال الحروفية التي تبحث عن شكل جديد بالاعتماد على لعبة الألوان والضوء.ومن أهم الفنانين المشاركين في هذا المعرض: إيمان البستكي، عبد العزيز الفضلي، ندى باقر، نرجس نور الدين، سالم أحمد صالح من الإمارات إلى جانب فنانين من العراق وسوريا ومصر وفلسطين والسودان ولبنان وتركيا وباكستان وبنغلادش. ويعكس اختلاف الجنسيات وعدم اقتصارها على المنطقة العربية الطاقة الجمالية الأخاذة لفن الخط العربي، وكيف ان الخط العربي يغري غير العرب باقتحام عالمه الجمالي.

أمن جهة أخرى قدم معرض نزهة العيون جماليات الخط التي زيّنت سطح القطع الكريستالية فضاء رحبا لتجيء هذه التسمية نزهة العيون من تلك المزايا والصفات التي تميز بها الحرف العربي من جهة والكريستال من جهة أخرى.

ضم المعرض 84 عملاً لمجموعة من أشهر الخطاطين منهم الامارات وهم صلاح شيرزاد، محمد النوري، وسام شوكت، حاكم غنام، فاطمة سعيد، مصعب شامل الدوري، ماجدة سليم وإيمان البستكي، أما من خارج الامارات فنشاهد أعمالاً خطية لكل من عزت كركولي، حسن قاسم حبش، فهمي افندي، سيد ابراهيم، كامل البابا، جواد سبتي وعبدالعزيز الرفاعي وغيرهم، وهذا التشكيل الخطي الذي يجمع بين الدائري والديواني الجلي وخط الثلث المتراكب والثلث الجلي المتناظر والثلث الجلي المستطيل والديواني الجلي والجلي المستمد من الاندلسي والكوفي الفاطمي المكرر والمستطيل وخلافه انما يشير الى حيوية الحرف العربي كفن دائم السعي للحفاظ على اللغة ليس باعتبارها احدى أهم مقومات الهوية الثقافية العربية، بل كلغة تواصل وتعبير جمالي.

وبطبيعة الحال، فقد جسّد المعرض كما جاء في أحد التوصيفات تلك الميزة التي تدلل على هذا الاندماج بين جمالية الحرف وصفاء الكريستال، ذلك ان الخط العربي هو من اصفى الخطوط ولم يتعرض لأي من التأثيرات الخارجية مثل بقية العلوم والفنون ورغم ان جذوره تعود الى ما قبل الاسلام.

ويأتي الجمع بين الحرف العربي والكريستال في هذه التجربة الجديدة نزهة العيون ليبرز القيم الفنية والثقافية في كل من مجالات الاختيار والشكل والمضمون.

من جهة أخرى، فإن هذه الاختيارات التي تبرز عددا وافرا من الآيات القرآنية لتؤكد على روح الاسلام ورسالته السامية.ويضم المعرض قطعا كريستالية منتقاة تشيكية الصنع، وهذه توفر خاصية استيعابها لجمالية فنون الخط العربي، حيث تلتقي الصناعة الكريستالية الاكثر مهارة ودربة مع هؤلاء الفنانين لينفتح بالتالي هذا الفضاء البصري والمعرفي الأخاذ.

وهذا المعرض بمثل هذه التشكيلة الخطية على الكريستال ليؤكد قابلية الحرف العربي على إشغال مساحة أخرى من الاشارات التي يمكن قراءتها بصريا ودلاليا، كما يوسّع من قابلية التأمل والبحث الثقافي والمعرفي.

أما معرض نظرات للفنان المغربي نور الدين الغماري فقد ضم 40 لوحة فوتوغرافية غالبيتها بالأبيض والأسود، هو في حقيقته يشكل نظرات إلى عوالم الشخصيات التي اختارها الغماري، شخصيات تنتمي إلى عالم الطفولة، والكهولة، من دون أن نجد أثرا لشخصيات في ريعان الشباب، أو متوسطي الأعمار، وهو اختيار أراده الغماري، أن يكون انحيازا لهاتين الشريحتين، من خلال تجسيد حالات تمضي بالمتأمل إلى ما هو أبعد من سطح البورتريه، وذلك في غير دلالة وإشارة.

أسماء لوحات الغماري أيضا لا تنفصل عن مضمون اللوحة، وفضائها، حيث نجد أسماء مثل خالتي فاطمة وابن عمي بايوت وفتاة تراقب جامعي القمح وضيف حفل زفاف وفتاة مع كتكوت والراعية والمتشرد وفي الجنازة، وكلها عناوين تقارب البيئة التي انطلق منها الغماري، وهو ابن الصحراء المغربية، إلى العالم، لكنها ظلت تحدق فيه، تطالبه بتوثيقها حسيا، واجتماعيا، وبيئيا، وفي المحصلة إنسانيا، وهو ما جعل التجاعيد التي تملأ وجوه العجائز، والتي تشبه الخطوط العربية، تدخل عالم الخلود من خلال صور الغماري، وتترك لنا سيرة يمكن كتابتها في كل مرة من نظر مختلف.

أما معرض طاقة الأبعاد للفنان عزيز شفشوني فهو يقدم أعمالاً فنية مبتكرة ثلاثية الأبعاد، صممها شفشوني في ثلاثة مستويات، الأول معروض في إطارات (صناديق) مضاءة، حيث أتاح متحف الشارقة للفنون تقديم بيئة افتراضية ثلاثية الأبعاد من حيث الايقونات والرموز لتوفر مناخاً حوارياً يصر الفنان على عرضه أمام النخبة المثقفة، بغية تبادل الأفكار من خلال تصميم سطوح مضيئة ضمن فضاءات ووسائط متعددة تتحرك في واقع افتراضي.

وفي هذا المستوى حرص شفشوني على تصميم نماذج مصورة ابتدعها من فضاءات أقرب الى اللعبة، والاستفادة من السيناريو التلفزيوني والرسوم المتحركة التي تتحرك كلها في بيئة ثلاثية الأبعاد، حيث يعيد شفشوني تضمين بيانات جديدة من النصوص والصور والاصوات طبقا لنماذج وحسابات رمزية معقدة سبقت برمجتها.أما المستوى الثاني فيعرض أعمالاً على شاشة بلازمية كبيرة في ثلاث مراحل باستخدام تقنيات علم الهندسة والضوء، والمستوى الثالث يركز على توليد عناصر جديدة وفق تصور مستقبلي تراثي.

هذا العمل عرض في براويز عديدة وهو نتاج مشاريع بحثية أكاديمية أنجزتها جامعات عالمية ويهدف بحسب -شفشوني- الى تصميم أعمال تضيء على العبقرية الاسلامية في علم الهندسة والفنون وتقديمها الى العالم.

من جهة أخرى أقيمت مجموعة كبيرة من الورش الحية والمعارض التي أقيمت في غير مكان مثل جمعية الإمارات للفنون التشكيلية ومركز الشارقة للفنون، ومركز الشارقة لفن الخط العربي، وبيوت الخطاطين، بالإضافة إلى بعض المراكز التجارية، وغيرها، وقد تمثل جزء من تلك الورش بعرض الطرق والكيفيات التي تتم وفقها العمليات الفنية من تخطيط وزخرفة وكتابة المصاحف وتلوين اللوحة، والمواد المستخدمة في تلك العمليات، وكان واضحا أن الهدف الرئيسي يكمن في تفعيل العلاقة بين المتلقي وتلك الفنون، والتي تحتل حيزا كبيرا من ذاكرة الفنون في العربية الإسلامية.

وفي السياق ذاته كانت بعض المعرض بمثابة رافد أساسي من روافد اللوحة البانورامية العامة للمهرجان، مثل معرضي ابن بطوطة وحدائق إسلامية حيث يشير الأول إلى المدن التي عبرها ابن بطوطة في رحلته التي دامت 29 عاما، وقطع خلالها 75 ألف ميل، والتي وصف بعدها العمائر الموجودة في غير بلد عربي وإسلامي، وقد ضم المعرض لوحات فوتوغرافية بعض المباني المعمارية التي شاهدها ابن بطوطة في رحلته ومنها صور بيت المقدس ودمشق ونواعير مدينة حماة في سوريا، ثم صورة المسجد الحرام في مكة ، وشيراز ، وبغداد، والقسطنطينية، ودلهي، و المسجد الكبير في مدينة جوانزو في الصين، و القلعة الحمراء في مدينة غرناطة في الأندلس.

إن تلك الشواهد التي ما زالت قائمة تحمل في حضورها خصائص الفن الإسلامي، وخاصة هندسة العمارة الإسلامية، بما تشتمل عليه من فنون، والتي تعطي تصورا عن تطور تلك الفنون عبر العصور المختلفة، كما شكل معرض الحدائق الإسلامية فرصة للاطلاع على نماذج عدة للحدائق التي بناها المسلمون، بما تحمله من تأثيرات ذات علاقة بالمناخ والبيئة والخصائص الاجتماعية للشعوب، وعكست النماذج العلاقة بين المصمم المعماري وبين الكتل والفضاءات ومصادر المياه، وفقا لرؤى روحية وجمالية متنوعة.

وفي سياق النشاط الفكري المصاحب للمهرجان أقيمت ندوات تداولية تحت عنوان الحقيقة والمجاز: الخط العربي في ميزان الجماليات الإنسانية المعاصرة في متحف الحضارة الإسلامية، وذلك على مدار ثلاثة أيام، اشترك فيها 11 باحثا من دول عربية مختلفة، جاءت أوراقهم بمثابة شهادات على الاتجاهات المختلفة للحروفية، وهو ما أكد عليه الدكتور عبد الكريم السيد الباحث في المركز العربي للفنون في الشارقة في كلمته التعريفية حول الندوة نسعى إلى جمع شهادات تتلمس جوانب أكثر التصاقا بالتجربة للفنانين في العالمين العربي والإسلامي ممن استلهموا إمكانيات الحرف العربي، وحاوروه بمختلف التجليات الشكلية والروحية، محققين بذلك إنجازات بصرية رافقت النهوض الحداثي التشكيلي العربي بالاستناد إلى الحرف والكلمة والجملة.

وفي أولى الجلسات التي أدارها طاهر البني سوريا وقدم فيها عمران القيسي لبنان ورقة تحت عنوان حول مشروعية وجود اللوحة الخطية، ثم ورقة أخرى للدكتور موليم العروسي المغرب تحت عنوان مدى الحاجة إلى تقديم لوحة خطية اليوم.

اتجهت ورقة القيسي إلى ناصية الأسئلة الفلسفية في محاولة لاستنطاق الأبعاد التاريخية التي أسهمت في بروز اللوحة الحروفية، وفي السياق رأى القيسي أن من الضروي طرح مجموعة من الأسئلة المفتاحية حول استثنائية الحرف فقال: ما هي الأهمية الاستثنائية للحرف بوصفه صوتاً مجرداً مطلقاً له موقعه في منطقة النطق. وإشارة مرسومة بشكل تجريدي رمزي إشاري ومجموعة الحروف هي جملة لها مدلولها العقلي ومقصدها والمسطح التصويري الحروفي كبناء يتحرك بين الصوت والبصري. واعتبر القيسي أن الحركة الحروفية تتماثل من حيث المشروعية مع غيرها من الاتجاهات الفنية فقال: العالم الفني التشكيلي اليوم هو عالم اختباري تجريبي بامتياز. لكنه يؤكد على حقيقة مهمة قوامها أن ميكانيكياً الإنتاج الفني التشكيلي قياساً على الفنون المكانية كلها تضم بين طياتها حالة الاستقرار الاستاتيكا والديناميكا التي هي علم الحركة، والعالم المتسارع اليوم بسبب ثورة الكوانتوم والكمبيوتر والبيولوجيا، يتأكد تحوله من السكون إلى الحركة، وليس العكس كما كان يعتقد بعض الفنانين المفكرين.

أما د. العروسي فقد طرح في ورقته سؤالا جذريا على اللوحة الحروفية، من حيث المشروعية التي تستقيها من الخط العربي، خاصة وأن لكل لغات العالم خطوطها الخاصة، كما تساءل في الوقت نفسه عن إمكانية أن تشكل الحروفية فنا تشكيليا فقال: إلى أي مدى يمكن اعتبار اللوحة الخطية بالخصوص والحروفية على العموم فنا قائم الذات بإمكانه أن يقوم مقام فن تشكيلي عربي خالص وما الذي يميز الخط العربي عن سائر الخطوط في الحضارات الأخرى حتى يجعل منه مادة قابلة، دون غيرها، لكي تتحول إلى فن؟.

غير أن د. العروسي رأى في الوقت ذاته أن أهمية اللوحة الحروفية ومكانتها بعيدة عن أية إحالات مسبقة وقال: نريد أن نؤكد على أهمية الحرف أو الخط في منأى عن المعنى أو الإحالة الثقافية أو الجغرافية، وسواء استعمل الخط العربي من طرف الفنانين أم لا فإن جماله وجلاله لابد وأن يُكتشفا في المخطوطات الرائعة الموجودة في الوطن العربي، وفي أنحاء شتى من العالم، كما يطالعنا هذا الخط على جدران المآثر القديمة (وحتى الحديثة) من المغرب الأقصى والمغرب العربي والأندلس إلى إفريقيا الغربية والوسطى مرورا بكل الوطن العربي وصولا إلى آسيا.

أما الجلسة الثانية، فقد أدارها حاتم الصكر العراق، وقدم فيها كل من د.إيهاب أحمد إبراهيم مصر وطاهر بني سوريا والدكتور عبد الكريم السيد فلسطين أوراق عمل تناولت مسألة الأصالة/ المعاصرة، التي لا تزال تشكل ساحة نظرية غنية للنقاش حول اللوحة الحروفية.

أشار د.إبراهيم إلى أن الرأي القائل إن اللوحة الحروفية هي عودة للتراث فيه الكثير من المبالغة، ورأى أن الحروفية هي اتجاه في الفن التشكيلي كغيرها من الاتجاهات، وعاد إلى التاريخ العربي الإسلامي ليميز بين اتجاهين في استخدام الخط فقال: عرف فن الخط اتجاهين الأول استخدم الحرف بطريقة هندسية، معتمدا على الخط الكوفي، والآخر اعتمد على الخطوط اللينة بعيدا عن الأشكال الهندسية، ولقد ظهرت تحت هذين الاتجاهين عشرات الخطوط الأخرى.

كما عرض د إبراهيم مجموعة من السلايدات تضمنت الكثير من النماذج التي تعود إلى عصور مختلفة وبلاد متنوعة مثل مصر وتركيا وإيران، قدم فيها مجموعة من الحروفيات المشغولة على مواد عدة مثل الخشب والبرونز والفضة والذهب والآثار المعمارية، وذلك لإبراز أوجه الاختلاف التي رافقت مسيرة الخط في استخداماته، من حيث خروجها من فضاء الدلالة اللغوية إلى الفضاء الجمالي.

أما طاهر بني فقد أشار إلى ما أثارته الحروفية من جدل ومشكلات في عالم التشكيل العربي فقال: ظهرت مواقف متباينة تجاه الحروفية، تحولت إلى سجالات بين مؤيد لها، ومستنكر لوجودها، لا سيما من قبل الخطاطين الكلاسيكيين الذين اعتبروا التصوير الحروفي محاولة من قبل التشكيليين لتشويه صورة الحرف العربي، بل إن عدداً من التشكيليين وجدوا فيها اتجاها هجينا لا يمت بصلة إلى الفن التشكيلي.

وحول عنوان الندوة الحقيقة والمجاز رأى بني أن المجاز هو تجل آخر للحقيقة نفسها في مجال اللوحة الحروفية، من خلال ما يقدمه الفنان من إضافات وقيم تعبيرية للوحة، وحول مسألة التمييز بين اللوحة الكتابية الخطية واللوحة الحروفية قال:تنهض اللوحة الحروفية على ما يضيفه الفنان من قيم تعبيرية، وإيحاءات جمالية على الأشكال والألوان التي يبتدعها، وبذلك يغدو المجاز رمزا للحقائق، بما يحمله من طاقة تعبيرية تمنح المعنى بعداً إشراقياً هو جوهر التعبير الفني.

أما ورقة د. عبد الكريم السيد المقيم في الإمارات فقد جاءت تحت عنوان الحروفية.. تجربة الإمارات العربية المتحدة.

وأشار السيد إلى أن أول ظهور واضح للحروفية في الإمارات كان في معرض البوستر كلنا للكويت عام 1991 التي راحت تنمو مع نمو الحركة التشكيلية نفسها التي كانت قد بدأت في ثمانينات القرن الفائت، كما تناول السيد الحروفية في الإمارات من خلال الفنان المواطن والفنان المقيم، فذكر أن محمد مندي كان من أوائل الفنانين الإماراتيين الذين قدموا الحروفية من خلال البورتريه حيث رسم لوحات تمثل شخصيات من خلال اسم الشخصية نفسها، كما ذكر أسماء فنانين آخرين عرفتهم الساحة المحلية مثل عبيد سرور وعبد القادر الريس الذي وصف السيد تجربته الحروفية بالناضجة لونيا وشكليا، ورأى السيد أن سالم جوهر تميز باستخدامه خامة الخزف، والتي شَكل منها أعمالاً تمتاز بالبراعة الحرفية والموضوعية، ومن الفنانين الذين أقاموا في الإمارات أو ما زالوا مقيمين فيها واشتغلوا بالحروفية ذكر الدكتور السيد الفنان محمد الزواوي تونس وحيدر إدريس وتاج السر حسن السودان وحكيم غزالي المغرب.

أما آخر الجلسات فقد أدارها الفنان والناقد عمران القيسي بنان وقدم فيها الدكتور حاتم الصطر العراق ورقة عمل تحت عنوان مستقبل اللوحة الحروفية: الابتكار والتلقي ومحمد مهدي حميدة مصر ورقة عمل تحت عنوان مجاز في مقام الحقيقة.

تناول الدكتور الصكر في ورقته التطورات التي حدثت في العالم الرقمي وأثرها في تلقي اللوحة الحروفية سلباً وإيجاباً، وقام برصد بعضها من أجل طرح الأسئلة حول مستقبل اللوحة الحروفية في ظل التحولات الرقمية السريعة التي فرضت نفسها في كل المجالات البصرية بما فيها عالم التشكيل فقال: يترتب على التراكم الحداثي في الرؤى والأساليب والتقنيات تحولات يمكن رصدها على المستويين الفني - المتصل بإنتاج النصوص على اختلاف أنواعها - والجمالي المرتبط بالتلقي أو استقبال تلك النصوص عبر عملية القراءة، ومنها تلك المسلطة على النصوص البصرية التي تنتمي إليها الأعمال التشكيلية، وهي عملية مقترنة بوعي القارئ وشعوره وإدراكه، وذات بعد جمالي يجعلها مشتركة بين النصوص على اختلافها : بصرية وغير بصرية.

ورأى الدكتور الصكر أن البرامج الكمبيوترية قد غيرت الكثير من ملامح فضاء التلقي وطالت بعض مفاهيمه، وحول هذه المسألة قال: إن هذه التقنيات المتاحة أخذت تزيح شيئا فشيئا الكثير من التقاليد الفنية سواء في النصوص المُبصَرة أو المقروءة، ونال النزعة الحروفية الكثير من الضرر بسببها، لأن تلك التقنيات مست مَراجع الحروفية وتشكلاتها في الذاكرة الفنية، وغيرت إعداد المتلقي فوجهت ثقافته بعيدا عن مرمى الفن الحروفي الموائم بين مرجعين: تجريدي وروحي، أو خطي وتشكيلي.

وختم الدكتور الصكر ورقته بالدعوة إلى التوجه بالحروفية نحو عوالم جديدة بالتوافق مع معطيات الحداثة والتكيف مع تحديات العولمة والرقمنة ما شأنه أن يفتح أفقا جديدا للحروفية والتشكيل العربي في الوقت نفسه.

أما ورقة محمد مهدي حميدي فقد تناولت تجربة التشكيلي الجزائري محمد خدة بوصفه أحد رواد الحروفية العربية، ونموذجاً للصراع بين فضاءات فكرية متصارعة، بالإضافة إلى تمكنه من إيجاد سمات مغايرة للتشكيل الجزائري بعيداً عن المرجعيات الأوروبية وتحديداً الفرنسية التي كانت سائدة في خمسينات القرن الفائت استطاع التشكيلي الجزائري الراحل محمد خدة برفقة كل من التشكيليين محمد اسياخم، وبشير يلس أن يوجهوا حركة التشكيل المعاصرة في بلدهم الجزائر إلى مسارات مغايرة لذلك الطرح الواقعي والمباشر المتسم غالبا بسمات استشراقية فرنسية، قبل أن تتحول اللوحة إلى منحاها الجديد صوب المسار التجريدي انطلاقا من وعي متقد، وتجريب دائم، وخبرات مستمدة من وجودهم في فرنسا لفترات زمنية للاطلاع أو الدراسة، لكن من دون أن ينزلق مشروعهم الإبداعي بأكمله إلى التقليد الأعمى، أو المحاكاة المضجرة للمشروع الفرنسي، حيث بات على هؤلاء الفنانين أن يعبروا عن مشاريعهم الفنية المستقلة، وأن يقولبوا - في مسلكهم هذا - منتجاتهم التشكيلية في قوالب، وصياغات شرقية، وعربية ترتكز في عمومها على الموروث العربي الإسلامي.

وحول العلاقة التي بناها الراحل خدة بين الحرف والتشكيل قال: الحرف في أعمال الفنان محمد خدة يخرج عن كينونته الواقعية، متبدلا بالقدر الأكبر الذي يستطيع أن يتواءم فيه مع المسطح البصري المشتمل على مساحات لونية تمثل نطاقات وفضاءات تحتل وجودها وتنتج علاقاتها المباشرة أو غير المباشرة مع كافة العناصر والحروف والتراكمات الشكلية الأخرى، التي تمثل في عمومها ومجملها مادة صياغة اللوحة أو مجموعة اللوحات التي أبدعها.

وفي ختام الندوة قدم الباحثون المشاركون مجموعة توصيات تلاها القيسي وتمثلت بضرورة الدخول في المرحلة التوثيقية، باستلام الأعمال المنتجة والبدء بدراستها، ومقارنتها على ضوء الموازين المعروفة لكل أنواع الخطوط، ما سيدفع بدارسي الخط إلى المثابرة، الأمر الذي من شأنه أن يجعل من الشارقة موئلاً عربياً لفن الخط.

أما على مستوى المطبوعات المرافقة للمهرجان فتمت التوصية بتجنب الكراريس الصغيرة وطباعة الكتاب الشامل، كي يتحول إلى ذاكرة موسوعية لمجمل الأنشطة. وجمع النصوص التي تلقى في الندوات وتحويلها إلى كتاب ملحق بالعمل الموسوعي للمهرجان، والإهتمام بكل ما ينشر إعلامياً حول المهرجان بتوثيقه وتعميمه، خاصة المواد التي تحمل قيمة نقدية مهمة، وإقامة ندوات داخل صالات العرض كي تتم مناقشة الأعمال أمام الفنانين أنفسهم.

مداد الوطن

من إحدى أهم الفعاليات المهمة التي ضمها فلك الفسيفساء كان معرض مداد الوطن ..حروف عربية بأنامل إماراتية الذي احتضنه المركز الثقافي في خورفكان وضم 60 عملا شارك بها 22 خطاطا وخطاطة وهم: آمنة يوسف، وأمينة جاسم، وإيمان محمد، وبشائر حسن، وخالد الجمال، وسليمة عبيد، وسعيد عبدالله، وعائشة عبدالله، وعبد العزيز محمد، وعلي سليمان، وفاطمة راشد، وفاطمة محمد، وماجدة سليم، ومحمد عيسى، ومريم حميد، ومريم عبيد سالم، ومريم خليفة ومريم علي الفارسي، وندى سياه وهيا عبيد.

لقد تنوعت الأعمال المعروضة من حيث الخطوط حيث حضرت معظم أنواع الخطوط مثل الثلث والديواني والكوفي والرقعة وغيرها. وهو أول معرض لخطاطين إماراتيين، جاء كثمرة طبيعية لما تم تأسيسه خلال الأعوام السابقة على مستوى البنى التحتية المتعلقة بمراكز الخط العربي، والدورات الكثيرة المقامة سنويا، بالإضافة إلى استقدام أهم الخطاطين العرب الذين عملوا في الإمارات، أو شاركوا في معارضها، كل ذلك كان من الطبيعي أن يؤدي إلى إيجاد جيل من الشباب الإماراتي الذي يهتم بهذا الفن، ويتخذ منه أساسا للتعبير والإبداع، ومن اللافت في المعرض الحضور المميز للمرأة، التي دخلت في مضمار الخط العربي، الذي ظل إلى وقت غير بعيد حكرا على الرجال.