تزدهر زراعة وتجارة الفل في اليمن صيفا وتتجاوز شهرة هذه الزهرة البلد إلى دول الجوار التي تستقبل بعض اسواقها كميات من الفل اليمني الشهير، ولزهرة الفل لدى اليمنيين أسرار وطقوس وحكايات، فعلاوة على كونها نباتاً طيباً، فقد ارتبطت بالمناسبات السعيدة وهي الهدية المحببة التي تقدم عادة للعرسان في ليلة الزفاف فيما يصعب على المرأة اليمنية خصوصا في المناطق الساحلية ذات الطقس الحار الاستغناء عنها.
الفل من النباتات العطرية التي تتميز زهراتها برائحة زكية وهي تضاهي الياسمين الدمشقي لدى الشاميين، وتنشر زهراته رائحة زكية صباحا وهو الوقت الملائم لقطفها وتحتاج إلى عناية خاصة حتى تصل إلى المستهلك عادة على شكل عناقيد بيضاء أو مزينة بالورد الأحمر.
ومنذ القدم اكتسب الفل في اليمن أهمية لدى المزارعين الذين يتنافسون على رعايته وإنتاج الأجود منه، خصوصا في المناطق الحارة التي تغطي على محدوديتها معظم الطلب الداخلي وتزيد بتصدير كميات منه إلى دول الجوار، فضلا عن تصدير كميات محدودة إلى دول أوروبا وآسيا وهو ما حول زراعته إلى تجارة رائجة.
ويعتبر استخدام الفل كرائحة عطرية طبيعية تقليداً أساسياً في حياة اليمنيين ولا سيما في الأعياد ومناسبات الأفراح والأعراس، حيث يتصدر الفل فيها قائمة طلبات أهل العروس التي تغمر بالفل لتبدو وكأنها مرتدية فستانا من أفضل ما تجود به الأرض اليمنية وهو زهرات الفل.
عادة ما يكون الفل حاضرا بقوة في الأعراس، غير أن استخدامه ارتبط بطقوس خاصة في المناطق الساحلية إذ أن العروس تكسى بعقود الفل وتبدو لذلك جاذبة للأنظار بحلتها المطعمة بالورد الأحمر. كذلك فان النساء يتسابقن في حفلات الأعراس إلى اقتناء عقود الفل كمادة أساسية في الزينة التي تنظم كعقود تتدلى من الجيد إلى أسفل الصدر أو توضع على الرأس بطريقة جمالية نادرة أو تنشر في مناطق مختلفة من الجسم، فضلا عن وضعه على الملابس، ولا يقتصر استخدام الفل في اليمن على المناسبات والأعراس، بل إن الكثير من المواطنين في مختلف المحافظات يحرصون على شراء كميات منه ونثرها في المنازل لتعطيرها، فهذه الزهرة بالنسبة لليمنيين هي الوسيلة المحببة لإضفاء أجواء زكية على المنازل والسيارات والمكاتب وحتى المحلات.
وفي حفلات الأعراس فان الكثير من الأسر تحرص على توفير كمية كبيرة من الفل للعروس وتتولى المفللة وهي المرأة التي تتولى تزيين العروس جمع ونظم عقود الفل مع نباتات عطرية أخرى فيما يشبه الفستان الذي يغطي العروس من الرأس وحتى القدم. والحال لا يختلف مع العريس الذي يحظى بكميات فل هائلة تقدم كهدايا من الأقارب والمحبين لتتحول الحفلة إلى حفلة فل برائحة عطرية نادرة، كما يتم توزيع كميات كبيرة من الفل على الحاضرين وفي الأرضيات ومنصات العرس.
تنتشر زراعة الفل في اليمن على امتداد الشريط الساحلي اليمني في المحافظات الغربية والجنوبية ذات الطقس الحار وتحظى زراعته اليوم باهتمام العديد من المزارعين الذين يخصصون للفل مساحات كبيرة من الأراضي الخصبة. وتتركز أهم وأجود مزارع الفل في اليمن في محافظة لحج الجنوبية التي يعتقد أنها المصدر الأول لزراعة الفل في اليمن ولا تزال تستحوذ على الكمية الكبرى من الفل المنتج سنويا تليها منطقة تهامة الساحلية المطلة على البحر الأحمر حيث تنشط آلاف الأسر بزراعة وإنتاج الفل التي تستقطب أيضا المئات من الأيدي العاملة في الزراعة والرعاية والتسويق.
وهناك اعتقاد بان الفل هو الرزق الطيب الذي وهبه الخالق لعباده ويقول صالح مرسان مزارع: نزرع الفل منذ سنوات طويلة في لحج ونبذل جهودا كبيرة في رعايته فالفل من النباتات الحساسة التي تحتاج إلى رعاية خاصة وعادة ما نقوم بقطف زهرات الفل صباحا باليد وبعناية بحيث تكون الحبة متكاملة ومغلقة، فيما يتم رمي الزهرة المفتوحة كونها تتلف المحصول بسبب تكاثر دود الفل.
غالبا ما تصدر مزارع لحج وتهامة الكميات الأكبر من الفل في فصل الصيف، إذ يصل إنتاجه إلى أعلى مستوى في فصل الصيف حيث موسم الزواج في اليمن ما يساعد بائعي الفل على جني أرباح كبيرة يزيد منه المناسبات اليومية للأسر اليمنية حيث لكل مناسبة شكل خاص من أشكال عقود الفل المتنوعة.
وينضم عدد كبير من الأسر الزراعية منذ الصباح الباكر إلى طابور العاملين في مزارع الفل يشترك في ذلك الكبار والصغار والنساء والفتيات والعمال وينقسمون إلى فريقين، الأول يتولى قطف الزهرات، والثاني يتولى تخزينه في ثلاجات صغيرة لنقله إلى المحافظات وإلى السوق الخليجية فيما يتولى فريق آخر بنظم العقود لبيعها في الأسواق، وتتجه أغلب الكميات المنتجة في محافظة لحج إلى المزاد الذي ينظم صباحا في السوق العام ويرتاده الكثير من منتجي الفل ومن هذا السوق تصدر كميات منه إلى جميع المحافظات بجانب كميات أخرى تتجه إلى السوق الخليجية. رغم صعوبة العمل في بيع وتسويق الفل والمخاطر المترتبة على الاتجار به إلا أن المهنة تستقطب المئات الذين يعملون في إنتاج وتسويق الفل قبل أن يصل إلى المستهلك.
وقد تستغرق عملية نظم زهرات الفل ساعات وفقا لطول العقد الذي قد يصل في حالته الكبيرة إلى ثلاثة أمتار وتوصل من الطرفين وهذا النوع يعرف في اليمن باسم أبو دش وهناك عقود متوسطة الحجم يبلغ طولها نصف متر، وأخرى صغيرة الحجم تعلق عادة بداخل السيارات.