يوسف أبولوز

كان الشاعر العربي يحفظ ألف بيت من الشعر، ثم، ينساها وبعد ذلك يكتب الشعر، ولكن، قد لا يكفي هذا النسيان لكتابة قصيدة واحدة، فقد تتوغل هذه الأبيات الألف في كيان الشاعر كله وتحاصره، وتجعل منه مجموعة شعراء في شاعر واحد . . إذا لم يحسن فن النسيان .
النسيان فن، والتذكر، أيضاً، فن .
بعض الشعراء العرب، من جيل السبعينات والثمانينات حفظوا آلاف الصور الشعرية عند محمود درويش، وحفظوا طريقته في تركيب الجملة الشعرية، ولكنهم لم يخرجوا من هذا الحفظ، فأصبحوا صدى درويش المتردد في نصوص تبدو استنساخاً "ذكياً" للغة صاحب "لماذا تركت الحصان وحيداً"، وهؤلاء لم يتركوا شاعر فلسطين والذاكرة الفلسطينية في وحدته، بل، اقتحموا كينونته حتى وهو نائم نومه الأبدي في ظلال الزيتون . وعلى أي حال كان يلزم هؤلاء الشعراء الاستنساخيين فن النسيان، أو فن التخلص نهائياً من السحر الموجود في قصائد شاعر هو نفسه كان ينسى ما كتبه من مجموعة إلى أخرى . شاعر كان ينسى قصيدته في "أوراق الزيتون" أو في "تلك صورتها وهذا انتحار العاشق" ليقفز إلى لغة جديدة في "محاولة رقم 7"، ثم ينسى "المحاولة" ليقفز إلى "أثر الفراشة" أو "جدارية الروح" هكذا من كتاب إلى آخر، كان درويش أمير قصيدة التفعيلة، يترك أثاث منزله القديم لبعض الشعراء المتجولين، كي يأخذوا منه منضدة أو وسادة أو فنجان قهوة، فيما هو يؤثث منزلاً آخر .
نسيان الذات الشعرية، ونسيان الذوات الشعرية الأخرى أجده من وجهة نظري على الأقل عند عبدالوهاب البياتي الذي يصر "جلاوزة" النقد الأدبي العربي على دفنه أكثر من مرة .
إن البياتي هو الآخر يقفز من كتاب إلى كتاب بطريقة فن النسيان . عبدالوهاب البياتي في "أباريق مهمشة" أو في "عيون الكلاب الميتة" ليس البياتي في "قمر شيراز"، والبياتي في "شيراز" ليس البياتي في "بستان عائشة" . صحيح قد تكون في لغته، كما في لغة درويش، إبرة صغيرة تكاد تكون غير مرئية ويلظم في ثقب الإبرة خيطاً ناحلاً يكاد يكون، غير مرئي، والإبرة والخيط هما أداتان مكررتان في الكتابة، غير أن النسيان عند هذين الشاعرين يطوي التكرار ويذوبه .
الشعراء يأخذون من الشعراء أو يأخذون عن الشعراء . هذه ليست فضيحة وليس عاراً . ولكن كل "أخذ" لا بد أن يقابله ما هو أكبر من الأخذ . يجري ذلك في حالة النسيان . هذه الحالة في حد ذاتها حالة شعرية بامتياز .
أكثر من ذلك . . النسيان لذة تشبه لذة الكتابة .
أن تنسى، يعني أن تضع عن كتفيك ثقلاً من ثقل صخرة سيزيف "الغبي" الذي كان يتطلب منه الأمر القليل من اللامبالاة وإهمال الصخرة إما فوق الجبل أو تحته . لكنه لم يفعل وظل يصعد ويهبط إلى أن صارت أسطورته حكاية عبثية .
هل الشعراء النساؤون، عبثيون، على نحو ما؟ ربما، ولكن النسيان ليس عبثاً ولا يمكن أن يكون عبثياً . إنه مرة ثانية فن، وإذا كنت مبالغاً في توصيف النسيان، أقول، إنه ماضي الإنسان الاحتياطي، إذا شحت الذاكرة . عندما يلجأ الكاتب أو الشاعر على نحو خاص إلى احتياطي النسيان، فيقلبه أو يدوره إلى . . التذكر . . وما أجمل التذكر .
فن التذكر . فن الإنسان الذي يعود من حالة فقدان الذاكرة إلى تلمس يده وجبينه وعينيه، برفق وهدوء، وهذه الحالة الرائعة . . لها حكاية أخرى .