من يتأمل القرآن الكريم والسنة النبوية المطهرة ويستقرئهما حق الاستقراء، يجد أن الشريعة أتت بمقاصد أساسية ركزت عليها، ورمت إليها، ويكاد كل نص يخدم مقصداً من هذه المقاصد، ويقف على رأس هذه المقاصد العظيمة: حفظ الدين والنفس والمال والعرض والعقل والنسل، ويجب على من أراد فهم القراّن الكريم والسنة النبوية المطهرة أن يفهمهما أولاً في ضوء السياق، وثانياً في ضوء مقاصد الشريعة الإسلامية، وإلا ضل فهمه، وما استطاع الاستفادة الحقيقية منهما .
وقد لفت انتباهي عند تأمل الآية الكريمة في سورة الأنفال التي يقول فيها عز وجل: وأعلموا أنما غنمتم من شيء فإن لله خمسه وللرسول ولذي القربى واليتامى والمساكين وابن السبيل (الآية 41) . فعند إتمام فتح العراق نشأ خلاف بصدد توزيع غنائم الفتح بين بعض كبار الصحابة وبين أمير المؤمنين عمر بن الخطاب رضي الله عنهم جميعاً، وكان الخلاف حول فقه النص القرآني الكريم طالبوه بإعمال النص الصريح، وواجههم بفهم وفقه مخالف لفهمهم وفقههم للنص .
وجهتا نظر
عندما فتح سعد بن أبي وقاص فارس والعراق، وكانت أرضه تسمى السواد، من كثافتها وخضرتها، بحيث يراها الرائي من بعيد كأنها كتلة سوداء، طالبوه بتقسيم هذه الأرض عليهم باعتبارها غنيمة غنموها بسيوفهم، كما قسم النبي صلى الله عليه وسلم أرض خيبر على المقاتلين الذين فتحوها، وكان منهم عمر رضي الله عنه نفسه، وكتب عمر إلى سعد بن أبي وقاص يوم افتتح العراق: أما بعد، فقد بلغني كتابك: أن الناس قد سألوا أن تقسم بينهم غنائمهم، وما أفاء الله عليهم . فانظر ما أجلبوا عليك في العسكر، من كراع أو مال، فاقسمه بين من حضر من المسلمين، واترك الأرضين والأنهار لعمالها ليكون ذلك في أعطيات المسلمين . فإنا لو قسمناها بين من حضر لم يكن لمن بعدهم شيء .
وطالبوه بتقسيم الشام بعد فتحها، وطالبوا قائده عمرو بن العاص، عندما فتح مصر بأن يقسمها عليهم ولكن عمر رضي الله عنه أبى عليهم ذلك، ولم يستجب لمطالبتهم هذه، لاعتبارات أخرى رآها أقرب لمقاصد الشرع من التقسيم الذي يعتبره المطالبون حقاً لهم، أثبته لهم كتاب الله عز وجل، وسنة رسوله صلى الله عليه وسلم .
وقال بلال لعمر بن الخطاب رضي الله عنهما، في القرى التي افتتحها عنوة: اقسمها بيننا، وخذ خمسها، فقال عمر رضي الله عنه: لا، هذا عين المال، ولكني أحبسه في ما يجري عليهم وعلى المسلمين، فقال بلال وأصحابه: اقسمها بيننا، فقال عمر رضي الله عنه: اللهم اكفني بلالاً وذويه . قال: فما حال الحول ومنهم عين تطرف .
ولما افتتحت مصر من غير عهد (يعني عنوة من غير صلح)، قام الزبير بن العوام فقال: يا عمرو بن العاص، اقسمنها . فقال عمرو: لا أقسمها . فقال الزبير: لتقسمنها، كما قسم رسول الله صلى الله عليه وسلم خيبر، فقال عمرو: لا أقسمها، حتى أكتب إلى أمير المؤمنين، فكتب إلى عمر، فكتب إليه عمر: أن دعها حتى يغزو منها حبل الحبلة .
حق الأجيال القادمة
ولما اجتمع كبار الصحابة على عمر شاور في الأمر واتفق رأيه مع علي ومعاذ ومعهم عثمان وطلحة على عدم التقسيم، لما يترتب عليه من مفاسد، والنظر في أمر يسع أول الناس وآخرهم . وقال له معاذ: والله إذن ليكونن ما تكره، إنك إن قسمتها صار الريع العظيم في أيدي القوم، ثم يبيدون، فيصير ذلك إلى الرجل الواحد أو المرأة، ثم يأتي من بعدهم قوم يسدون من الإسلام مسداً، وهم لا يجدون شيئاً، فانظر أمراً يسع أولهم وآخرهم . وكان هذا هو رأي الخليفة وهو ما أكدته شتى الروايات عن عمر، فقد روى عنه زيد بن أسلم أنه قال: تريدون أن يأتي آخر الناس، وليس لهم شيء وعنه قال: لولا آخر الناس، ما افتتحت قرية إلا قسمتها .
ولما اشتد إلحاح المطالبين بالتقسيم عليه: قال اللهم اكفني بلالاً وأصحابه فمكثوا بذلك أياماً، ثم قال لهم: اجتمعوا حتى ننظر لمن هذا المال حين آتي بالفيء فلما اجتمعوا قال: كيف أقسمه لكم، وأدع من يأتي بغير قسم؟ فأجمع على تركه، وجمع خراجه، وإقراره في أيدي أهله، ووضع الخراج على أيديهم، والجزية على رؤوسهم . ثم قال: إني قرأت آيات من كتاب الله فاكتفيت بها، ثم قرأ قوله عز وجل:
- مَّا أَفَاء اللَّهُ عَلَى رَسُولِهِ مِنْ أَهْلِ الْقُرَى فَلِلَّهِ وَلِلرَّسُولِ وَلِذِي الْقُرْبَى وَالْيَتَامَى وَالْمَسَاكِينِ وَابْنِ السَّبِيلِ كَيْ لا يَكُونَ دُولَةً بَيْنَ الأَغْنِيَاء مِنكُمْ وَمَا آتَاكُمُ الرَّسُولُ فَخُذُوهُ وَمَا نَهَاكُمْ عَنْهُ فَانتَهُوا وَاتَّقُوا اللَّهَ إِنَّ اللَّهَ شَدِيدُ الْعِقَابِ .
- لِلْفُقَرَاء الْمُهَاجِرِينَ الَّذِينَ أُخْرِجُوا مِن دِيَارِهِمْ وَأَمْوَالِهِمْ يَبْتَغُونَ فَضْلا مِّنَ اللَّهِ وَرِضْوَانًا وَيَنصُرُونَ اللَّهَ وَرَسُولَهُ أُوْلَئِكَ هُمُ الصَّادِقُونَ .
- وَالَّذِينَ تَبَوَّؤُوا الدَّارَ وَالإِيمَانَ مِن قَبْلِهِمْ يُحِبُّونَ مَنْ هَاجَرَ إِلَيْهِمْ وَلا يَجِدُونَ فِي صُدُورِهِمْ حَاجَةً مِّمَّا أُوتُوا وَيُؤْثِرُونَ عَلَى أَنفُسِهِمْ وَلَوْ كَانَ بِهِمْ خَصَاصَةٌ وَمَن يُوقَ شُحَّ نَفْسِهِ فَأُولَئِكَ هُمُ الْمُفْلِحُونَ .
- وَالَّذِينَ جَاؤُوا مِن بَعْدِهِمْ يَقُولُونَ رَبَّنَا اغْفِرْ لَنَا وَلِإِخْوَانِنَا الَّذِينَ سَبَقُونَا بِالإِيمَانِ وَلا تَجْعَلْ فِي قُلُوبِنَا غِلًّا لِّلَّذِينَ آمَنُوا رَبَّنَا إِنَّكَ رَؤُوفٌ رَّحِيمٌ .
ثم قال عمر: ما أحد من المسلمين إلا له في هذا الفيء حق إلا ما ملكت أيمانكم، والمعنى الذي فقهه الخليفة رضي الله عنه أن الفيء يقسم على كل الفئات الواردة في الآيات ومن بينهم الذين جاؤوا من بعدهم، وهو بذلك يكون أول من وضع حقاً للأجيال القادمة في ثروات بلادهم خلافاً لما رآه من مفاسد تحصل بتوزيع أصل المال، وأن حقيقة ما يغنمه الإنسان في الحرب: هو ما يحوزه بالفعل، ويستولى عليه، وهذا معقول ومشاهد في الكراع والسلاح والثياب والنقود، والأدوات، ونحوها، مما يمكن أخذه وحمله ونقله بخلاف الأراضي الشاسعة، والسهول الواسعة، والجبال الشامخة، والأنهار العظيمة، فمن ذا الذي يقول: إنه حازها واستولى عليها إلا بضرب من التجوز والتوسع في الاستعمال اللغوي، وليس على الحقيقة؟ فكأن عمر رضي الله عنه قال للصحابة الذين عارضوه، وطلبوا منه قسمتها عليهم: إنكم لم تغنموا هذه الأرض على وجه الحقيقة، فلا دليل لكم في آية الغنيمة؛ لأنها في المنقولات وما أشبهها .
بهذا الفهم وبهذا الفقه وسع عمر رضي الله عنه ومن وافقه، وأشار عليه من فقهاء الصحابة من أمثال علي ومعاذ أن يخالفوا النص في آية الأنفال ظاهراً، وإن لم يخالفوه حقيقة .
وقد عبر الفقهاء عن حكم الإسلام فيها بأن تصير وقفاً للمسلمين، يضرب عليها خراج معلوم يؤخذ منها كل عام، ويقدر حسب طاقة الأرض، يكون أجرة لها، وتقر في أيدي أربابها ما داموا يؤدون خراجها، سواء أكانوا مسلمين أم من أهل الذمة . ولا يسقط خراجها بإسلام أربابها ولا بانتقالها إلى مسلم؛ لأنه بمنزلة أجرتها .
أمن المجتمع السياسي
ويقول الدكتور علي الصلابي في ما فعله عمر رضي الله عنه: هناك جملة من المصالح الأمنية التي استند إليها الخليفة والذين وافقوه على رأيه في اتخاذ هذا القرار يمكنني تصنيفها إلى صنفين: مصالح داخلية: وأهمها سد الطرق على الخلاف والقتال بين المسلمين، وضمان توافر مصادر ثابتة لمعايش البلاد والعباد، وتوفير الحاجات المادية اللازمة للأجيال اللاحقة من المسلمين . ومصالح خارجية: يتمثل أهمها في توفير ما يسد ثغور المسلمين، ويسد حاجتها من الرجال والمؤن، والقدرة على تجهيز الجيوش، بما يستلزمه ذلك من كفالة الرواتب، وإدرار العطاء، وتمويل الإنفاق على العتاد والسلاح، وترك بعض الأطراف؛ لتتولى مهام الدفاع عن حدود الدولة وأراضيها اعتماداً على ما لديها من خراج .
أراد الخليفة أن يضع بفقهه دعائم ثابتة لأمن المجتمع السياسي ليس في عصره فقط، بل وفيما يليه من عصور بعده .