تختلف أنواع الفيروسات التي تصيب الإنسان، حيث يصعب الكشف عن وجود الفيروس ما لم يسبب تغييرات في الخلايا المصابة، فعندما تدخل الفيروسات خلايا الكائن الحي تقوم بتدمير بعضها ومن ثم تحدث الإصابة بالأمراض، لكنها مع ذلك تعيش بداخل الخلايا دون إحداث أي أضرار بها، وهناك أنواع مختلفة من أمراض الطفولة المنتشرة كالحصبة، الجدري، النزلات المعوية، أمراض الكبد المعدية والإنفلونزا وغيرها من الأمراض التي تنتقل عن طريق العدوى الفيروسية وفي هذا التحقيق سنتعرف إلى نوعين من هذه الأمراض وعلاجهما وطرق الوقاية.
تشير الدكتورة مها درويش استشارية طب الأطفال، إلى أن النزلة المعوية الحادة التي تصيب الأطفال تكون إما على شكل وباء يصيب عدة أطفال في العائلة الواحدة أو الروضة، أو تصيب طفلاً واحداً بشكل فردي، وهي إصابة الأمعاء بالتهاب تتراوح أعراضه بين إسهال خفيف عابر إلى مرض شديد وجفاف يؤدي في بعض الحالات إلى الغيبوبة أو الوفاة إن لم تتم معالجته، وغالباً ما يبدأ المرض بحمى خفيفة وقيء، وتزول هذه الأعراض تدريجياً خلال أربعة إلى خمسة أيام، كما أن الفيروس المسبب للنزلة المعوية يُحدث التهاباً أو تلفاً لأغشية المعدة والأمعاء،
وتضيف: تسبب الإصابة بالنزلة المعوية عند الأطفال فقدان الكثير من السوائل والأملاح المعدنية ما يؤدي للجفاف الذي يعني نضوب ماء الجسم والأملاح، وبالتالي يحدث الإنهاك والتعب، وربما يكون خطراً على الحياة، وخاصة إذا ترافق مع القيء ويكون أكثر جدية عند الرضع والصغار.
إصابة فيروسية
وتوضح د. مها أن النزلات المعوية لها أسباب عديدة، ويمكن أن تكون بسبب الجراثيم أو الطفيليات أو الفيروسات، وتحدث الإصابة الفيروسية بدخول الفيروس إلى جسم الطفل عن طريق الطعام أو الشراب الملوثين، وربما تحدث العدوى مباشرة من شخص قريب يعتني بالطفل كأحد أفراد الأسرة أو الحضانة، يكون هو نفسه مصاباً بالنزلة المعوية، أو تكون العدوى عن طريق البراز (عند تغيير الحفاض لطفل مريض بالحضانة مثلاً)، فتنتقل العدوى لآخر سليم، وأخيراً هناك العدوى عن طريق الهواء المباشر، ومن الفيروسات المسببة للنزلة المعوية:
} فيروس الروتا، وهو السبب الرئيس في إسهال الأطفال والرضع، ويمكن أن يصيب الأشخاص البالغين أو المسنين أيضاً، ويسبب أذى شديداً للأمعاء، حيث يتوقف امتصاص السكريات ما يؤدي إلى تراكمها داخل الأمعاء فتزيد من حدة المرض، ويصاحب ذلك نقص امتصاص السوائل والأملاح ما يؤدي للإعياء والجفاف.
} فيروس الادنوفيروس، ويسبب نزلة حادة مع جفاف شديد وخاصة لدى الرضع والمسنين.
} فيروس النوروفيروس، ويستهدف الأطفال الأكبر سناً، والأشخاص البالغين.
أعراض النزلة المعوية
وتبين د. مها أن الأعراض تبدأ خلال ساعات من العدوى (من أربع ساعات إلى ثمانية وأربعين ساعة)، وغالباً ما يشكو الطفل من آلام بالبطن شديدة وغثيان، أما عند الرضع فتكون الأعراض يصاحبها قيء يستمر لعدة ساعات تصل أحياناً إلى ١٤ ساعة، وربما يصل الرضيع إلى المستشفى بحال من الجفاف الشديد، وهناك أعراض أخرى كثيراً ما تترافق مع الأعراض السابقة، كالحرارة، القشعريرة، آلام بالعضلات والمفاصل، انعدام الشهية، رفض تناول الطعام والشراب، نقص وزن حاد وسريع، إنهاك وإعياء، والجفاف الذي تظهر علاماته عند فحص الطفل المصاب بالنزلة المعوية، حيث يبحث الطبيب عن علامات الجفاف الناتج عن فقدان السوائل وفي الغالب يصنف الجفاف لثلاث درجات: الجفاف البسيط، المتوسط، والشديد المهدد للحياة، ومن علامات الجفاف الشديد:
} جفاف الفم واللسان والشفتين.
} الهمود، غياب النشاط، غياب الوعي أحياناً أو الغيبوبة وعدم الاستجابة للمحيط.
} انخفاض ضغط الدم.
} لا يوجد بول، حيث إن الطفل لم يتبول منذ أكثر من ثماني ساعات، أو تبول قطرات قليلة من بول غامق اللون شديد التركيز.
} عيون غائرة في الوجه.
} بكاء بدون دموع.
} عند الرضع، توجد علامة هامة، وهي تسطح اليافوخ الأمامي في الرأس (أو يقال إنه خسف للداخل).
فحوص تشخيصية
تذكر د. مها: في معظم الحالات البسيطة والمتوسطة لا يوجد حاجة لأي فحص مخبري ولا حتى فحص الفضلات، ولكن يجرى هذا الفحص إذا اختلط الإسهال بالدم أو أصبح مخاطياً، ويمكن إجراء مزرعة للبحث عن بكتيريا، وأحياناً نبحث عن فيروس الروتا من أجل عزل الطفل عن أقرانه في البيت أو الحضانة، أما فحص الدم فيجرى في الحالات الشديدة وخاصة للأطفال المنومين بالمستشفى، وهناك بعض العلامات التي عند حدوثها، يجب مراجعة الطبيب على الفور مثل: أن تكون الفضلات مدممة أو تحتوي على الدم سواء آثار لقطرات من الدم أو أكثر، تدني الوعي والإدراك الدوخة عند الأطفال الأكبر سناً، القيء المستمر، وجفاف الفم وغياب البول لعدة ساعات، كما يمكن أن تحدث بعض المضاعفات نتيجة الإصابة بالنزلة المعوية تستوجب إدخال المصاب إلى المستشفى ومنها:
} إذا استمر القيء لعدة ساعات متواصلة دون إبقاء أي طعام بالمعدة.
} عندما يشتد الإعياء على الطفل ويجعله غير قادر على الحركة ورافض للطعام.
} إذا قل البول أو انعدم خلال ست ساعات أو ظل الحفاض جافاً، وفي هذه الحالة تجب مراجعة قسم الإسعاف وبدء إعطاء المحاليل عن طريق الوريد.
علاج النزلة
تؤكد د. مها على أن أهم مبدأ في العلاج تعويض السوائل والأملاح وذلك حسب درجة الجفاف، وتنصح منظمة الصحة العالمية ومعظم جمعيات أطباء الأطفال حول العالم بتعويض السوائل والأملاح عن طريق الفم وذلك باستخدام ما يسمى محاليل الجفاف، وهذه المحاليل متوفرة بكثرة وفي متناول اليد ورخيصة وسهلة الاستعمال، ويمكن للأهل شراؤها من الصيدليات بدون وصفة طبية واستعمالها مباشرة عند بدء الأعراض لتفادي وعلاج الجفاف، كما يمكن الاستمرار بإعطاء هذه المحاليل للطفل طوال مدة وجود الإسهال، ويجب الاستمرار بإعطاء المحاليل حتى لو كان الطفل يأكل الأطعمة الصلبة فتعطى هذه المحاليل بين أو خلال الوجبات، ولا يسمح أبداً بشرب عصير الفاكهة وحتى عصير التفاح، كذلك لا يسمح بالمشروبات الغازية مثلاً، لأنها تعوض الماء والسكر ولا تعوض عن فقدان الأملاح.
تستكمل: ينصح بإعطاء المحاليل للطفل بكميات صغيرة تتراوح بين ٦٠ إلى ١٢٠ ملل كل نصف ساعة، أو كل ساعة حسب رغبة وتحمل الطفل، ويمكن أن يشرب هذه المحاليل بأي طريقة، إما بالكأس مباشرة أو زجاجة الرضاعة أو حتى بالملعقة، ولا ينصح بإعطاء كمية كبيرة من المحلول مرة واحدة ولا يجبر الطفل على شربها لأن ذلك من شأنه أن يزيد من القيء، وكذلك يجب أن تستمر الأم بالإرضاع الطبيعي في حال وجوده ولا يتوقف أبداً مهما كانت شدة الإسهال، كما يجب ألا يعطى حليب الصويا بأي حال من الأحوال بدون استشارة الطبيب، ويسمح بتناول الأغدية التالية حسب عمر الطفل:الحبوب مثل الرز والقمح، البطاطا، الخبز، اللحم، اللبن الزبادي بدون سكر، الموز، التفاح، بعض الخضار مثل الجزر، ولا بأس من استعمال البروبيوتيك أو البكتريا المفيدة، حيث أظهرت بعض الدراسات أنها تقلل من مدة الإسهال وتساعد الأمعاء على الشفاء والتعافي من الفيروس بفترة أقصر.
أخيراً تقول د. مها: «معظم الفيروسات والبكتريا المسببة لالتهاب الأمعاء تأتي إما عن طريق الطعام والشراب الملوثين أو عن طريق الأيدي، لذلك ينصح بغسل الأيدي قبل إطعام الطفل، وبعد تغيير الحفاض وخاصة في الحضانات أو المدارس، عند تحضير الوجبات، عزل الطفل المصاب عن بقية الأطفال».
وعن الإصابة بالتهاب الكبد الفيروسي الحاد عند الأطفال يفيد الدكتور طارق سلامة مختص طب الأطفال، أن هذا الالتهاب يصاب به الطفل خلال فترة تواجده بالحضانة، أو وجود بعض الفيروسات مثل ( فيروس الارنو، الفيروس المضخم للخلايا، فيروس حمى الغدد، فيروس الإيدز)، وعادة ما ينتهي التهاب الكبد الحاد خلال ستة شهور من الإصابة وعند الأطفال إذا بقي أو استمر الالتهاب بعد هذه الفترة فإن هذا يعني أن الطفل أصيب بالتهاب الكبد المزمن، كما أن مرض الالتهاب الفيروسي الحاد من الممكن أن يسبب حالة مرضية سريرية خفيفة أو أن يكون بأعراض مرضية تشفى من نفسها ونادراً ما يؤدي إلى عجز كبدي حاد، ومن أسباب الإصابة به:
1- بعض أنواع الأدوية.
2- مرض المناعة الذاتية.
3- المرض الاستقلابي.
4- الالتهابات وخاصة الفيروسية
5- متلازمة رايز حيث يكون مترافقاً مع الأسبرين.
انتقال العدوى
يؤكد د. سلامة أن مرض التهاب الكبد الفيروسي الحاد منتشر حول العالم وخاصة بالشرق الأوسط، إفريقيا، آسيا، ووسط جنوب أمريكا، ويصيب المرض الأطفال ممن تتراوح أعمارهم ما بين 5- 14 سنة وغالباً ما ينتقل هذا المرض بطرق عديدة منها:
1- عن طريق الدم.
2- عن طريق تناول طعام ملوث بفيروس (A) الكبدي ويدخل للجهاز الهضمي.
3- مراكز رعاية الطفولة والحضانات والأدوات المنزلية، من أسباب تفشي المرض.
4- إذا انتقل الطفل لمنطقة منتشر بها المرض.
5- يمكن أن تنتقل العدوى للأطفال حديثي الولادة عن طريق الدم، وتعتبر حالات نادرة الحدوث.
أعراض الفيروس (A)
يبين د. سلامة أن ذروة إفراز الفيروس الكبدي(A) تكون خلال أسبوعين قبل ظهور اليرقان على المريض، ولذلك فإن الطفل المريض يصبح بحالة عدوى للآخرين قبل أسبوعين من بداية ظهور الأعراض، ويستمر بهذه الحالة لأسبوع أو أكثر، ومن سمات هذا الالتهاب:
1- يعتبر شديد العدوى.
2- الأطفال الصغار المصابون بالتهاب الكبد الفيروسي عادة لا تظهر عليهم أعراض المرض واضحة.
3- التهاب الكبد الفيروسي A,B,E أشد وطأة على الكبار أكثر من الأطفال.
4- يشعر الطفل بتعب عام وفقدان للشهية، غثيان، قيء، آلام بالبطن، وجع بالمفاصل، مع ارتفاع في درجة الحرارة.
5- بعض الأطفال يظهر عليهم اليرقان ما يغير لون البول والبراز.
6- تضخم الكبد والطحال وظهور طفح جلدي.
ويستكمل: هناك بعض المضاعفات التي يتزامن حدوثها عند الإصابة بالتهاب الكبد الفيروسي الحاد ومنها:
1- عجز الكبد الحاد والمفاجئ وتحدث هذه الحالة لــ 1% من حالات التهاب الكبد الفيروسي الحاد.
2- اعتلال الدماغ وتجلط الدم ما يؤدي في بعض الحالات للوفاة إذا تأخرت الإجراءات العلاجية.
التشخيص والعلاج
يوضح د. سلامة أن التشخيص فحص واختبار وظائف الكبد، ومدى ارتفاع أنزيمات الكبد، ويفضل استخدام علم الأمصال الفيروسي لتشخيص حالة الإصابة بنوع الفيروس، ويكون العلاج بالطرق التالية:
1- في أغلب الأحيان تشفى حالات الكبد الحاد في الفترة ما بين 4-12 أسبوعاً.
2- الاهتمام والعناية بالمريض المصاب، وضرورة نقله إلى المستشفى إذا كان يعاني القيء المستمر أو التهاب الكبد الفجائي والشديد، واستشارة الطبيب المعالج.
3- توفير جميع الاحتياطات الطبية الوقائية الخاصة عند فحص دم وسوائل جسم المريض.
4- في حالة تحول التهاب الكبد الحاد للمزمن يتم إعطاء المريض علاجاً دائماً.
كيفية التعامل والاهتمام بالطفل المصاب بالفيروس
1- الاهتمام بالنظافة بصورة جيدة، والابتعاد عن تناول المياه أو الأطعمة الملوثة.
2- منح الطفل إجازة من الحضانة أو المدرسة على الأقل لمدة سبعة أيام أو أكثر بعد بداية اليرقان.
3- الحرص على عمل كافة التحاليل لمعرفة سبب ومصدر الالتهاب.
الوقاية
يؤكد د. سلامة أن هناك حالات ينصح بإعطائها تطعيمات الوقاية من التهاب الكبد الفيروسي وهم: الأطفال المصابون بمرض الكبد المزمن أو الهيموفيليا والذين على صلة بالمصابين وتتراوح أعمارهم ما بين 1- 50 سنة، كما يترتب الحرص على إعطاء التطعيم للمسافرين للمناطق المنتشر بها المرض أو التي لا تتوفر بها عناية جيدة بالصحة العامة وتنقية المياه وتنظيف الطعام، وعلى الوالدين مراعاة نصح أبنائهم بالخطوات الآتية لتجنب الإصابة بالتهاب الكبد الفيروسي الحاد:
1- الابتعاد عن الأماكن المكتظة بالناس.
2- تعزيز الصحة العامة ومنع تفشي الأمراض.
3- النظافة بصورة جيدة، وخاصة غسل اليدين، شرب الماء النقي، تناول الأطعمة الصحية.
4- الحرص على تطعيم الأطفال وخاصة الأكثر عرضة للإصابة بالمرض.
تطعيم الروتا
توصي الجهات الصحية بإعطاء تطعيم الروتا لجميع الرضع اعتباراً من عمر الشهرين، (جرعتان أو ثلاث حسب الشركة المصنعة للتطعيم)، حيث وجدت الدراسات أن هذا التطعيم يعطي مناعة ضد النزلة المعوية المسببة بفيروس الروتا فقط خلال السنتين الأوليين من عمر الطفل، وتتراوح نسبة هذه المناعة بين ٦٥% إلى ٨٥%، أي أن هناك نسبة من الأطفال الذين أخذوا التطعيم معرضون للإصابة بهذا الفيروس، والجدير بالذكر أن الإصابة بالنزلة المعوية مرة لا تعطي مناعة دائمة لنفس الفيروس أي أن تكرر الإصابة وارد، وكذلك إصابة احد الوالدين، (عدوى الأم من طفلها المصاب).