بين تاريخ تالد مازال يكتنفه الكثير من الغموض، ولم يبح بأسراره كاملة ومستقبل واعد ينتظر تطويرها لتنال ماتستحقه كمزار سياحي عالمي، تقف جزيرة فيلكا الكويتية شامخة تحكي لزوارها صفحات ناصعة من تاريخ حضارات العالم القديم والحديث، وتفصح عن أسرار مهمة عن حضارة دلمون أحد أقدم حضارات الأرض، فيما لاتزال أرضها تحتفظ بالكثير من أسرار حملة أعظم قائد عسكري في تاريخ البشرية الإسكندر الأكبر التي تتزاحم بعثات أثرية حالياً لاستنطاقها والبحث في أغوارها .

ويعلق الباحثون الذين ينشطون حالياً على أرض فيلكا آمالاً عريضة في أن تبوح جزيرة السعادة كما يعني اسمها بالبرتغالية بالكثير لاستجلاء مواطن غموض في حملة الاسكندر الأكبر العسكرية، التي دان له من خلالها الشرق بأكمله حيث كانت الجزيرة كما يعتقد الكثيرون مخزن أسرار جيش الاسكندر الذي أخضع العالم القديم كله شرقه وغربه لسلطان الإمبراطور الشاب .

تقع فيلكا عند مدخل جون الكويت في مواجهة العاصمة من جهة الشرق على بعد عشرين كيلومتراً داخل البحر وهي من أهم جزر الكويت، وتبلغ مساحتها نحو 24 كيلومتراً مربعاً وشكلها على هيئة مثلث قاعدته في الغرب ورأسه في الجنوب الشرقي . تعني كلمة فيلكا باللغة البرتغالية السعادة وجاء ذكر الجزيرة في كتابات المؤرخ أريان حيث ذكر أنها سميت بإيكاروس تيمناً بجزيرة إيكاروس الإغريقية الأصلية الواقعة في بحر إيجه، ويقول المؤرخ اليوناني آريستوبوليس إن الإسكندر الأكبر أمر بتسمية هذه الجزيرة بنفس اسم الجزيرة الموجودة في بحر إيجه وقد ذكر بطليموس جزيرة إيكارا (إيكاروس) ضمن الجزر الواقعة في الخليج، وكان أقدم ذكر لإيكاروس من قبل المؤرخ سترابو الذي كتب في نهاية القرن الأول قبل الميلاد آخذاً معلوماته من إيراتوشنيس الذي عاش في القرن الثالث قبل الميلاد، الذي أرسله الإسكندر الأكبر مع أسطوله إلى الخليج حيث ذكر أنه رأى من الجزيرة المعبدين الموجودين فيها .

وينتمي أغلبية سكان جزيرة فيلكا إلى قبائل عربية نزحت من نجد والإحساء أو من عرب فارس، وتنتشر آبار مياه الشرب على طول الساحل الغربي للجزيرة الآهلة بالسكان، وفي المنطقة الجنوبية منها وأشهر هذه الآبار آبار منطقة المطاين ومفردها مطينة، واهتم حكام الكويت بجزيرة فيلكا اهتماماً خاصاً، وكان لها أمير من آل الصباح منذ عهد الحاكم الثاني للكويت، وأصبح منذ ذلك الحين يتردد إليها أمراء وحكام الكويت فشيدوا على أرضها الكثير من المباني والقصور، كما أن بعضهم استقر بها وجعلها سكناً شبه دائم له مثل الشيخ جابر الصباح رحمه الله وخلفه ابنه الشيخ محمد الجابر الصباح . ومنذ عام 1921م داوم الشيخ عبدالله السالم الصباح على الذهاب إلى الجزيرة وقضاء فترات طويلة بها .

وتشهد الآثار التي تحتضنها جزيرة فيلكا على أهمية الجزيرة وتسهم في توثيق وكتابة مسيرة الإنسان في الخليج العربي، وجذورها ضاربة في عمق التاريخ منذ الألف الثاني قبل الميلاد وحتى الفترات الإسلامية المختلفة .

وكانت أهم مركز حضاري وتجاري لمملكة دلمون، حيث كانت مركز الآلهة آنذاك، وأصبحت مركزاً حضارياً مهماً خلال الفترة العباسية بعد انتقال مركز الخلافة إلى بغداد وأصبح الخليج العربي بحيرة إسلامية عباسية، وما زالت الجزيرة تحتفظ بالكثير من أسرارها، مما يستدعي تكثيف العمل الأثري الميداني كما يقول رئيس المجلس الوطني للثقافة والفنون والآداب المهندس علي اليوحة الذي أكد أن فيلكا كانت بمثابة أحد المواقع العسكرية المتقدمة لجيش الإسكندر المقدوني الذي فتح قارة آسيا في القرن الرابع قبل الميلاد، متمنياً أن يكشف علماء الآثار الذين يعملون فيها الآن الآثار التي طمرتها الرمال الصحراوية عن أسرار الانتصار العسكري لإسكندر المقدوني قبيل إقامة هذا الموقع في القرن الرابع قبل الميلاد .

وأشار الأمين العام للمجلس الوطني للثقافة والفنون والآداب إلى أن الحكومة الكويتية قررت في تسعينات القرن الماضي تحويل جزيرة فيلكا إلى منتجع سياحي، واستلزم هذا الأمر من المجلس الوطني اتخاذ قرار بضرورة تكثيف العمل الأثري في الجزيرة بدعوة عدد من البعثات الآثارية العلمية .

وأوضح اليوحة أنه على مدى ثلاثة مواسم متتالية تم تنقيب 700 متر مربع تقريباً، وتم اكتشاف جدران مبنية من الصخور متوازية ومتقاطعة مع بعضها بعضاً لغرف تحتوي أغلبها على جرار للتخزين مصنوعة من الفخار الأحمر المؤرخ بالألف الثاني قبل الميلاد على مستويات مختلفة، بينما كان أهم ما عثر عليه في هذا الموقع وللمرة الأولى في تاريخ التنقيب الأثري بالجزيرة كان قبر إنسان دفن بطريقة القرفصاء، وهو ما مكن الباحثين من تأريخه بالعصر البرونزي .

وجعل موقع الجزيرة من أهلها صيادين مهرة ابتكروا طرقاً ومسميات عدة للصيد بوساطة الشباك والقرقور أو على الساحل بوساطة الحظرة والسنارة والطاروف والساليه وغيرها من أدوات الصيد، وأيضاً كانت مهنة الغوص للبحث عن اللؤلؤ حتى الأربعينات من المهن الرئيسة لأهالي الجزيرة، وهناك عدد من نواخذة الغوص من الأهالي يمتلكون سفناً كبيرة، وكان بعض نواخذة الغوص من أهالي الكويت يستعينون برجال لهذه المهنة من أهل الجزيرة .