نستطيع أن نقول: إن قاعدة التصور الإسلامي لمركزية الإنسان، ولدوره على الأرض تنبني فوق أسس ثلاثة: الإشهاد، والأمانة، والاستخلاف .

أقر الإنسان بالعبودية، وشهد بربوبية الله عز وجل، وشهد على نفسه بذلك، وشهد على بني جنسه بأنهم شهدوا، فكان كل ابن آدم شاهداً وشهيداً، ودوت في عالم الذر شهادة أن لا إله إلا الله، واستقرت في فطرة كل بني آدم .

ثم حمل الإنسان الأمانة فيما أشفقت من حملها مخلوقات بحجم السماوات والأرض والجبال .

الاستخلاف هو الأساس الثالث الذي تنبني عليه قاعدة التصور الإسلامي للإنسان ولقد جرى الاستخلاف في أجلّ وأروع مشاهد التكريم للإنسان، وتعطي سورة البقرة تفاصيل مهمة عن البعد الأهم في قصة البشرية الأولى، وهو بعد الاستخلاف، وهو ما لم تذكره آيات قصة الخلق الأخرى في القرآن، والمتأمل في آيات قصة الخلق في القرآن سيجد أنها جميعاً لا تخرج عن سياق التذكير باليوم الآخر والحشر، وللتدليل على أن من بدأ الخلق يعيده، وهو أهون عليه، ولكن سياق قصة البشرية الأولى في سورة البقرة جاء وافياً ومستوفياً لأغراض الخلق، وتجد أن الحديث فيها موصول بما قبله برباط بديع ومعجز .

ابتدأت سورة (البقرة) بالكلام عن القرآن: (ذَلِكَ الْكِتَابُ لاَ رَيْبَ فِيهِ هُدًى لِّلْمُتَّقِينَ)، ثم تحدثت الآيات في أول السورة عن أصناف البشر، فمنهم هؤلاء الذين آمنوا، ومنهم أولئك الذين كفروا ومنهم من (وَإِذَا لَقُواْ الَّذِينَ آمَنُواْ قَالُواْ آمَنَّا وَإِذَا خَلَوْاْ إِلَى شَيَاطِينِهِمْ قَالُواْ إِنَّا مَعَكْمْ إِنَّمَا نَحْنُ مُسْتَهْزِئُونَ) (البقرة: 14) .

بدأ بالحديث عن أصناف البشر في الدنيا، من بعد خلقهم، وانتهى بالحديث عن جزاء كل صنف في الآخرة من بعد بعثهم، فأفرد الحديث عن المؤمنين الذين يدخلون في: فَمَن تَبِعَ هُدَايَ فَلاَ خَوْفٌ عَلَيْهِمْ وَلاَ هُمْ يَحْزَنُون، وأدمج الحديث عن الكافرين والمنافقين في: وَالَّذِينَ كَفَرواْ وَكَذَّبُواْ بِآيَاتِنَا أُولَئِكَ أَصْحَابُ النَّارِ هُمْ فِيهَا خَالِدُونَ (البقرة: 39) .

ومن الحديث عن أصناف البشر في الدنيا خلصت الآيات إلى الحديث عن قوم الرسول الخاتم صلى الله عليه وسلم: يَا أَيُّهَا النَّاسُ اعْبُدُواْ رَبَّكُمُ الَّذِي خَلَقَكُمْ وَالَّذِينَ مِن قَبْلِكُمْ لَعَلَّكُمْ تَتَّقُونَ (البقرة: 21)، وتحداهم بأن يأتوا بسورة من مثل ما أنزل على محمد صلى الله عليه وسلم .

وانتقلت الآيات إلى طرح السؤال الكبير: كَيْفَ تَكْفُرُونَ بِاللَّهِ وَكُنتُمْ أَمْوَاتاً فَأَحْيَاكُمْ ثُمَّ يُمِيتُكُمْ ثُمَّ يُحْيِيكُمْ ثُمَّ إِلَيْهِ تُرْجَعُونَ (البقرة: 28)، وقبل أن تنتقل الآيات إلى الحديث عن قصة البشرية الأولى مباشرة أشارت إلى ما سبق الخليقة: هُوَ الَّذِي خَلَقَ لَكُم مَّا فِي الأَرْضِ جَمِيعاً ثُمَّ اسْتَوَى إِلَى السَّمَاء فَسَوَّاهُنَّ سَبْعَ سَمَاوَاتٍ وَهُوَ بِكُلِّ شَيْءٍ عَلِيمٌ (البقرة: 29)، وبدأت الآيات تحكي قصة البشرية الأولى فتحدثت عن استخلاف آدم، وسؤال الملائكة عن الحكمة من وراء هذا الاستخلاف، وتعليم آدم الأسماء كلها، والأمر بالسجود وسجود الملائكة وإباء إبليس، وسكنى آدم وحواء في الجنة، واقترافهما الفعل المنهي عنه، وتوبة آدم وحواء، والهبوط إلى الأرض، وانتهت القصة هنا بالمصير المتوقع للمسيرة على الأرض إما مؤمنون لا خوف عليهم ولا هم يحزنون، وإما كافرون مآلهم إلى النار هم فيها خالدون .

سورة الأعراف

وبعد ذلك، وفي سورة الأعراف، وهي السورة التالية -حسب ترتيب المصحف- التي ورد بها طرف من قصة البشرية الأولى، جاء السياق كأنه يكمل ما ورد في سورة البقرة، فقد بدأت سورة الأعراف بالحديث عن القرآن، كما بدأت سورة البقرة، وكانت سورة البقرة قد انتهت من سرد قصة البشرية الأولى بالحديث عن الهبوط إلى الأرض: قُلْنَا اهْبِطُواْ مِنْهَا جَمِيعاً فَإِمَّا يَأْتِيَنَّكُم مِّنِّي هُدًى فَمَن تَبِعَ هُدَايَ فَلاَ خَوْفٌ عَلَيْهِمْ وَلاَ هُمْ يَحْزَنُونَ * وَالَّذِينَ كَفَرواْ وَكَذَّبُواْ بِآيَاتِنَا أُولَئِكَ أَصْحَابُ النَّارِ هُمْ فِيهَا خَالِدُونَ (البقرة 38-39، وبدأت سورة الأعراف من حيث انتهت سورة البقرة، بالأمر: اتَّبِعُواْ مَا أُنزِلَ إِلَيْكُم مِّن رَّبِّكُمْ وَلاَ تَتَّبِعُواْ مِن دُونِهِ أَوْلِيَاء قَلِيلاً مَّا تَذَكَّرُون (الأعراف: 3)، ثم تحدثت عن المصير المحتوم: وَالْوَزْنُ يَوْمَئِذٍ الْحَقُّ فَمَن ثَقُلَتْ مَوَازِينُهُ فَأُوْلَئِكَ هُمُ الْمُفْلِحُونَ * وَمَنْ خَفَّتْ مَوَازِينُهُ فَأُوْلَئِكَ الَّذِينَ خَسِرُواْ أَنفُسَهُم بِمَا كَانُواْ بِآيَاتِنَا يِظْلِمُون (الأعراف: 8-9) .

وكما بدأت القصة في سورة البقرة بتأكيد أن الله خلق لبني آدم ما في الأرض جميعا بدأت سورة الأعراف الحديث عن القصة بالآية: وَلَقَدْ مَكَّنَّاكُمْ فِي الأَرْضِ وَجَعَلْنَا لَكُمْ فِيهَا مَعَايِشَ قَلِيلاً مَّا تَشْكُرُون (الأعراف: 10)، وأردفت الآيات تقول: وَلَقَدْ خَلَقْنَاكُمْ ثُمَّ صَوَّرْنَاكُمْ ثُمَّ قُلْنَا لِلْمَلائِكَةِ اسْجُدُواْ لآدَمَ فَسَجَدُواْ إِلاَّ إِبْلِيسَ لَمْ يَكُن مِّنَ السَّاجِدِينَ (الأعراف: 11) .

وتركيز السورة هنا في الأعراف على: تكريم بني آدم بسجود الملائكة له، ومخالفة إبليس أمر الله وما قاله .

سلطان الأرض

ونلاحظ أن قصة الخلق والاستخلاف والتعليم لم يجر الإشارة إليها هنا في سورة الأعراف، لأن التركيز كان منصباً على عداوة إبليس لبني آدم، وذكر تفاصيل تلك العداوة الأولى والمستمرة في حياة البشر .

وعلى هذا جرت المواضع الأخرى التي ذكرت قصة البشرية الأولى حيث تناول كل موضع منها طرفاً من القصة يضيف تفصيلة إلى تفاصيلها، ليرسم مجموعها معاً كامل القصة كما أراد القرآن أن يصوغها لنا .

إن مشهد استخلاف آدم هو في معناه وجوهره مشهد للحرية في أجلّ وأعمق صورها . مشهد يقول فيه الله الواحد القهار، وتسأل فيه ملائكته الأبرار وتستفهم بل وتتعجب، وفيه يعلن إبليس عصيانه ويطلب النظرة إلى يوم الدين، ويبدي حججه في الرفض الأعمى، والعصيان المخرج من الطاعة، ويتوعد المخلوق المكرم بأمر الله، ويمتنع عن السجود اختياراً من دون مانع خارج عن ذاته، فدخل عالم الحرية وقبل بالابتلاء اختياراً وأجيب إلى ما طلب وطرد من رحمة ربه، ولعن إلى يوم الدين .

وتفاصيل مشهد الاستخلاف كما رواه القرآن الكريم عظيم الدلالة على ما نذهب إليه . وكما لاحظنا في حكاية ذلك المشهد الذي تصدر سورة البقرة أن القرآن عطف قصة خلق أول البشر على قصة خلق السماوات والأرض، فما إن انتهت الآيات الكريمات من الحديث عن خلق السماوات والأرض، حتى أتبعت ذلك بقصة استخلاف الإنسان، الذي هو سلطان الأرض والمتصرف في أحوالها: هُوَ الَّذِي خَلَقَ لَكُم مَّا فِي الأَرْضِ جَمِيعاً ثُمَّ اسْتَوَى إِلَى السَّمَاء فَسَوَّاهُنَّ سَبْعَ سَمَاوَاتٍ وَهُوَ بِكُلِّ شَيْءٍ عَلِيمٌ (البقرة: 29) .

إننا نلاحظ أن لفظة لكم جعلت الأرض وما فيها جميعاً في دائرة الاستخلاف، وكأن الأصل في الأرض هو الإنسان: وَإِذْ قَالَ رَبُّكَ لِلْمَلاَئِكَةِ إِنِّي جَاعِلٌ فِي الأَرْضِ خَلِيفَةً، ولا شك أن تعقيب ذكر خلق الأرض وما فيها، بذكر إرادته تعالى جعَل الخليفة دليل على أن جعْل الخليفة كان أول الأحوال على الأرض بعد خلقها، فالخليفة هو الذي يخلف صاحب الشيء في التصرف في مملوكاته، ولا يلزم أن يكون المخلوق مستقراً في المكان من قبل .

الخليفة آدم وبنوه من بعده، وقوام خلافتهم قيامهم بتنفيذ مراد الله تعالى من تعمير الأرض، وتلقين ذريتهم من بعدهم مراد الله تعالى من هذا العالم الأرضي .

وحين تلقت الملائكة نبأ خلق آدم، كان معنى ذلك أن تحولاً وشيكاً قد بدأت بوادره تلوح في الأفق مع هذا النبأ العظيم: إِذْ قَالَ رَبُّكَ لِلْمَلائِكَةِ إِنِّي خَالِقٌ بَشَراً مِن طِينٍ (ص: 71)، وكان أول ما أثار هذا النبأ أن الملائكة راحوا يتجادلون في ما بينهم: مَا كَانَ لِي مِنْ عِلْمٍ بِالْمَلإِ الأَعْلَى إِذْ يَخْتَصِمُونَ (ص: 69)، فقد تجادلوا حول هذا المخلوق الجديد الذي أخبرهم الله تعالى بأنه خالقه .

سألت الملائكة، وكان سؤالهم استفهاماً حقيقياً معناه طلب معرفة الحكمة في ذلك .